في فهم الإستراتيجية الأميركية لإدارة بوش   
الأحد 18/9/1428 هـ - الموافق 30/9/2007 م (آخر تحديث) الساعة 15:44 (مكة المكرمة)، 12:44 (غرينتش)


منير شفيق

ادعى الرئيس الأميركي جورج بوش أن هدف الحرب الأميركية (العدوانية) على العراق واحتلاله هو تجريده من أسلحته فوق التقليدية من كيماوية وبيولوجية وحتى نووية، ولكن سرعان ما تبين أن إثبات وجود مثل تلك الأسلحة فبركته إدارة بوش وحكومة بلير، الأمر الذي يؤكد أن الهدف الحقيقي وراء العدوان على العراق واحتلاله لا علاقة له بالهدف المعلن.

"
لا يمكن أن يكون المحرك الأول في حرب العدوان على العراق والتحضير للحرب على إيران هو النفط، وذلك لأن الهدف الحقيقي للسياسات الأميركية خلال السنوات الست الماضية هو الهدف الإسرائيلي أي المشروع الإسرائيلي للمنطقة
"
ولما تبدد الهدف المذكور استبدل به هدف تخليص العراق من نظام استبدادي وتحويله إلى نموذج لدولة ديمقراطية تكون بداية لدمقرطة دول الشرق الأوسط العربية والإسلامية، ولكن سرعان ما تبدد هذا الادعاء مع فضائح سجن "أبو غريب" وغيره من السجون الأميركية، ثم مع طريقة تركيب مجلس الحكم التي قسمت العراق إلى طوائف وإثنيات، وزرعت بذور التجزئة والحروب الأهلية التي حملت ألوانا من البطش الجماعي بالإنسان العادي.

وبهذا تحول العراق تحت الحراب الأميركية إلى جحيم جعل أشد معارضي النظام السابق يترحمون عليه قياسا بما آل إليه حال البلاد تحت الاحتلال: تهجير خمسة ملايين مواطن بعضهم إلى خارج العراق وبعضهم داخله، وتطهير طائفي وعرقي، فضلا عن ما يقرب من مليون قتيل، وأكثر من ذلك ممن عوّقوا جسديا، ولا تسأل عن انتشار الأمراض والبطالة والفقر وانهيار الأمن.

وهكذا تبددت الأكذوبة القائلة إن هدف الحرب كان تخليص العراق من نظام استبدادي لإقامة ديمقراطية يسودها حكم القانون ومراعاة حقوق الإنسان وتحقيق الرفاه والحرية والأمان.

بيد أن هنالك من اعتبر -وهؤلاء أكثرية- أن هدف الحرب على العراق هو النفط والسيطرة على النفط في المنطقة، وقد عزز ذلك الاستنتاج بعلاقة إدارة بوش بالشركات النفطية، ثم الحديث النظري عن أهمية السيطرة على النفط لتحقيق الهيمنة الأميركية على العالم، بما في ذلك الضغط على المنافسين المحتملين لاسيما الصين وأوروبا.

وقد غذى هذا الرأي ما يسود من نظريات "اقتصادية" في تفسير السياسات الدولية من جهة، وما قدمه المحافظون الجدد معالجة لتسويغ جعلهم أولوية الإستراتيجية الأميركية هي إقامة النظام الشرق أوسطي، بدلا من الأولوية التقليدية المستمرة بعد انهيار معسكر الاتحاد السوفياتي، وهي أولوية احتواء روسيا والصين.

وقد ادعوا إنقاذا لهذا الانقلاب أن السيطرة على الشرق الأوسط تهدف إلى تطويق الصين وروسيا لاحقاً.

هذا التسويغ لدى الإستراتيجيين أو منظري الإستراتيجية مضحك لأنه يؤدي كما أدى فعلا خلال السنوات الست الماضية، إلى مهادنة كل من روسيا والصين ومساومتهما من أجل النجاح في الأولوية المتعلقة بالحروب التي شنت على بلدان عربية وإسلامية، وفقا لأولوية إقامة شرق أوسط "كبير" أو "جديد".

فكانت مناسبة ليتمكن فلاديمير بوتين من أن يطهر روسيا من أغلب إن لم يكن كل مراكز القوى في الدولة والمجتمع المحسوبة على الصهيونية والولايات المتحدة، وهي التي ترعرعت في السنوات العشر الأولى بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وراحت تذهب بروسيا إلى الانحلال والتفكك والتحول إلى دولة من الدرجة التالية، وهي التي ورثت ما امتلكه الاتحاد السوفياتي من قوة عسكرية وتطور علمي وتقني في المجال العسكري.

وهذه القوة عادت الآن دولة كبرى بعد أن تمكن بوتين في ظل تلك الغفلة من بناء الدولة القوية المتماسكة، وقد ساعده الانتعاش الاقتصادي بسبب ارتفاع سعر النفط على جعلها دولة كبرى من جديد.

فروسيا اليوم وبسبب ذلك التغيير في أولويات الإستراتيجية الأميركية الذي منحها ست سنوات ذهبية تقف على قدميها، أما الإدارة الأميركية فغرقت في تنفيذ مشروعها الشرق أوسطي.

وبوتين الآن يضرب الطاولة بقبضته لانتزاع الاعتراف بدور روسيا في السياسة الدولية واحترام مصالحها وأمنها القومي.

وتلك الأولوية التي وضعها المحافظون الجدد للإستراتيجية الأميركية سمحت للصين بأن تغزو كل أسواق العالم بتجارتها وباستثماراتها النفطية الطويلة الأمد، ناهيك داخليا على مستوى القوة العسكرية والتكنولوجيا العالية.

هذا إلى جانب علاقات اقتصادية دولية واسعة انتهت إلى منافسة الزعامة الأميركية في قمة "أبك" الآسيوية الأخيرة التي رأى بعض المراقبين أنها أصبحت "الرابطة الصينية".

ويمكن أن يضاف إلى ما تقدم إفادة أوروبا والهند والبرازيل وعدد من دول أميركا اللاتينية من هذه السنوات الست التي شغلت فيها إدارة بوش بتحقيق أولوية لا علاقة لها بالمنافسين الحقيقيين للولايات المتحدة ونفوذها العالمي.

أما تفسير هذا الخلل الخطير في تحديد أولويات الإستراتيجية الأميركية فكان في تسخير المحافظين الجدد الإستراتيجية الأميركية لخدمة المشروع الإسرائيلي، والتمكين له، في منطقة يجب أن يعاد صوغها لتصبح خاضعة له، وعاجزة أمامه.

وهذا ما يمكن القطع به من خلال التتبع الدقيق للسياسات الأميركية خلال السنوات الست الماضية، وعلى التحديد بعد أن قدمت أحداث 11/9/2001 الذريعة لإسرائيليي أميركا وصهيونييها في إدارة بوش وخارجها لتغطية ما أحدثوا من انقلاب في الإستراتيجية الأميركية من حيث تحديد الأولويات.

موضوع الدور الذي لعبته المجموعة الصهيونية الإسرائيلية الأميركية من أمثال بول ولفويتز وريتشارد هيث وديفد دورمزر وإيلوت أبرامز ووليام كريستول (وعددهم بالعشرات حول بوش وديك تشيني ورمسفيلد) في صوغ أولويات الإستراتيجية الأميركية وتوجيه سياساتها التنفيذية، لم يعد موضوعا قابلا للنقاش، كما أن ولاءهم للمشروع الإسرائيلي وخدمته يفوق أي ولاء آخر.

"
الهدف الأول والرئيس من احتلال العراق هو تجزئته وتحويله إلى دويلات فسيفسائية متعادية وعاجزة ومشلولة، تعين على السيطرة الإسرائيلية والأميركية وتحقق الأهداف الأخرى بما فيها النفط والنفوذ في المنطقة وتجزئة دول عربية وإسلامية أخرى


"

فهؤلاء هم الذين قادوا السياسة الإسرائيلية خلال السنوات الست الماضية في عهدي شارون وأولمرت وليس العكس، وذلك بسبب قوتهم النابعة من نفوذهم في الإدارة الأميركية.

ولهذا شهدت السياسات الأميركية والإسرائيلية تماهيا لم يسبق له مثيل في تاريخ العلاقات الأميركية الإسرائيلية منذ قيام الدولة العبرية، وليس أدل على ذلك من وثيقتهم الشهيرة الصادرة عام 1996 التي طالبوا فيها نتنياهو بسياسات يمكن اعتبارها "فوق ليكويدية"، وقد زايدت إسرائيليا على نتنياهو نفسه.

إذا صح ما تقدم لا يكون المحرك الأول أو المؤثر الأول في حرب العدوان على العراق التي سبقتها حرب على الشعب الفلسطيني أطلقها شارون في ربيع 2002، وصولا إلى حرب يوليو/تموز 2006 في لبنان، والآن التحضير للحرب على إيران، هو النفط بعد أن ذهب الوهم حول هدف انتزاع السلاح فوق التقليدي أو هدف الإصلاح والديمقراطية وحقوق الإنسان، وذلك لأن الهدف الحقيقي للسياسات الأميركية خلال السنوات الست الماضية هو الهدف الإسرائيلي أي المشروع الإسرائيلي للمنطقة.

وهو على التحديد إعادة تجزئتها بما ينسجم مع النظرية التي تعتبرها منطقة فسيفسائية مشكلة من مكونات طائفية وعرقية وجهوية ودينية، وقد أسقطت عنها هويتها العربية والإسلامية.

ولهذا سمي المشروع بـ"الشرق الأوسط الكبير" لأن الهدف منه هو إقامة شرق أوسط مؤلف من دويلات فسيفسائية تصبح متعادية ومشلولة وعاجزة، مما يسمح لدولة إسرائيل بإخضاعها لهيمنتها وتحقيق تفوق دائم عسكري وسياسي واقتصادي وتقني عليها.

فإذا كانت الرؤية الإستراتيجية للمشروع الإسرائيلي المتبنى من قبل العصابة التي تحكمت في القرار الأميركي في عهد إدارة بوش وديك تشيني هو الشرق الأوسط المذكور، فإن الهدف من حرب العراق يكون إسرائيليا بالدرجة الأولى وليس النفط ولا حتى تحقيق سيطرة أميركية عليه من نمط السيطرة التقليدية.

بعض المحللين حين يتحدث عن أهداف الحرب يورد مجموعة من الدوافع والأهداف مثل تحقيق السيطرة الأميركية على المنطقة والعالم ووضع اليد على آبار النفط الرئيسية، وخدمة إسرائيل وتأمين تفوقها والتخلص من القيادات التقليدية للمجيء بقيادات إصلاحية شابة معولمة.

لكن وضع مجموعة الأهداف لتفسير الحرب أو أي سياسات يجيء مسطحا إذا لم يحدد الهدف الرئيس الذي يؤدي تحقيقه إلى تحقيق الأهداف الأخرى، بل إن صف الأهداف ووضعها على قدم المساواة وعدم تحديد الهدف ذي الأولوية يقود إلى تمييع الموضوع والفهم، ولا يساعد على تفسير السياسات.

فمن الناحية المنهجية هنالك أكثر من هدف لكل إستراتيجية ولكل سياسة ولكل حرب، ولكنّ ثمة دائما لا محالة هدفا أول وأهدافا لاحقة يمكن إيرادها أو ذكرها باعتبارها أهدافا يحققها الهدف الأول أو الرئيس في طياته، ولكنها لا توضع موازية له في إدارة الإستراتيجية.

لو ركزنا على المثال العراقي والإستراتيجية والسياسات الأميركية سرعان ما نجد أن هدف السيطرة على النفط يتخلف حين نقف أمام قرار حل الجيش العراقي والدولة العراقية المركزية، وهما عنوان وحدة العراق من الناحية السياسية والعملية، وقد تبعه قرار التقسيم الطائفي والإثني للعراق من ناحية توزيع الحصص والنفوذ ثم ألحقت بذلك نظرية الفيدراليات وما وضع من دستور وجرى من انتخابات وقام من حكومات، فكل ذلك يغيب عنه هدف النفط وحتى هدف السيطرة الأميركية.

فأميركا عندما أطاحت بحكم محمد مصدق في إيران أو سوكارنو في إندونيسيا أو أليندي في تشيلي لم تحل الجيش ولم تلغ الدولة، بل وضعت على رأسها عملاءها وأحدثت التغيير من خلال المحافظة عليها.

"
من المتوقع مع الانتخابات الرئاسية القادمة أن تتم العودة إلى إعطاء الأولوية لاحتواء روسيا والصين أو إحداهما، لأن الأضرار التي ألحقها المحافظون الجدد بالمصالح الأميركية لا تعد ولا تحصى
"
صحيح أن حل الجيش والدولة والمحاصّة الطائفية والإثنية كان في مشاريع الحزبين الكرديين والمجلس الأعلى (الحكيم) والدعوة (الجعفري والمالكي)، إلا أن بول بريمير هو الذي هندس العملية كلها، وكان قرارها من الألف إلى الياء بيده، بل هذا ما جعل تلك الأحزاب محظية لديه.

وبهذا يكون الهدف الأول والرئيس من احتلال العراق هو تجزئته وتحويله إلى دويلات فسيفسائية متعادية وعاجزة ومشلولة، لتعبر السيطرة الإسرائيلية والأميركية من خلالها، وبعد ذلك تحقق الأهداف الأخرى بما فيها النفط والنفوذ في المنطقة وتجزئة دول عربية وإسلامية أخرى.

من هنا جاء قرار الكونغرس الأخير في 26/9/2007 بتقسيم العراق إلى ثلاث مناطق (دويلات) ليصب في الأولوية التي وضعها المحافظون الجدد للحرب على العراق، وذلك بالرغم من معارضة واضعي مشروع القرار لإدارة بوش ومطالبتهم بالانسحاب من العراق، بل إنهم اعتبروا أن تطبيق قرار هذا التقسيم الثلاثي للعراق (شيعة وسنة وكرد) هو الذي يسمح بالانسحاب الأميركي.

ولكن لا يخفى أن هؤلاء جزء من اللوبي الصهيوني الإسرائيلي في الكونغرس الأميركي، ومن ثم جاء قرارهم تتويجا للهدف الذي وضع للحرب وإن اختلفوا في عبثية مواصلة الاحتلال أمام النتائج التي أسفر عنها من مقاومة وخسائر أميركية في الجنود والمال والسمعة والسياسة.

وأخيرا ثمة دليل إضافي يؤكد أن ما حدد من أولوية للإستراتيجية الأميركية وما طبق في العراق تنفيذا لها من قبل الإدارة الأميركية هو حمل المشروع الصهيوني بغض النظر عن نتائجه على المصالح الأميركية، ذلك الدليل هو معارضة جيمس بيكر وزير الخارجية الأسبق الذي اعتبر تقسيم العراق "خطا أحمر" سيؤدي إلى فوضى إقليمية ويهدد الدول المجاورة.

وهذا الرأي يمثل قطاعا واسعا من إستراتيجيي الولايات المتحدة الأميركية.

أما الجوهر في هذا الاختلاف فيرجع إلى تحديد أولويات الإستراتيجية الأميركية، ولهذا فإنه من المتوقع مع الانتخابات الرئاسية القادمة أن تتم العودة إلى إعطاء الأولوية لاحتواء روسيا والصين أو إحداهما، لأن الأضرار التي ألحقها المحافظون الجدد بالمصالح الأميركية وهيمنتها العالمية لا تعد ولا تحصى.
__________________
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة