حرب القاعدة على الحزب الإسلامي وتجربة الصحوات   
الخميس 1429/9/25 هـ - الموافق 25/9/2008 م (آخر تحديث) الساعة 16:32 (مكة المكرمة)، 13:32 (غرينتش)
ياسر الزعاترة

 

في تسجيل صوتي بث خلال النصف الأول من شهر رمضان لزعيم ما يعرف بدولة العراق الإسلامية (أبو عمر البغدادي)، أعلن تنظيم القاعدة إهدار دم قادة الحزب الإسلامي، بخاصة أعضاء البرلمان ومجلس شورى الحزب وهيئته السياسية ومسؤوليه في المحافظات، واصفًا الحزب بأنه "عدو الله ورسوله"، وبأن قادته يعملون ضد الإسلام ويساعدون المحتل الأميركي.

"
تجربة الصحوات لم تكن نتاج إبداع الحزب الإسلامي والأميركان فقط، بل كانت نتاج أخطاء القاعدة أيضا، بعد أن أسرفت مجموعاتها في القتل غير العقلاني لرموز العرب السنة السياسيين والعشائريين
"
ومع أن البغدادي منح جميع أعضاء الحزب أسبوعين للتوبة (انتهيا عمليا)، فإنه استثنى خمسة منهم بينهم زعيم الحزب طارق الهاشمي وعبد الكريم السامرائي وعلاء مكي، مضيفًا إلى إهدار الدم "هدية قيمة مجزية" تسلم منه شخصيا "لكل من يأتي برأس من رؤوس الحزب".

وفي وقت لا يبدو استهداف القاعدة لزعماء الحزب في حاجة إلى إعلان، إذ هو قائم منذ ثلاث سنوات أو أكثر، حيث سبق أن خصهم قادة التنظيم من الزرقاوي إلى البغدادي إلى أبي حمزة المهاجر بالكثير من الانتقادات وصولاً إلى التخوين والتكفير، فإن الإعلان ينطوي على توسيع لدائرة الاستهداف، وبالطبع من خلال فتوى تجيز قتلهم لكل من يجد في نفسه القدرة على التنفيذ.

وهذا الأمر يعني خطورة على حياتهم، لاسيما أن خصومهم وأعداءهم ليسوا قلة في الساحة السياسية والعشائرية، والنتيجة أننا إزاء تهديد لا يمكن التقليل من شأنه.

من جانب آخر يأتي الإعلان الجديد ليشير إلى حجم الضيق الذي يشعر به قادة القاعدة من الحزب الإسلامي.

وفي حين كان الموقف التقليدي من الحزب يقوم على حقيقة تصدره لمسار المشاركة السياسية في أوساط العرب السنة، ومن ثم إضفاؤه الشرعية على العملية السياسية، فإن للموقف الجديد تفسيرا آخر أكثر أهمية، يتمثل في وقوف الحزب خلف ظاهرة الصحوات في مناطق العرب السنة، وهي الظاهرة التي تسببت في استهداف واسع النطاق للقاعدة في مختلف المناطق التي شكلت على الدوام حاضنتها الشعبية عندما كانت في ذروة صعودها خلال العامين التاليين للاحتلال.

لا خلاف على أن الصحوات كانت أقسى على القاعدة من القوات الأميركية، ومن الأجهزة الأمنية العراقية كذلك، لا بسبب خبرة رجالها القتالية (لبعضهم خبرات قتالية بالفعل)، ولكن لأن بعض عناصرها قد عملوا مع القاعدة في السابق، كما عمل آخرون مع قوى المقاومة، والأهم لأن معظم عناصرها هم أبناء تلك المناطق التي كانت تحتضن عناصر القاعدة، وتشكل نقطة انطلاق لهم.

ما لا يقل أهمية في هذا السياق هو أن الصحوات لم تساهم في ضرب القاعدة وحدها، بل ساهمت كذلك في تحجيم خيار المقاومة وقواها كذلك، لاسيما أن بعض عناصر الصحوات كانوا يعملون مع المقاومة، ويبدو أن من شغّلوهم ومنحوهم الدعم لم يكتفوا منهم بضرب القاعدة، بل طالبوهم بالعمل ضد عناصر المقاومة الأخرى كذلك.

حدث ذلك في سياق البيع والشراء والابتزاز، إذ صارت الصحوات أشبه عمليا بقوات المرتزقة التي تعمل بالمال، لكنه حدث أيضا عبر تبرير سياسي وفّره الحزب الإسلامي، وساهمت في نشره بعض قوى المقاومة كذلك.

"
ولعل السؤال الأكثر أهمية هذه الأيام هو ذلك المتمثل في مصير الصحوات، وما يمكن أن يترتب على رفض ضمها إلى الجيش والأجهزة الأمنية، إذ هل سيمضي بعض عناصرها في اتجاه القاعدة من جديد، أو في اتجاه قوى المقاومة
"
ويتمثل التبرير المذكور في أن الخطر الحقيقي الذي يواجه العرب السنة هو الخطر الإيراني أكثر من الخطر الأميركي، وأن من الأفضل التفاهم مع الأميركان لمواجهة الخطر الإيراني، وبعد ذلك لكل حادث حديث.

من المبكر بالطبع الحديث عن نهاية القاعدة، أو عن نهاية المقاومة، فالأولى لا تزال قادرة على الفعل، وإن بدا أقل بكثير من السابق، كما تستعد الثانية لجولة جديدة، وهي جولة لا تستمد زخمها من النهاية البائسة لوضع العرب السنة إثر فشل السياسات التي قادها الحزب الإسلامي وجبهة التوافق، بل تستمده أيضا من النهاية البائسة لتجربة الصحوات، بعد رفض الحكومة العراقية ضمها إلى الجيش والأجهزة الأمنية، ومن ثم الميل إلى تفكيكها بعد تحويل المسؤولية عنها من الأميركان إلى الحكومة، الأمر الذي كان بالغ الأهمية بالنسبة للقوى الشيعية التي تعتبر أن أهم إنجازاتها يتمثل في السيطرة على المؤسسة العسكرية والأمنية.

ولعل السؤال الأكثر أهمية هذه الأيام هو ذلك المتمثل في مصير الصحوات، وما يمكن أن يترتب على رفض ضمها إلى الجيش والأجهزة الأمنية، إذ هل سيمضي بعض عناصرها في اتجاه القاعدة من جديد، أو في اتجاه قوى المقاومة التي ربما أدركت بدورها أن شعار أولوية الخطر الإيراني لم يكن صائبا، بدليل تكريس الأوضاع البائسة من حيث سيطرة حلفاء طهران، هل سيحدث ذلك أم ستتكفل الحكومة بصيغة أخرى لا تفجر في وجهها قنبلة الصحوات، ولا تدفعها نحو العنف من جديد؟

الحكومة العراقية التي تدرك الخطر الماثل في تحول بعض عناصر الصحوة نحو المقاومة أو القاعدة من جديد، مالت إلى استيعابهم في المؤسسات المدنية، ولا يعرف بالطبع كيف سيتم ذلك، وهل ستكون الصيغة المذكورة مرضية لديهم من جهة، ثم هل ستشكل عائقاً دون انخراط بعضهم في المقاومة من جهة أخرى؟

ليس من العسير القول إن تجربة الصحوات لم تكن نتاج إبداع الحزب الإسلامي والأميركان فقط (الحزب بترويجه لنظرية أولوية الخطر الإيراني ومزايا التفاهم مع الاحتلال، والأميركان بإغداق الأموال بعد اكتشافهم لفاعليتها في استقطاب بعض زعماء العشائر)، بل كانت نتاج أخطاء القاعدة أيضا، وبالطبع بعد أن أسرفت مجموعاتها في القتل غير العقلاني لرموز العرب السنة السياسيين والعشائريين الذين لم يكن أهلهم ليقتنعوا باستحقاقهم القتل لمجرد مشاركتهم في العملية السياسية.

وقد شارك كثير منهم في سياق الاجتهاد لخدمة بلدهم والفئة التي ينتمون إليها، حتى لو أخطؤوا التقدير، وقد أخطؤوا بالفعل حسب وجهة نظر الكثيرين، ومن بينهم كاتب هذه السطور.

"
لا تزال ثمة فرصة ولو محدودة لتصحيح الوضع في العراق، وتتمثل في استعادة زخم المقاومة ورفض منتجات العملية السياسية التي انطلقت منذ مجيء الاحتلال، ومعها نظام المحاصّة الطائفية
"
لقد جاء إسراف القاعدة في لغة القتل والاستهداف ليمنح أعداءها فرصة الانقضاض عليها، مستغلين روح الثأر التي تعشش في مناطق عشائرية مثل الأنبار وصلاح الدين، فضلاً عن روح الإقصاء وفرض النموذج المسمى دولة العراق الإسلامية على الناس بالقوة.

الآن ستضيف القاعدة في حال تنفيذها عمليات اغتيال جديدة لقادة وأبناء الحزب الإسلامي، المزيد من الثارات إلى سجلها من دون طائل، لاسيما أن أبناء الحزب هم أبناء عشائر كذلك، وقتلهم لن يمر مرور الكرام.

كل ذلك لا ينفي أن ممارسات الحزب السياسية كانت بائسة على مختلف الأصعدة، ولو توقف قادته مع أنفسهم بعض الوقت وجردوا حساب الأرباح والخسائر للعرب السنة الذين يزعمون تمثيلهم وبالطبع قياسًا بالشعارات التي طرحوها.

لو فعلوا ذلك لأدركوا أية حماقات سياسية ارتكبوا، بدءا من دخول مجلس الحكم وتشريع نسبة العشرين في المائة لهذه الفئة (حضورهم في مؤسسات الدولة لا يتجاوز ستة في المائة حسب أفضل التقديرات)، ومعها كل القرارات التي استهدفتهم وعلى رأسها حل الجيش والأجهزة الأمنية، ومرورًا بالدستور وقانون الانتخابات، وليس انتهاء بضرب مسار المقاومة الذي منحهم القوة والحضور.

أما حكاية الخطر الإيراني أو (الشيعي) الذي يتقدم على الخطر الأميركي فقد ثبت بؤسها، بدليل تغوّل إيران وانتصار جماعتها وسيطرتهم على الوضع وخضوع الأميركان لرغباتهم.

ثمة فرصة لا تزال قائمة، وإن تكن محدودة لتصحيح الوضع، وتتمثل في استعادة زخم المقاومة ورفض منتجات العملية السياسية التي انطلقت منذ مجيء الاحتلال، ومعها نظام المحاصّة الطائفية، لكن أكثر أولئك القوم صاروا مثل المقامرين الذين لا يغادرون اللعبة بعد الخسارة، بل يتشبثون بالطاولة أكثر فأكثر.

ويبقى التعويل على قيادات الإخوان المسلمين العراقيين ممن أدركوا حجم البؤس الذي أوصلتهم إليه سياسات الحزب، إضافة إلى تدخل حقيقي من قبل التنظيم الدولي للإخوان يساهم في تصحيح البوصلة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة