تحالف صيني روسي جديد؟   
الأحد 1436/3/28 هـ - الموافق 18/1/2015 م (آخر تحديث) الساعة 16:36 (مكة المكرمة)، 13:36 (غرينتش)
جوزيف س. ناي الابن

يعتقد محللون أن عام 2014 كان إيذاناً ببدء عصر جديد من السياسة الجغرافية على غرار الحرب الباردة. فقد رَدَّت أوروبا والولايات المتحدة على غزو الرئيس الروسي (فلادمير بوتين) لأوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم بعقوبات اقتصادية ثقيلة، الأمر الذي أضعف علاقات روسيا مع الغرب وجعل الكرملين حريصاً على تعزيز العلاقات مع الصين.

والسؤال الآن هو عما إن كانت روسيا ستتمكن من بناء تحالف حقيقي مع الجمهورية الشعبية؟

للوهلة الأولى، يبدو هذا معقولا. والواقع أن نظرية توازن القوى التقليدية تشير إلى أن تفوق الولايات المتحدة في موارد الطاقة لابد أن تقابله شراكة صينية روسية.

ولعل الأمر الأكثر إقناعاً هو أن هذه الشراكة لها سابقة تاريخية. ففي خمسينيات القرن العشرين، تحالفت الصين والاتحاد السوفياتي ضد الولايات المتحدة. وبعد انفتاح الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون على الصين في عام 1972 تحول التوازن، مع تعاون الولايات المتحدة والصين للحد مما اعتبرتاه صعوداً خطيراً لقوة الاتحاد السوفياتي.

ومع انهيار الاتحاد السوفياتي، انتهى ذلك التحالف الذي فرضه الأمر الواقع بين الولايات المتحدة والصين، وبدأ التقارب بين الصين وروسيا. وفي عام 1992، أعلن البلدان أنهما يسعيان إلى إقامة "شراكة بنّاءة"؛ وفي عام 1996 تقدما نحو "علاقة إستراتيجية"؛ وفي عام 2001 وقعا معاهدة "الصداقة والتعاون".

وفي السنوات الأخيرة، نشأ تعاون وثيق بين الصين وروسيا في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، واتخذتا مواقف مماثلة بشأن تنظيم الإنترنت. كما استخدمتا أطرا دبلوماسية لتنسيق المواقف، مثل مجموعة "بريكس" التي تتألف من بلدان ناشئة كبرى (البرازيل، والهند، وجنوب أفريقيا)، ومنظمة شنغهاي للتعاون (مع كزاخستان، وقرغيزستان، وطاجيكستان، وأوزبكستان).

في السنوات الأخيرة، نشأ تعاون وثيق بين الصين وروسيا في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، واتخذتا مواقف مماثلة بشأن تنظيم الإنترنت. كما استخدمتا أطرا دبلوماسية لتنسيق المواقف، مثل مجموعة "بريكس" ومنظمة شانغهاي للتعاون

كما أقام بوتن علاقة عمل طيبة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، استناداً إلى معاداة كل منهما لليبرالية داخل بلده، ورغبتهما في مواجهة الإيديولوجية الأميركية والنفوذ الأميركي.

ويبدو أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين أيضاً تتقدم. ففي مايو/أيار الماضي وبعد فترة وجيزة من ضم شبه جزيرة القرم، أعلنت روسيا صفقة بقيمة 400 مليار دولار أميركي لتوريد 38 مليار متر مكعب من الغاز إلى الصين سنوياً لمدة ثلاثين عاماً تبدأ في 2019.

ويشمل العقد -الموقع بين شركة الطاقة العملاقة المملوكة للدولة الروسية "غازبروم" وشركة البترول الوطنية الصينية- تمديد خط أنابيب للغاز بطول 2500 ميل إلى إقليم هيلونغ جيانغ الصيني (المنطقة التي كادت تشهد حرباً بين البلدين قبل بضعة عقود من الزمان).

ورغم أن السعر الحقيقي يظل سِرا؛ فمن الواضح أن روسيا عَرَضَت تنازلات كبيرة -بعد ما يقارب عشر سنوات من المفاوضات- لضمان نجاح الصفقة.

وعلاوة على ذلك، أعلنت شركة غازبروم -في نوفمبر/تشرين الثاني- اتفاقية إطارية لتسليم 30 مليار متر مكعب إضافية إلى إقليم شينغ جيانغ الصيني من غرب سيبيريا لمدة ثلاثين عاماً عبر خط أنابيب جديد آخر.

وإذا اكتملت خطوط الأنابيب "الشرقية" و"الغربية" وفقاً للخطة الموضوعة؛ فإن كمية الغاز التي ستتسلمها الصين سنويا (68 مليار متر مكعب) ستجعل صادرات روسيا من الغاز إلى ألمانيا (أكبر عملائها حاليا) التي تبلغ 40 مليار متر مكعب من الغاز، تبدو ضئيلة بالمقارنة معها.

وربما يبدو هذا وكأنه يشي بعلاقة ثنائية متزايدة العمق. ولكن الأمر لا يخلو من عقبات: ذلك أن صفقات الغاز تعمل على تضخيم اختلال التوازن التجاري الثنائي الكبير، حيث تقوم روسيا بتوريد المواد الخام إلى الصين وتستورد المصنوعات الصينية.

ولا تعوّض صفقات الغاز فقدان روسيا لقدرتها على الوصول إلى التكنولوجيا الغربية التي تحتاج إليها لتطوير حقول القطب الشمالي الحدودية، وبالتالي التحول إلى قوة عظمى في مجال الطاقة، وليس مجرد محطة وقود للصين.

إن استعداد الصين للتعاون مع روسيا أيضاً ليس بلا حدود. ذلك أن إستراتيجية التنمية في الصين تعتمد على اندماجها المتواصل في الاقتصاد العالمي، وعلى وجه التحديد قدرتها على الوصول إلى الأسواق والتكنولوجيا الأميركية

الواقع أن المشاكل المحيطة بالتحالف بين الصين وروسيا تزداد عمقا. فبسبب ثِقَلها الاقتصادي والعسكري والديموغرافي؛ تولد الصين قدراً كبيراً من عدم الارتياح لروسيا. ولنتأمل الوضع الديموغرافي في شرق سيبيريا، حيث يعيش ستة ملايين من الروس، وعلى الجانب الآخر من الحدود مباشرة يعيش نحو 120 مليون صيني.

وعلاوة على ذلك، كانت قوة روسيا الاقتصادية والعسكرية في انحدار، في حين تعاظمت قوة الصين. ولعل القلق إزاء تفوق الصين في المجال العسكري التقليدي كان وراء إعلان روسيا في عام 2009 عقيدة عسكرية جديدة تحفظ لها صراحة حق الاستخدام الأول للأسلحة النووية، وهو موقف يشبه موقف أميركا في الحرب الباردة، الذي كان يهدف إلى ردع القوات السوفياتية التقليدية المتفوقة في أوروبا.

وتشير هذه الاختلالات في التوازن إلى أن روسيا قد تقاوم أي تحالف عسكري وثيق مع الصين، رغم أن البلدين يسعيان إلى التنسيق الدبلوماسي التكتيكي الذي يقوم على المنفعة المتبادلة.

واستعداد الصين للتعاون مع روسيا أيضاً ليس بلا حدود. ذلك أن إستراتيجية التنمية في الصين تعتمد على اندماجها المتواصل في الاقتصاد العالمي، وعلى وجه التحديد قدرتها على الوصول إلى الأسواق والتكنولوجيا الأميركية.

إن شرعية الحزب الشيوعي الصيني تعتمد على النمو الاقتصادي القوي، ولن يجازف الحزب بتعريض هذه الإستراتيجية للخطر من أجل "تحالف سلطوي" مع روسيا.

وحتى داخل المحافل المتعددة الأطراف، تظل العلاقة بين روسيا والصين بعيدة كل البعد عن التوازن. ولأن اقتصاد الصين أكبر من اقتصادات بقية مجموعة "بريكس"، فإن مبادرات المجموعة -بما في ذلك بنك التنمية الجديد- من المرجح أن تعكس نفوذاً صينياً غير متناسب.

ورغم أن منظمة شنغهاي للتعاون سهلت بعض التنسيق الدبلوماسي، فإن الصراع يظل قائماً بين الصين وروسيا على بسط النفوذ في آسيا الوسطى.

كان التحالف بين الصين وروسيا في القرن العشرين نتاجاً لضعف الصين في أعقاب الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة، وحتى في ذلك الحين لم يدم الأمر إلا مدة لم تتجاوز عشر سنوات إلا قليلا. واليوم أصبحت الصين قوية، ومن غير المرجح أن تقترب إلى مسافة أقرب كثيراً مما ينبغي من روسيا التي تَسارَع انحدارُها بسبب سوء حُكم قادتها على الأمور.

باختصار، عندما يتعلق الأمر بتحدي التحالف الصيني الروسي للغرب فمن غير المرجح أن يعيد التاريخ نفسه. وخلافاً لآمال بوتين؛ فإن الناس لن يتذكروا 2014 باعتباره عاماً من السياسة الخارجية الروسية الناجحة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة