الحركة الإسلامية والحرب على غزة   
الخميس 1431/1/22 هـ - الموافق 7/1/2010 م (آخر تحديث) الساعة 17:04 (مكة المكرمة)، 14:04 (غرينتش)
راشد الغنوشي


توطئة: لقد أظهرت غزة، قلعة البطولة والإباء والشمم، بقيادة حركة حماس، من الثبات والقوة والصمود والقدرات الإدارية، في مواجهة واحد من أعتى جيوش العالم وأشد نخباته توحشا، ما أدهش العدو قبل الصديق، وهي المحاصرة منذ ما تسمى بعملية الحسم (يونيو/حزيران 2007) المؤسسة لملحمتها العظيمة، وظلت باستمرار هدفا للقصف والاجتياحات الإسرائيلية، ومعرّضة على الجبهة العربية والداخلية الفلسطينية لحملة من التشكيك والاتهام والتآمر والحصار.

لقد عبرت، سواء أكان خلال الأسابيع العصيبة لحملة الرصاص المصبوب أم بعدها وحتى الآن، عن قدرات إدارية وسياسية وروح جهادية عالية، باعتبارها حركة إسلامية سنية، في محيط من عجز عربي متفاقم ووسط سني متراجع وحائر.

"
قطاع غزة واقع بين فكي كماشة إسرائيلية مصرية، والمنفذ المصري العربي الوحيد، ليس بأقل عدائية لحماس من الجانب اليهودي، وربما كان أشد حماسة في إحكام الحصار على القطاع لخنقه حتى ينتفض ضد حماس
"
وإذا كان هذا حال حركة حماس، فكيف هو حال أقرانها من بقية الحركات الإخوانية والعربية السنية، وكذا حال جملة قوى التغيير في المنطقة إزاء هذا الاختبار الوطني والإسلامي؟ هل استنفدت الوسع في أداء النصرة الواجبة دينيا ووطنيا وقوميا باعتبار غزة المحاصرة الصغيرة بحجمها الكبيرة بدورها القيادي في الأمة، حاملة لوائها في أشرف معاركها ضد أخطر أعدائها المتربص بالجميع حسبما تنطق به مخططاته؟

1- ما المقصود بواجب النصرة ودعم الفعل المقاوم في غزة؟

ليس المقصود هنا المشاركة في العمل الحربي فهذا أمر دونه خرط القتاد، في ظل نظام التجزئة الذي يستفحل، فتعلو جدرانه إلى عنان السماء وتغوص إلى أعماق الأرض، فولاذا، ما يجعل هذا النوع من النصرة غير ميسور، فقطاع غزة واقع بين فكي كماشة إسرائيلية مصرية، والمنفذ المصري، العربي الوحيد، ليس بأقل عدائية لحماس من الجانب اليهودي، وربما كان أشد حماسة في إحكام الحصار على القطاع لخنقه حتى ينتفض ضد حماس، بالتأكيد جدار الفولاذ المصري أمتن من جدار الخراسانة الإسرائيلي.

وليس معنى ذلك أن المقصود بالنصرة المطلوبة مجرد التعبير عن الغضب والتضامن أو تجميع مواد إغاثية وطبية حتى لا يموت أهل غزة إلا وهم على شبع. وعلى أهمية ذلك، هو دون المطلوب. المطلوب تصعيد الضغط على الحكام حتى يصل لدرجة تحملهم على مشاركة مؤثرة في المعركة، باعتبارها معركة الأمة ضد عدوها الأخطر، فبأي مبرر شرعي أو واقعي يوكل عبء مواجهة عدو الأمة لجزء صغير منها محاصر، ولا تكتفي الأمة بالاستقالة من أداء واجبها، بل تترك لحكامها المتواطئين إمكان التعاون مع العدو بالاشتراك في الحصار المضروب؟ المشاركة المطلوبة والمفروضة وقد تعذرت المشاركة القتالية المباشرة، تلك التي تحمل الأنظمة حملا على توظيف إمكانات الأمة -ولو في حدها الأدنى- في دعم المقاومة في غزة دعما دبلوماسيا واقتصاديا، والضغط على العدو لكف عدوانه، وفي طليعة ذلك حمل النظام المصري على فتح المعبر المغلق وحمله وأمثاله ممن لهم علاقة مع العدو لبترها، تغليقا للسفارات والتمثيليات المعرة القائمة في بلاد العرب والمسلمين ذلا وهوانا وتحديا صارخا للأمة، كما فعل أهل موريتانيا، نصرة تحمل الحكام العرب والمسلمين على التلاقي واتخاذ سياسات جادة في الضغط على الدول المناصرة للكيان الغاشم لوقف مساعدته والتهديد من أجل ذلك بكل ما وهب الله أمتنا من قدرات اقتصادية ودبلوماسية. إن شيئا من ذلك لم يفعّل في المعركة بسبب تواطئ الحكام مع العدوان ومحدودية الضغط الشعبي الذي تعرضوا له.

وواضح أن مثل هذه النصرة ما كانت لتتم دون التحرك ميدانيا في الداخل القطري عبر الاعتصامات والمظاهرات تقودها جبهات وطنية للضغط على الأنظمة العربية والإسلامية ودفعها للتحرك من أجل إيقاف الاعتداءات الإسرائيلية إن لم يكن التزاما عربيا فعلى الأقل خوفا من غضبة الشارع وتحركه والقوى الإسلامية في طليعته.

2- لم نر الحركات الإسلامية وأمثالها من الفعاليات الشعبية، أحزابا ونقابات، في الدول العربية قد قامت بواجب النصرة هذا خير قيام على نحو يعبر عن مستوى الغضب الشعبي تعبيرا ينتزع حق التظاهر، وحيث توجد أوكار إسرائيلية في بلاد عربية وإسلامية يتم إيصادها، ويفتح المعبر المغلق معبر العار وتقطع إمدادات الغاز والنفط عن الكيان ويضغط على حلفائه لحملهم على وقف العدوان، لا شيء من ذلك قد حصل، وذلك أن الحركة الإسلامية وغيرها لا نراها استنفرت أقصى طاقاتها فنزلت بكل ثقلها إلى الشارع المحتقن وملأت ساحاته، كما يجب أن يكون الأمر، بل كانت في كثير من الحالات تلازم موقفا يغلب عليه الحذر ويفتقد التصميم الضروري للمشاركة في ملحمة غزة والاستعداد الضروري لبذل التضحيات الضرورية، وقيادة التحركات الشعبية، فكانت مجرد مكون من مكوناتها العديدة المتنوعة وطرفا من بقية الأطراف، فقط بحجم أكبر، وذلك رغم أن الطرف المباشر للعمل الحربي المقاوم هو جزء أصيل من الحركة الإسلامية ومحسوب على الحركة الإخوانية، فالنصرة في هذه الحالة أخص وأوكد.

"
إذا كانت دماء الآلاف من أهلنا قد سفكت في غزة بين قتيل وجريح وهدمت ربع مساكنهم، هل كان على الحركة الإسلامية في كل بلاد العرب والمسلمين أن تبخل عن ملحمة غزة ببعض المعتقلين أو حتى ببعض الشهداء؟
"
ربما تعذرت الحركات الإسلامية بواقع القهر والمنع وحالات الطوارئ الدائمة التي تمنع التظاهر وتحاصر التعبير، وما نراها تعذر بمثل هذا السبب، فإذا كانت دماء الآلاف من أهلنا قد سفكت في غزة بين قتيل وجريح وهدمت ربع مساكنهم ودمرت مصادر عيشهم وزدنا مصابهم بفرض الحصار عليهم، هل كان على الحركة الإسلامية في كل بلاد العرب والمسلمين، بما في ذلك أهل الضفة الغربية والأردن ومصر مثلا، أن تبخل عن ملحمة غزة أو قضيتها بل قضية الجميع في مواجهة عدو الجميع، ببعض المعتقلين أو بالكثير، أو حتى ببعض الشهداء إن لزم الأمر، وهي التي دفعت من دم أبنائها وحريتهم فيما هو أهون، سواء أكان دفاعا عن الحق في التنظيم أم كان من أجل المشاركة في انتخابات مزورة أم غيرها من القضايا السياسية.

ولماذا تصر المعارضة الإيرانية (بصرف النظر عن صوابية موقفها من عدمه) على انتزاع حق التظاهر، فتوالي تقديم الشهداء، بينما المعارضات العربية ومنها الحركة الإسلامية تتهيب ذلك؟ هل لأن ثقافة المقاومة السلمية ثقافة الخروج إلى الشارع والمرابطة فيه باعتباره جهادا ضحلة العمق في ثقافة، كأني بها راهنت على عطايا الطاغية، وما يأذن به، سبيلا للتغيير، بدل نهج انتزاع الحقوق وليس استجدائها. ومتى احتاج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى إذن أحد، خصوصا ممن هو موضوع للأمر والنهي؟

3- ولأن الضغوط الشعبية على الأنظمة ظلت محدودة إن لم تكن معدومة خلال وقبل وبعد ملحمة غزة وإلى اليوم -وجدار العار الجدار الفولاذي يشاد قبرا لإخواننا في غزة ولفرض الاستسلام على الأمة كلها، باعتبار أهل غزة قائمين في فوهة البركان يكتوون بنيرانه، يحولون دونه والانفلات على الأمة كلها-، فقد أمكن للأنظمة استيعابها دون أن تقوم بأي عمل جاد في نصرة القضية، ولذلك كانت مرتاحة لدرجة أن قادة الكيان الصهيوني عبروا عن ابتهاجهم أنهم لأول مرة في تاريخ الصراع يشعرون بأنهم يشتركون مع قادة العرب في الأهداف. ورد في هارتس (2/3/2009) ما يلي: "لقد تسببت عملية غزة بارتياح قادة المنطقة المعتدلين الذين يتابعون تفشي الإسلام المتطرف وعلى رأسه إيران بقلق. الأردن صمت إزاء العملية ومصر لم تكتف بعدم ذرف دمعة واحدة بل بذلت مساعيها للتوصل للتسوية".

قادة الصهيونية مبتهجون بهذا التعاون العربي الفعال في فرض الحصار. سنة كاملة وأهل غزة ينامون فوق خرائب بيوتهم، وذهبت أدراج الرياح وعود الإعمار، ما لم يؤدوا الثمن المطلوب، الاستسلام، وإلا فالمزيد من الضغط والحصار مقابل الانفتاح على رموز العدو الذين استقبلوا في البلاد العربية والإسلامية، بينما هم معرضون في العالم للاعتقال كمجرمين دوليين.

4- لقد منح الصمود الأسطوري لمجاهدي غزة الأشاوس بقيادة حماس، كل حركات التغيير في المنطقة فرصا ذهبية لتغيير موازين القوة لمصلحتها عبر حركة فاعلة للشارع تحمل الأنظمة حملا على الالتحام بشعوبها والانتهاء عن تألهها وغطرستها أو الإطاحة بها، بما يفعّل العملية الديمقراطية المعطلة في منطقتنا دون سائر بلاد العالم، ولكن الحركات الداعية للتغيير لم تمسك بهذا الخيط رغم أن الأنظمة بدت في أعلى حالات رعبها وتوترها خلال ملحمة غزة، وكأن الأرض تميد من تحت أقدامها وزلزالا يوشك أن يطيح بها، إذ كانت ولا تزال واقعة بين فكي كماشة فيما يتعلق بهذه القضية المباركة قضية فلسطين: الجماهير تطالبها –ولكن ليست المطالبة القوية- بالوقوف إلى جانب القضية المقدسة والحق الساطع، بينما ارتباطاتها الدولية وهي مصدر شرعيتها الأساسي تقتضيها الامتناع عن بذل أي صورة من صور الدعم لهذه القضية ولهذا الحق، ولو بممارسة أشد ضروب القمع لشعوبها، ثمنا لاستمرار الدعم الغربي وصمته عن انتهاكاتها الفادحة لأبسط حقوق شعوبها وتزوير إرادتهم عيانا، وهذا الدعم المشترى هو ما يفسر سياسة الإعاقة الثابتة والدائمة لمحاولات التحول الديمقراطي في المنطقة دون بقية بلاد العالم.

"
منح الصمود الأسطوري لمجاهدي غزة الأشاوس بقيادة حماس، كل حركات التغيير في المنطقة فرصا ذهبية لتغيير موازين القوة لمصلحتها عبر حركة فاعلة للشارع تحمل الأنظمة حملا على الالتحام بشعوبها والانتهاء عن تألهها
"
الديمقراطية هنا -وقد جربت- لا تنتج غير أنظمة من نوع حماس، تحدّث نفسها بالمحرمات الدولية: بتحرير فلسطين وتوحيد المنطقة ووقف نهب الثروات واستعادة ما نهب منها. إن قضية فلسطين معضلة من أشد المعضلات التي تهدد النظام العربي وكأن رحمة الله بهذه الأمة قد ابتلتها بهذا التحدي لاستفزاز واستنفار طاقاتها وتوحيد صفوفها والفرز بين قواها وأنظمتها وامتحان معادنها على هذا المحك، محك تحرير فلسطين، حتى لا يبقى في الساحة إلا الأصفى والأصلب، لا سيما أمام تصاعد الغطرسة الصهيونية وتراجع الإدارة الأميركية عن أي محاولة لكبح جماحها بأي قدر يكفل شيئا من حفظ ماء الوجه للنظام العربي ومنه سلطة أوسلو للانخراط مجددا في ملهاة المفاوضات جريا وراء سراب يعلم الجميع أنه سراب، وظيفته ملء الفراغ، بما يتيح للوحش مزيدا من الوقت لالتهام ما تبقى من فريسته، ولكنه يضعف الحكام ويتيح فرصا لحركات التغيير الجاهزة لدفع ثمن الحرية.

5- لقد وصلت حتى الآن مساعي التغيير والتحول الديمقراطي في المنطقة إلى طريق مسدود إذ فشلت كل المحاولات على اختلافها وقد بدأت منذ أزيد من قرن ونصف (كان أول دستور في تونس "عهد الأمان" سنة 1857) في إنتاج أنظمة دستورية تحد من السلطان المطلق للحاكم وتخضع تصرفاته لحكم قانون يرتضيه الشعب، فلا يزال الحاكم العربي ملكا كان أم أميرا أم رئيسا إرادته فوق القانون وفوق الشعب، يده الآثمة مطلقة التصرف في أموال الناس وفي أرواحهم وأعراضهم، وحتى في البلاد التي تجري فيها انتخابات دورية لم تعد عبثيتها تنطلي على أحد إذ تعيد إنتاج نفس السلعة المتعفنة.

كما أمكن لهذا المتحكم أن يستعين بالنظام الدولي في قمع كل محاولات التغيير العنيفة، بعد أن تحولت الدولة جيوشا بوليسية قمعية أحكمت قبضتها على رقاب الناس ومفاصل السلطة والثروة والإعلام والثقافة، وهو ما انتهى بالمشاركة في هذه السلطة لا تعدو في المحصلة اشتراكا في فتات من المغنم وضربا من التخدير، إلا أن قضية تخاذل الأنظمة عن نصرة فلسطين ونهبها للأرزاق تشحذان غضب الشعوب وتتجهان بها إلى الانفجار.

6- إن تخاذل الأنظمة وكبكبة الحركات الشعبية على حملها على الجادة حملا أغرى الصهيوني بالإمعان في طموحات بلا حدود، لا يبالي بوضع هذا الحاكم العربي الذي تتآكل بسرعة أرصدته، ويتصاعد الغضب من حوله، رغم أن بعض عقلاء الصهاينة تراهم مشفقين مثلا على حال عباس (لنترفق بأبي مازن. معاريف 9/10/2009) وعلى مبارك، مقدرين ملازمته الصمت خلال الحملة على غزة، موصين جماعات الضغط الأميركية بدعمه (راديو تل أبيب 11/12/2009)، ولكن الإسرائيليين لا يفعلون هم ولا حلفاؤهم الغربيون شيئا لحفظ ما تبقى من ماء وجوه حكام العرب إزاء شعوبهم، بل يمضون قدما إلى إنفاذ أطماعهم، ويتهيؤون للإقدام على الضربة الحاسمة، تجسيدا لبؤرة الأساطير المؤسسة لكيانهم: هدم المسجد الأقصى، والاستيلاء عليه أو على أجزاء منه لإقامة هيكلهم الأسطوري المزعوم.

ولقد بلغ الغرور والاستهتار بالعرب والمسلمين من قبل جماعات يهودية أن حددت شهر مارس/آذار القادم موعدا لإنفاذ مشروعها في بناء الهيكل المزعوم على أنقاض الأقصى المبارك مسرى نبينا وقبلتنا الأولى.

والسؤال عندئذ ليس عما ستفعل الأنظمة؟ وهل تراها فاعلة شيئا زائدا عما فعلته لغزة البطلة الجريحة، اللهم غير التنادي للقاء احتفالي وإصدار بيانات شجب والتوجه إلى مجلس الأمن حائط مبكاهم.

"
ماذا ستفعل الشعوب؟ ماذا ترى قوى التغيير فاعلة؟ هل ستتبارى في الشجب والقيام بتحركات محدودة محسوبة كما فعلت إزاء امتحان غزة؟ أم ستحمّل تقاعس الأنظمة مسؤولية الكارثة وتدفّعها الثمن فتكون لحظة للتغيير؟
"

السؤال ماذا ستفعل الشعوب؟ ماذا ترى قوى التغيير فاعلة؟ هل ستتبارى في الشجب أيضا والقيام بتحركات محدودة محسوبة كما فعلت إزاء امتحان غزة؟ أم ستحمّل تقاعس الأنظمة مسؤولية الكارثة وتدفّعها الثمن؟ فتكون لحظة للتغيير، اجتماعا حول القضية التي لا تكاد الأمة تجتمع على غيرها: الحرية لفلسطين وللأمة، فتكون محنة قد تحولت إلى منحة، فيمسك دعاة التغيير جيدا بهذا الحبل المتين، قضية تحرير الأقصى، تحرير فلسطين، وهدم كل الجدران، بما يحرك المياه الراكدة ويجمّع شتات القوى المبعثرة، بما يكفل استئناف حركة التاريخ المتوقفة في هذه المنطقة من العالم لتنخرط في معمعانه. وهل الحزم يقتضي انتظار وقوع الكارثة وهي لا محالة قادمة أم التوقي منها والاستعداد لمواجهتها عبر بسط أرضية رحبة للتلاقي بين القوى الرئيسية في كل قطر من أقطارنا وتعميق الحوار بينها توصلا لعقد الميثاق الجامع للجماعة الوطنية القادرة على التعبير عن إرادة شعوبنا والدفاع عن مصالحها وقضاياها الكبرى وفي طليعتها القضية المباركة قضية تحرير فلسطين، وما تقتضيه من نضال ميداني في جبهات تقود حركة الجماهير الطلابية والنقابية والسياسية من أجل تحقيق العدل ووقف نهب الثروات وبسط الحريات بوضع حد لعهود الاستبداد والانتصار لقضايا الهوية من لغة ودين وخلق وترسيخ قيم المواطنة والدفع بحيوية، صوب إحياء وإرساء مشاريع راشدة للوحدة.

7- صحيح أن دماء غزة الزكية أحيت كثيرا من موات الأمة والضمائر الإنسانية، فتحرك العملاق التركي عائدا بقوة إلى موقعه من الأمة، وتحرك الشارع في العالم تضامنا مع أبطال غزة وأطفالها، بما أخذ يفعّل القانون الدولي الإنساني فيشرع في مطاردة نازيي الصهيونية باعتبارهم مرتكبي جرائم حرب ضد الإنسانية، أما الشارع العربي فقد تحرك هو الآخر، إلا أنها حركة مترددة لم تغلق سفارة عدا في نواكشوط –تحية لهم- ولا قطعت غازا ولا نفطا ولا دعت سفراء داعمين للصهيونية احتجاجا، ولا غيرت نظاما، حركة غير حازمة وغير مصممة على بذل التضحيات الكافية والمضيّ مع الأنظمة المتواطئة إلى النهاية: بحملها إما على توظيف إمكانات الأمة السياسية والاقتصادية والدبلوماسية لصالح معركة الأمة أو التنحي جانبا. قال تعالى يوجه أحد مبعوثيه إلى أخذ الرسالة بحزم "يا يحيى خذ الكتاب بقوة" مريم/11.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة