زلزال القاهرة يبشر بفجر طال انتظاره   
الثلاثاء 1432/3/5 هـ - الموافق 8/2/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:43 (مكة المكرمة)، 13:43 (غرينتش)
أسعد غانم


أيام تاريخية غير مسبوقة تمر على العالم العربي، تضعه على مقدمة منصة الصراع العالمي من أجل الحرية وبناء الديمقراطية كأساس مكون للمستقبل والديمقراطية التي تعبر عن آمال الشعوب وتطلعاتها ولا يمكن لأداة غيرها أن تصيغ المشروع الوطني، والعمل الوطني، ومستقبل العمل الجماعي العربي، مهما كانت فذلكات الأنظمة ورجالها فيما يتعلق بالوحدة والقومية والتحرير وغيرها.

المصريون وعلى خطى إخوانهم التونسيين يفسحون المجال لمن سوف يأتي بعدهم في اليمن وسوريا والأردن والسعودية وليبيا وحتى جزر القمر، كلها مرشحة الآن، أكثر من أي وقت مضى لانطلاق ربيع الشعوب العربية. نقول هذا ليس فقط بإلهام مما حدث ويحدث في تونس ومصر، بل بالأساس بالاعتماد على قراءة الأسباب العميقة التي أدت إلى الحدث، وعلى مراقبة الوسائل التي حولت حدثاً مثل مظاهرة صغيرة أو إحراق عامل بسيط لنفسه، إلى أداة لتحريك الجماهير.

"
ما يحدث في هذه الأيام هو حدث تاريخي سوف يغني تاريخ الانتصارات في مصر وسوف يسجل في تاريخها كأحد أهم الإنجازات، تماماً كما يذكر دخول عمرو بن العاص وانتصارات قطز وأيام محمد علي وثورة الضباط الأحرار
"
ما يحدث في هذه الأيام هو حدث تاريخي سوف يغني تاريخ الانتصارات في مصر وسوف يسجل في تاريخها كأحد أهم الإنجازات، تماماً كما يذكر دخول عمرو بن العاص وانتصارات قطز وأيام محمد علي وثورة الضباط الأحرار، وتأتي هذه الأحداث لتشير بشكل واضح لمعالم جديدة على طريق المستقبل، وتفتح الباب على مصراعيه لمفاهيم جديدة وآفاق مضيئة في سماء مصر والمنطقة العربية وحتى العالمية.

كل ما يقال وما سوف يجري من تحليلات لن يستطيع أن يفي الحدث حقه، وكل قول هو تعبير عن نقطة في بحر التحليلات التي سوف تأتي تباعا لتعلمنا ما غاب عنا وعن فهمنا وعن مدلولات حدث سوف يغذي آلاف المقالات والكتب ورسائل الدكتوراه والحلقات الدراسية والفكرية والفرق البحثية.

تعتبر كتب التاريخ أن التحركات التي قادها الشريف حسين من الحجاز ضد الإمبراطورية العثمانية هي "الثورة العربية الكبرى"، وبرأيي لم تكن تلك الحركة السياسية العسكرية سوى تعبير عن آمال لعائلة متكلسة تطلعت لبناء مجدها الخاص من خلال التعاون مع كل جهة قد تؤهلها لذلك.

فبريطانيا رأت في تطلعات شريف مكة مناسبة لزيادة الطعن بشرعية الإمبراطورية العثمانية المتحالفة ضدها مع ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى. صحيح أن بعض رواد القومية العربية دعموا تحرك الشريف حسين، لكنهم كانوا لاعبين ثانويين في تحرك تشد حباله بريطانيا وعملاؤها في المنطقة العربية ولم يكن التحرك نابعا عن إرادة قومية كما يحلو للبعض وصفه.

ما شهدته تونس ومصر خلال الأسابيع الأخيرة ينطوي على بدايات لثورة عربية شاملة، تستحق أن توصف "بالثورة الكبرى"، فهي ليست انقلاب الضباط ضد الملك، ولا تمرد المحزبين على من فوقهم، ولا انقلاب الفئات المسحوقة على المتحكمين في موارد البلاد الاقتصادية فقط، ولا ثورة الجياع من أجل لقمة العيش كما يحلو لبعض الإعلاميين وصفها.

هذا زلزال سياسي شامل بامتياز، ثورة ضد الظلم، وضد الطغاة، وضد الذين أهانوا الشعوب، وضد الاستفراد بموارد الدولة والأمة، كما أنها خروج على من سلب ونهب البلد وباعه، وعلى من جعلوا السياسة عمالة للأجنبي الساكت عن أفعال النظام.

هل يمكن أن ننسى مثلاً تصميم النظام المصري في السنوات الأخيرة على حصار غزة وتجيير الجزء الأعظم من جهد وزارة الخارجية لمتابعة الإفراج عن الجندي الإسرائيلي، جلعاد شاليط؟ هل من الممكن أن ينسى الشعب الفلسطيني والعرب والمسلمون وأحرار العالم الدور الذي لعبه النظام المباركي في زيادة التمادي والاعتداء الإسرائيلي في لبنان وفلسطين؟ وفي إيصال قيادة السلطة إلى التمادي في تنازلات تاريخية تخص مستقبل القضية الفلسطينية، وجعلها قضية فهلوات وعرض وطلب تدار من قبل مجموعة لا تملك الشرعية.

"
الثورة التي نشهدها ليست تعبيراً عن روح مصرية أو تونسية ولا هي شكل خاص للتعامل مع الطغاة، بل حدث عالمي يرتقي لمصاف الثورة الفرنسية والثورة البلشفية وربيع الشعوب في ما كان يسمى الكتلة الشرقية
"
هذه الثورة ليست تعبيراً عن روح مصرية أو تونسية ولا هي شكل خاص للتعامل مع الطغاة، بل حدث عالمي يرتقي لمصاف الثورة الفرنسية والثورة البلشفية وربيع الشعوب في ما كان يسمى الكتلة الشرقية، إنها ترتقي لمصاف أحداث عالمية تعبر عن روح إنسانية جامحة لا تقبل الظلم والهوان، بل تكسر الأغلال وتستنفر الإرادة متحدية الخوف والقهر ودولة البوليس والمخابرات، لتصل تباعاً لنقطة اللاعودة. وهذا ليس تهويلاً، تأملوا فقط الاستعداد للتضحية من قبل الملايين بحياتهم، لنفهم أن هنالك روحاً خلاقة، مناضلة ومضحية بأغلى القيم الإنسانية من أجل رسم مستقبل جديد.

يميل البعض، حتى في هذه المرحلة المبكرة، للانتقاص من إنجازات الثورة في تونس وشقيقتها في مصر واعتبارها بعيدة عن انقلاب جارف وثوري في البنى الأساسية للنظام السياسي وهناك من يشير لاحتمالات استحواذ فلول الأنظمة وقوادها على إعادة الإمساك بجزء من زمام الأمور.

بالنظر لما حدث حتى الآن من الممكن الاستنتاج بأن ذلك صحيح، لكن هل هذا يعني أن الثورة قد فشلت؟ الجواب طبعاً بعيد عن ذلك، لأن كل ما يمكن أن يحدث لا يلغي الأبعاد العميقة والتاريخية وغير المسبوقة للحدث، فقد أتى الخروج العفوي للشوارع من خلال المظاهرات خلال الأسابيع الأخيرة تحديداً لتعبر عن تغييرات عميقة وفارقة في المنطقة العربية وفي تاريخها، والأمر لن يقف عند تغيير الحكام فقط ولا حتى الأنظمة الحاكمة بل هي تبشر بتغيير عميق ثقافي وإنساني وتاريخي لدى الشعوب العربية عموماً، وسوف يصيغ المستقبل بشكل مختلف جذرياً عما سبق.

هذه الثورة بالتأكيد لم تكن مقطوعة عما سبقها من اصطفافات، ونشرات ممنوعة جازفت نخب ثقافية لإيصالها للشارع، وتقارير لمؤسسات المجتمع المدني عن الفساد وإهانة الناس وتعذيب النشطاء، وسبقتها مظاهرات وعمليات احتجاج وتعبيرات غضب قام بها الألوف في تونس ومصر قبل الحدث الأخير، بعض هؤلاء نعرفهم من خلال تنظيمات وشخوص عينية وغالبيتهم من سواد الناس، بعضهم لا زال يعاني من آثار أعمال القمع والانتقام المنتهج من قبل رجال الأنظمة، فمنهم من قضى ومنهم ما زال مطاردا ويسكن أحياء بعيدة عن مركز الحياة خوفا من الانتقام السلطوي، ومنهم ما زالوا يعيشون في المنافي في دول تحملتهم أكثر من وطنهم وحكامه الجائرين.

لم يتطلع الثوار لتغيير الأنظمة الحاكمة فحسب بل يجسد جوهر ثورتهم التمرد الموازي على من نصبوا أنفسهم كمعارضين رسميين للنظام السياسي، حيث أتت الثورة لتعبر عن عملية يأس من تغيير النظام ومن عجز من أعلنوا بأنهم نقيضه.

لذلك كانت الثورة شعبية وشبابية منابعها أحياء معدمة، كما من مراكز المدن والأحياء الغنية، أتت لتعبر عن تعب الإنسان العربي، من أنظمة فاقدة للشرعية متبجحة بإنجازات وهمية في ظل حالة العدم ومصادرة الحريات وإغلاق المنصات الرسمية أمام صوت الغالبية.

أشعل الشرارة هؤلاء الذين حاول رجال الأنظمة، ولا زالوا يحاولون في كل العالم العربي، إزاحتهم من وعيهم وعملهم ومنشآتهم الاقتصادية القائمة على اغتصاب المال العام ونهب أملاك الدولة، من العمال البسطاء الذين لا يعتبرون بشيء سوى بمدى مدهم للقوة العاملة التي تتقاضى فتات طاولات العائلات المالكة ومن والاهم حرصاً على مصالحه الخاصة.

في الحالتين (تونس ومصر)، وما سوف يتبعهما في الأردن وسوريا واليمن والجزائر –وهو أمر مفروغ منه- يجب انتظاره عاجلاً أم آجلا نتيجة لمراوغات الأنظمة أو بطشها، سوف تتغذى عمليات الاحتجاج القادمة، كالتي سبقتها في تونس ومصر، من خلال وسائل اتصال غير مسبوقة، وسائل تعتمد الإنترنت وفيسبوك أو المهنية الصحفية الشجاعة لبعض محطات التلفزة، كمثل الدور الذي قامت به محطة الجزيرة وبعض أخواتها في الأسابيع الأخيرة.

وسائل إعلام ترفع مطالب المتظاهرين الثائرين بغير وسيط وبصوتهم الأصيل، وتفضح ممارسات الأنظمة والعائلات الحاكمة، تقدم الصورة كاملة، وتجعل الأحداث المتفرقة في مدن وقرى ونواح متفرقة، حدثا واحدا يصدح بشعار واحد وإرادة مشتركة وقلب مستعد للتضحية من أجل غد أفضل.

"
يعرف الإنسان العربي أكثر مما مضى بأن حكامه ليسوا صادقين وأن ادعاءاتهم حول الإنجازات ليست سوى كذب وأن اتصالاتهم بمن يعادي الشعوب العربية هي ليست سوى عمالة وليست تعبيراً عن إرادة وطنية
"
إنها ثورة واحدة مشتركة ينفذها أهل تونس ومصر ويشاركهم الحدث غالبية العرب وحتى أحرار العالم، وكل ذلك بفضل وسائل اتصال غير مسبوقة، سوف تكون أداة أساسية في رسم المستقبل الديمقراطي والموحد لأمة واحدة أراد أعداؤها، وكذلك من نصبوا أنفسهم حكاماً عليها، أن تكون مشتته. وأبت تلك الأمة إلا أن تنهض وتجد المشترك، والمحك يكمن بالتخلص من عبء التاريخ الكولونيالي وما تبعه من نخب تمارس الكولونيالية الداخلية والاحتلال الداخلي ضد الشعوب العربية.

ببساطة يعرف الإنسان العربي أكثر مما مضى بأن حكامه ليسوا صادقين وأن ادعاءاتهم حول الإنجازات ليست سوى كذب وأن اتصالاتهم بمن يعادي الشعوب العربية هي ليست سوى عمالة وليست تعبيراً عن إرادة وطنية، وأن سرقتهم للمال العام أصبحت معروفة ومفضوحة.

كذلك تعرف الشعوب أن هنالك طرقاً جربت للتخلص من الطغاة والحكام التابعين لتعليمات الـ(سي آي أي) والموساد، أو التي تعمل على سرقة الشعوب ومقدراتها لأجل العائلة والطغمة وحتى القبيلة، كما تعرف الشعوب العربية أن هنالك وجهاً وطريقاً ووسائل لرسم مستقبل أفضل: سياسياً، وثقافياً، واقتصادياً، ووطنياً وقومياً، وأن أفضل الطرق لذلك تبدأ بثورة حقيقية ترسي أسس ديمقراطية لا بديل عنها للتعبير عن الإرادة الوطنية الحقيقة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة