لماذا تتعطل الثورة الأوكرانية في العالم العربي!؟   
الخميس 1425/12/3 هـ - الموافق 13/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 16:13 (مكة المكرمة)، 13:13 (غرينتش)


عاطف معتمد عبد الحم
يد

- عن أي معارضة يتحدثون؟
- منافذ الدور الأميركي

أسدل فوز زعيم المعارضة الأوكرانية فيكتور يوشينكو في الجولة الثالثة من الانتخابات الرئاسية الستار على المشهد الأخير من الحراك السياسي في واحدة من مفاتيح الجغرافيا السياسية في القارة الأوروبية.

ولو أردنا الدقة لقلنا إن يوشنكا قد تُوج رئيسا لأوكرانيا قبل شهر حينما خضعت المحكمة الدستورية العليا لقوة الجماهير وأبطلت نتائج الانتخابات.

"
المعارضة في جورجيا وأوكرانيا لم تأت فجأة أو متسللة من دهاليز وأزقة مهمشة كما هي الحالة العربية
"
أما ما رافق الجولة الثالثة من هدوء مدهش فيدعم الاعتقاد بأن تسوية ما قد تمت في الظلام يسكت بموجبها الخاسر -رئيس الوزراء السابق ينوكوفيتش- عن إشعال مطالب الانفصال عن الدولة مقابل أن يسكت زعيم المعارضة الذي صار رئيسا عن إيداع غريمه السجن وملاحقة معاونيه المتهمين بالفساد.

وهو اتفاق كان غرس بذوره تنازل بوريس يلتسين لفلاديمير بوتين عن كرسي الرئاسة في مثل هذا الشتاء من عام 2000.

والآن ما وجه التشابه بين العالم العربي وأوكرانيا؟ ألا تمنع الخصوصية الإقليمية من تفرد الظروف وتميز التطور السياسي والاجتماعي ومن ثم عدم شرعية المقارنة؟

تسعى السطور المقبلة إلى العثور على التشابهات والاختلافات في النموذجين، وربما نتمكن من اختبار حقيقة الصيحة المرفوعة الآن بضرورة محاكاة الثورة الجورجية (نوفمبر 2003) ونظيرتها الأوكرانية (نوفمبر 2004) اعتمادا على ثلاثة ملامح متشابهة.

أولها وقوع الاقتصاديات الوطنية في كل من جورجيا وأوكرانيا وعدد لا بأس به من دول العالم العربي في شرك عملية خادعة من سيطرة فئة نخبوية متصاهرة مع السلطة تتقاسم معها المصالح والثراء بطريقة تشبه اقتصاد الأمراء الاقطاعيين في العصور الوسطى.

وثانيها احتباس مخزون كامن من قوة دفع هائلة يسميها فاتسلاف هافيل مخترع الثورة السلمية في أوروبا الشرقية في عهد الشيوعية بقوة المقهورين، وهى قوة تجمعت عبر عقود طويلة من الانتظار لعل شيئا ما يتغير إلى الأحسن.

وثالثها حذر وعناية بخريطة عرقية ومذهبية شائكة تقف فيها كثير من العناصر في مواجهة بعضها البعض، وهو ما يجعل التحرك للتغيير تحدق به مخاطر الحرب الأهلية والاشتباكات المسلحة.

عن أي معارضة يتحدثون؟
هناك عشرات العناصر التي تجعل التجربتين مختلفتين، نختار أخطرها تأثيرا وهو دور ومكانة المعارضة.

لابد أن نأخذ في الاعتبار بداية أن المعارضة في جورجيا وأوكرانيا لم تأت فجأة أو متسللة من دهاليز وأزقة مهمشة كما هي الحالة العربية، بل كانت تشغل مركزا مرموقا في البناء السياسي، فالرئيس الجورجي ميخائيل ساكشفيلي الذي قاد الثورة الجورجية كان يشغل منصب رئيس مجلس العاصمة ثم وزيرا للعدل في عام 2000 وذلك في حكومة شفرنادزه التي أسقطها لاحقا.

أما فيكتور يوشنكا الذي قاد المعارضة الأوكرانية وأصبح الآن رئيسا للبلاد فلم يكن رجلا غير معروف بين الناس كما هي حال عديد من قادة المعارضة في العالم العربي، بل شغل منصب رئيس البنك المركزي الأوكراني خلال الفترة من 1993 إلى 1999 وصنفه الإعلام الأميركي كواحد من أفضل عشرة مصرفيين في العالم، ليجلس بعدها في مقعد رئيس وزراء أوكرانيا خلال الفترة من 1999 إلى 2001.

"
من المخزي أن تجد عدد المريدين لأحد المطربين العرب يفوق بمائة ضعف أتباع زعيم ما من زعماء المعارضة.. إنها حالة إفلاس إذن في كوادر ورموز المعارضة السياسية في العالم العربي وغياب الثقة بين الجمهور وهؤلاء الرموز
"
وواجب أن ننتبه أيضا إلى أن للمعارضة في النموذج الجورجي – الأوكراني تجربة من العمل العام ومن خلالها قدمت نفسها للجماهير وليس من خلال الموقع الحبيس الذي تُحاصر فيه المعارضة في البلاد العربية.

لقد كان أحد أسباب الدعم الذي حصل عليه زعيم المعارضة الأوكرانية هو جهوده في الإصلاح الاقتصادي خلال فترة رئاسته للبنك المركزي ثم رئاسة الوزراء خلال ما يقرب من عقد من الزمان.

وحري بنا أن نلحظ أن المعارضة في النموذج الجورجي-الأوكراني امتلكت إلى جانب الصحف ومواقع الإنترنت نوافذ تلفزيونية أطلت بها على الناس وقدمت من خلالها برامجها ومشروعاتها السياسية.

وكما كانت قناة التلفزيون "روستافي 2" قناة خاصة بالمعارضة الجورجية كانت "القناة الخامسة" الأوكرانية نافذة المعارضة للإلحاح على شعار "دعم المرشح الوطني أمام المافيا الناهبة للبلاد".

وعلى سبيل المقارنة، فإنه في يوم النصر الذي حققت فيه المعارضة الأوكرانية فوزها الاثنين 27/12/2004 كان زعيم المعارضة في دولة عربية كبرى يقدم لوما كسيرا لحكومته لرفضها عرض أي أخبار عن الاجتماع السنوي لحزبه، ولو مدة ثوان عدة على شاشة التلفزيون الوطني.

وكان غاية ما طالب به زعيم المعارضة في ذلك البلد هو أن يسمح التلفزيون الحكومي للناس بأن يعرفوا أن هناك حزبا معارضا على الخريطة السياسية يعقد اجتماعا ويناقش قضايا تخص الوطن!

لم تكن المعارضة في جورجيا وأوكرانيا تستجدي الإعلام الحكومي لعرض أخبار عنها، كما لم تقدم نفسها ببضاعة قوامها أخبار فضائح بعض الوزراء ورجال الدولة كما هو الحال في أكثر النماذج العربية الليبرالية، بل كان هناك مشروع سياسي متكامل يفترض في وقت ما وصوله إلى السلطة.

وقد مهدت الظروف السابق ذكرها السبيل لظهور الزعيم "الكارزمي" متجسدا في شخصية لها حضور وقبول ولكلماتها السحر: "هنا عسكروا، لا تبرحوا أماكنكم ، واصلوا اعتصامكم لأسبوعين متتالين"، والإجابة: "سمعا وطاعة".

ويبدو أن هذه أخطر الفروق في المقارنة مع الحالة العربية التي يغيب عن أكثر دولها حريةً مثل تلك الشخصية الكارزمية التي يلتف حولها الناس.

وقد يبدو مخزيا أن تجد عدد المريدين لأحد المطربين العرب يفوق بمائة ضعف أتباع زعيم ما من زعماء المعارضة، إنها حالة إفلاس إذن في كوادر ورموز المعارضة السياسية في العالم العربي تزاحمها أزمة ليست أقل خطرا وهي ضعف الثقة بين الجمهور وهؤلاء الرموز.

ولولا القنوات الفضائية نصف المستقلة لما عرف عدد من شعوب العالم العربي عن وجود معارضين يعيشون في أوروبا ويخشون العودة إلى بلادهم حتى لا يسجنوا في معاقل وراء الشمس أو في جوف الأرض.

الحالة الأوكرانية والجورجية مختلفة، فقد كانت المعارضة بين الناس وتحت جلودهم، ويرتبط بالشخصية الكارزمية في الحالتين الجورجية والأوكرانية الالتزام بسلوك حضاري، لا عيب في أن نعترف بغيابه في الحالة العربية وهى مسؤولية تتحملها النخبة المثقفة المنعزلة عن الجماهير طوعا تارة وجبرا أخرى.

في جورجيا وأوكرانيا لم يمد أحد يده إلى ممتلكات الآخرين لا بالنهب ولا بالسرقة ولا بالتدمير.

"
لولا القنوات الفضائية نصف المستقلة لما عرف العديد من شعوب العالم العربي عن وجود معارضين يعيشون في أوروبا ويخشون العودة إلى بلادهم حتى لا يسجنوا في معاقل وراء الشمس أو في جوف الأرض
"
كثير من المظاهرات التي شهدتها العواصم العربية في العقود الأخيرة عمدت إلى تكسير المحلات التجارية وحرق السيارات بل ونهب ممتلكات الأبرياء، وهو سلوك يشوه الأهداف النبيلة التي ترفعها الاحتجاجات الشعبية ويخلق المبررات للسلطات الحاكمة لتنعتها بتجمهر اللصوص وانتفاضة العصابات.

مازلنا نغفل هنا عن أن ما شهدته أوروبا منذ عهد فاتسيلاف هافيل من احتجاج المثقفين عام 1977 مرورا بالثورة المخملية في تشيكوسلوفاكيا عام 1989 ووصولا إلى الثورة الجورجية عام 2003 والأوكرانية عام 2004 قد جرى تحت شعار اللاعنف، وهو شعار يحتاج إلى دراسة متأنية في الحالة العربية.

ولا يبتعد هذا عن اختلاف العلاقة بين المحتجين والشرطة في النموذجين، ففي النموذج الجورجي -الأوكراني كان المتظاهرون يرمون الشرطة بالورود فتقوم الأخيرة بافتراش الأرض معهم لتناول الشاي واقتسام وجبات الطعام، وهى حالة تخرج عن المقارنة في النموذج العربي المليء بسجلات دامية.

منافذ الدور الأميركي
من الناحية الشكلية يتشابه النموذج العربي مع نظيره الجورجي-الأوكراني في تعرضهما للتدخل الأميركي، لكن في الوقت الذي تتحالف فيه واشنطن مع غالبية العواصم العربية معادية لشعوبها يتمثل الدور الأميركي في النموذج الجورجي- الأوكراني بالتغلغل على المستوى الشعبي لقلب السلطة من أسفل، وهناك ثلاثة أبواب تغلغلت من خلالها المؤسسات الأميركية في الحالة الجورجية-الأوكرانية:
- المنظمات الشبابية التي تدعم المعارضة وتشكل القاعدة الشعبية الأساسية.
- جمعيات حقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية.
- مراكز الأبحاث والمعاهد والجامعات.

ويتسلل الدعم المالي عبر هذه النوافذ في مصارف "بريئة" كالهبات والمساعدات لتحديث الحواسيب ودعم شبكات الإنترنت في الجامعات والمدارس، إلى منح بحثية للعلماء للسفر إلى الولايات المتحدة، وصولا إلى المساندة المالية للأنشطة الساعية لتفعيل المناخ الديمقراطي في الدولة بدعم المؤتمرات والدورات والإعلام الموجه.

ولعل قيام منظمة الشباب الأوكراني المعروفة باسم "بورا" (وتعنى آن الأوان) والدعم الذي تلقته من المخابرات الأميركية بحسب شهادة محللين أوروبيين يمثل نموذجا بارزا في هذا الشأن.

وقبل ستة أشهر من الأزمة الانتخابية الأخيرة في أوكرانيا ناقش عدد من الخبراء أسباب الزيارة التي قام بها البليونير اليهودي الأمريكي جورج سورس لأوكرانيا متهمين إياه بالتجهيز لثورة جورجية جديدة في أوكرانيا، وذلك حينما جاء إلى كييف للمشاركة في مؤتمر نظمته المعارضة الأوكرانية حمل عنوان "حقوق الإنسان والديمقراطية في أوكرانيا".

ورغم أن جورج سوروس على خصومة ظاهرة مع حكومة جورج بوش فإن هذه الأخيرة تساهم جنبا إلى جنب مع مؤسسة سورس " الخيرية" ممثلة في مؤسسة بيت الحرية Freedom House المدعومة من وكالة المخابرات الأميركية.

وبغض النظر عن أن لسورس أهدافا استثمارية وليست خيرية تجعل منتقديه يشبهونه بالشيطان المتنكر بثياب الأم تريزا، فإن المعارضة الأوكرانية استفادت منه كما استفادت المعارضة الجورجية التي ظل يدعمها حتى بعد وصولها إلى السلطة.

وفى الحالة العربية تكتفي واشنطن بالأسلوب الذي تتبعه حاليا مع دول سوفياتية سابقة كأذربيجان الغنية بالنفط والواقعة على بحر قزوين أو كازاخستان وقرغيزيا وطاجيكستان في آسيا الوسطى التي توجد بها قواعد وتسهيلات عسكرية للقوات الأميركية.

ففي مثل هذه الدول لا تكترث واشنطن بتطبيق النموذج الأوكراني عبر التغلغل الشعبي، والسبب بسيط، وهو أن دعم الديمقراطية الشعبية سيخرج إلى النور إرادة الشعوب.

"
فى آسيا الوسطى وأذربيجان والعالم العربي من الصعب تخيل قوة متماسكة لديها مشروع سياسي تسيطر على عقول جماهير سوى القوة الدينية
"
وفى آسيا الوسطى وأذربيجان والعالم العربي من الصعب تخيل قوة متماسكة لديها مشروع سياسي تسيطر على عقول جماهير -أكثر من نصفها أمي- سوى القوة الدينية
.

يبقى أن ننبه إلى أنه مازال البعض أسير أطروحة صدام الحضارات وإمكانية قيام تحالف روسي-عربي في مواجهة المسيحية الغربية، وأن معركة أوكرانيا كانت إحدى القلاع المهمة في هذا التحالف.

ويحضرنا هنا التحليل الذي قدمه أليكسندر فاسوفيتش في الأسوشييتد برس حينما تناول موقف الجالية اليهودية في أوكرانيا البالغ عددها نحو 100.000 من المرشحين للرئاسة، ووصل إلى أن يهود أوكرانيا سيدعمون يوشنكو الموالي للغرب حتى لا يفوز رجل روسيا في أوكرانيا بما يحقق المخطط الروسي للاتحاد مع أوكرانيا وتشكيل قوة إقليمية تصل إلى إيران والعالم العربي بما يمكن أن يهدد إسرائيل على المدى البعيد.

وبالتالي فقد وزع المعبد اليهودي في كييف وجبات طعام على الشباب الأوكراني المشارك في مناصرة يوشنكو ولم ينس أن يعنون تلك المساعدات بالإنسانية وليس السياسية.

وهكذا يبدو الاختلاف بين النموذجين العربي والأوكراني كبيرا، ومن ثم فإن الدعوة التي يطلقها البعض بضرورة التأسي بالنموذج الأوكراني هي دعوة في حاجة إلى مراجعة، ولا يشفع لها صدق التعبير أو النوايا الحسنة.

يبدو مؤسفا الوصول إلى نتيجة تقول إن النماذج التي يجب أن نتابعها عن كثب لن نجدها في جورجيا وأوكرانيا بل في روسيا وتركمانستان وأذربيجان وطاجيكستان وقرغيزيا. فلدى هؤلاء التشابه مع واقعنا، وهناك الجمود الذي يمكن أن نقيس عليه حالنا!

___________________
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة