الأكراد وتقرير بيكر- هاملتون   
الأربعاء 14/12/1427 هـ - الموافق 3/1/2007 م (آخر تحديث) الساعة 10:27 (مكة المكرمة)، 7:27 (غرينتش)


تركي علي الربيعو

إنها لعنة التاريخ كما يقال، فدروب كردستان دائما كانت ضيقة وعرة وتفضي إلى طريق مسدود، وجبالها الشديدة الوعورة تشهد بدورها على وعورة القضية الكردية وآفاقها المسدودة، فلم تكد تمضي ثلاث سنوات على الاحتلال الأميركي للعراق حتى تكاثرت خيبات الأمل كفطر ذري سام في دروب كردستان، فثمة مرارة بحلق الشعب الكردي من سلوك الولايات المتحدة الأميركية ومن تقاريرها التي تهدد بتقديم الأكراد على مذبح مصالحها الخاصة.

فرغم احتضان الشعب الكردي المستمر "للقيم الأميركية السامية" كما جاء على لسان الزعيمين الكرديين جلال الطالباني ومسعود البارزاني في رسالتهما التاريخية للرئيس بوش، وترحيبه بالجنود الأميركيين كمحررين للشعب العراقي وبالأخص للشعب الكردي ودعمه اللامحدود لخطط الأميركان في تحرير العراق كما جاء على لسان الرئيس جلال الطالباني، يكتنف شعور بالخيبة الشارع الكردي من أن الأميركان كعادتهم على استعداد لبيع القضية الكردية في سياق المصلحة الأميركية، لنقل في سوق النخاسة الأميركي إن جاز التعبير، وهذا ما جاء في تقرير بيكر-هاملتون.

"
من رسالة الطالباني والبارزاني لبوش: نحن سوف نبقى أصدقاء مخلصين لأميركا حتى لو لم يقابل دعمنا دائما بالمثل, فمصيرنا مرتبط بوثائق وشيجة بمستقبلكم في العراق ونحن واثقون بأنكم تتفقون معنا على أنه لا يتوجب إنزال العقوبة والقصاص بكردستان لصداقتها مع أميركا
"
كثيرون هم اللذين يذكرون نص الرسالة التاريخية التي وقعها كل من مسعود البارزاني وجلال الطالباني الموجهة للرئيس بوش بتاريخ 8/6/2004، على أثر التصريحات التي أدلى بها السفير بول بريمر بأنه لا يحق لكردي أن يشغل أيا من منصبي رئيس الوزراء أو رئيس جمهورية العراق.

بريمر الذي يصف القيادات الكردية في مذكراته "عام قضيته في العراق-2006" بأبشع النعوت -وقد كان يعاملها بازدراء-، فقد جاء في الرسالة ما يلي (منذ تحرير العراق شعرنا بانحياز السلطات الأميركية ضد كردستان لأسباب لا نفهمها) وأنه (نادرا ما تذكر الحكومة الأميركية أو إدارة الحلفاء المؤقتة اسم كردستان أو الشعب الكردي)، لذلك فقد طالب الزعيمان الكرديان بإيجاد تسوية بوضع كركوك التي أرادها الأكراد أن تكون غنيمة حرب يغنمونها في الوقت الضائع وفي إطار الفوضى التي يعيشها العراق, وإدارة المصادر الطبيعية في كردستان(مصادر النفط الجديدة) وأن تفتح الولايات المتحدة لها قنصلية في أربيل، فالتبعية للعاصمة بغداد أرهقت كاهل الأكراد.

وقد ختمت الرسالة بالقول (نحن سوف نبقى أصدقاء مخلصين لأميركا، حتى لو لم يقابل دعمنا دائما بالمثل، فمصيرنا مرتبط بوثائق وشيجة بمستقبلكم في العراق، ونحن واثقون بأنكم تتفقون معنا على أنه لا يتوجب إنزال العقوبة والقصاص بكردستان لصداقتها الحميمة ودعمها غير المحدود للولايات المتحدة الأميركية)؟.

رغم تولي منصب رئيس الجمهورية العراقية لكردي ظل يشكو من أنه منصب شكلي لا يعطيه أي صلاحيات سوى الواجبات البروتوكولية كما صرح الرئيس طالباني عدة مرات، ظلت المشاكل الأخرى عالقة، فكركوك المدينة التي أرادها الأكراد أن تكون غنيمة حرب ظلت عالقة والوضع الاستثنائي للأكراد ظل يصطدم بجدار السلطات الأميركية التي رفضت دائما كل عملية انفصال للأكراد.

ورغم التظاهرات الحاشدة التي عرفها الشارع الكردي في السليمانية وأربيل في العام 2004 الذي طالب بضم كركوك وإعلان الاستقلال، كان الوضع يفضي دائما إلى طريق مسدود وإلى المسالك الوعرة لدروب كردستان.

"
جاء تقرير بيكر-هاملتون ليدير ظهره للأكراد نهائيا، فالتقرير يبقي الوضع الاستثنائي لكركوك ولا ينص على اقتسام عائدات النفط التي ما مل الأكراد المطالبة بها، والأكثر من ذلك أنه يعطي دول الجوار دورا كبيرا لاستقرار العراق
"
وأخيرا جاء تقرير بيكر- هاملتون ليدير ظهره للأكراد نهائيا، فالتقرير يبقي الوضع الاستثنائي لكركوك ولا ينص على اقتسام عائدات النفط التي ما ملّ الأكراد من المطالبة بها، والأكثر من ذلك أنه يعطي دول الجوار (تركيا وإيران وسوريا) دورا كبيرا لاستقرار العراق، وهذا ما دفع عدنان المفتي رئيس البرلمان الكردي إلى القول إن التقرير قد صيغ بطريقة قديمة، وهي عقلية السبعينيات وأنه يراعي مصالح الأنظمة ودول الجوار دون مصالح الشعوب، ويقصد بذلك مصلحة الشعب الكردي المهددة بالضياع؟.

لقد خاطب البرلمان الكردي الذي عاش حالة من الهياج الرئيس بوش معلنا رفضه القاطع لتقرير بيكر- هاملتون مشددا على الصداقة المخلصة التي يمحضها الأكراد للولايات المتحدة الأميركية التي باتت ضربا من الاستجداء.

في رأيي أن الهياج الذي عاشه البرلمان الكردي إزاء تقرير بيكر-هاملتون يخفي أمورا عدة ويعكس مدى القلق والخوف الشديد لدى الشارع الكردي الذي يشعر عن حق أن الإدارة الأميركية قد خذلته وقد تتركه نهبا لدول الجوار الجغرافي في حال الانسحاب الأميركي من العراق، ما يشكل عودة حقيقية فعلا إلى حقبة السبعينيات من العقد المنصرم، وأن الإدارة الأميركية عاجزة عن إدراك ما يسميه الأكراد بالوضع الاستثنائي لكردستان العراق حيث يتباهى البعض بأن الوضع الآمن في الشمال هو نتيجة حية للتعاون الأمثل بين الولايات المتحدة الأميركية ومن قدروا أهمية التحرير؟

فالتقرير يتجاهل كل الامتيازات التي يطالب بها الأكراد ولا يتعرف على الخصوصية في كردستان، والمقصود بذلك الحالة الأمنية والاستثنائية في شمال العراق التي أشرنا إليها آنفا التي طورت نموذجا كفيلا بالحكم على التجربة ويتمثل في نظام الكفيل الكردي الذي لا يسمح لأي عراقي غير كردي بدخول كردستان إلا إذا تعهده كردي بالكفالة وشهد له بحسن السلوك؟.

يشعر الأكراد أن الفشل الأميركي في العراق الذي قد يتبعه انسحاب كامل أو شبه كامل من العراق سيترك فراغا لن يملأه في الحاضر إلا دول الجوار الجغرافي التي ستجد في كردستان غنيمة أخرى والسؤال ماذا سيفعل الأكراد؟ هل سيستمرون في احتضان (القيم الأميركية السامية) والوفاء الأعمى لأميركا؟ وما الخيارات التي يملكونها في حال الانسحاب الأميركي من العراق؟

"
الخيارات التي يملكها الأكراد في حال انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من العراق تفضي جميعا إلى دروب كردستان الضيقة وطرقها في التبعية، وهذا ما يبرر كل هذا الهيجان البرلماني والإعلامي الذي عاشته كردستان بعد تقرير بيكر/هاملتون
"
يدرك الأكراد أن النهج الأعمى في التبعية هو إرث سياسي كردي قديم، وهذا ما فات على عدنان المفتي، وهذا ما يرويه لنا جوناثان راندل في كتابه "أمة في شقاق.. دروب كردستان كما سلكتها" في فصل خاص بعنوان شحاذ السليمانية يروي قصة لقاء الملا مصطفى البارزاني مع مجموعة من النسوة الفلسطينيات، فقد سألته النسوة كيف تبرر علاقتك بإسرائيل؟! فأجاب: أنا مثل الشحاذ الأعمى الواقف عند باب الجامع الكبير في مدينة السليمانية والعاجز عن رؤية من يضع في يده الممدودة قطعة نقدية.

لقد سعى السيد مسعود البارزاني أن يقطع مع هذا النهج خاصة بعد الاحتلال الأميركي للعراق، وبدا عليه الفرح بالقول إننا لن نكون من الآن وصاعدا جندرمة لأحد، ولذلك سعى في هذه السنوات الثلاث إلى حمل أكثر من بطيخة في يد واحدة، أي إلى لعب دور إقليمي تنوء بحمله بلدان، ولكنه قدر كردستان أن تعود دائما إلى نقطة الصفر، وهذه هي السياسة التي ترغم الأكراد دائما على الحسرة على الوقت الضائع في التبعية للآخر.

في رأيي أن الخيارات التي يملكها الأكراد في حال انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من العراق تفضي جميعا إلى دروب كردستان الضيقة وطرقها في التبعية، وهذا ما يبرر كل هذا الهيجان البرلماني والإعلامي الذي عاشته كردستان بعد تقرير بيكر/هاملتون.

إنها خيارات تجعل من كردستان بلاد الألف حسرة وحسرة كما يقول جوناثان راندل، لكن الحسرة هذه المرة التي نتحسسها في حلق المسؤولين الأكراد والبرلمانيين والأهم الشعب الكردي الذي يشعر دائما أن النهج الذي تتبعه قياداته قد تفوق بوقعها كل الحسرات السابقة لتجعل من كردستان بلاد الألف حسرة وحسرتين ؟
ــــــــــــــ
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة