منع الصور المروّعة.. أسباب أخلاقية أم سياسية؟   
الأحد 19/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


بقلم/ مريم بنت زيدون

- سيطرة الصورة وتأثيرها
- كيف تستغل الصور وتوظف؟
- كيف تصادر الصور؟
- الأوجه المتعددة للصورة

يعيش سكان مدينة الفلوجة العراقية هذه الأيام حصارا وقصفا وتقتيلا جماعيا، ويحبسون أنفاسهم وهم يفكرون في طريقة لتلبية المطالب التي ستزيح عنهم هذه الغمة، لقد طلب منهم تسليم الأشخاص الذين مثلوا بجثث المقاولين الأميركيين أمام أنظار العالم، وقد لوحت لهم القوات المحتلة بأنها مستعدة لمحوهم من الوجود إذا لم ينفذوا ذلك الطلب الغريب.

ذلك المصور الذي التقط تلك الصورة قبل أن تصل القوات الأميركية وتطوق المكان وتمنع عيون العالم من الوصول إليه ربما كان سيفكر ألف مرة قبل التقاط تلك الصور، لو علم أن مئات من المدنيين ستدفع أرواحها نتيجة لما أثارته تلك الصورة في نفوس المواطنين الأميركيين المستمتعين أمام شاشات التلفزة في بيوتهم الدافئة المترفة.

إن الحدث بكل ما آل إليه ليس مستغربا في عالم أصبحت الصورة تسيطر عليه سيطرة تامة، تغيب عن أحداث جلل فتمر دون أن ينتبه العالم إليها، وتخلد أحداثا أخرى أقل شأنا فتسلط الأضواء عليها وتعطيها أكثر من حقها محولة إياها إلى بصمات تشكل منعطفات تاريخية لها ما بعدها.

فكيف أصبح للصورة كل هذا التأثير؟ وكيف نتج عن ذلك استغلالها وتوظيفها؟ كيف تنشر الصور وتمنع لا لإظهار الحقيقة بل للإثارة والاستغلال؟ كيف رغم كل ذلك تستعصي بعض الصور على مستغليها فتتعدد أوجه الحقيقة من خلالها؟

سيطرة الصورة وتأثيرها

يسيطر جهاز التلفزيون اليوم على حياة البشر بعد أن وحدت العولمة عاداتهم في تلقي الأخبار, وقد حول هذا الإدمان أكثر سكان العالم إلى حيوانات يمكن لأي قناة تلفزيونية محترفة تدجينها وتطويعها
يسيطر جهاز التلفزيون اليوم على حياة البشر بعد أن وحدت العولمة عاداتهم في تلقي الأخبار وتبني التحليلات والتسليم بالتعليقات، ويفضل أكثر الناس تلقي الأخبار من جهاز التلفزيون الذي لا تقارن الأعداد التي تشدها صوره الملونة المتتابعة بأعداد من يقبلون على قراءة الجرائد بتمعن وهدوء أو من يستمعون إلى الإذاعة التي تحتاج لزيادة الكثير من الفقرات لتعويض الصورة.

وقد حول هذا الإدمان المتزايد أكثر سكان العالم إلى حيوانات يمكن لأي قناة تلفزيونية محترفة تدجينها وتطويعها، وبالنظر إلى العمل التلفزيوني والتدبر في الطريقة التي تبث بها الصور يتجلى ما في القضية من خدع تحول المشاهد يوما بعد يوم إلى آلة تتم برمجتها بكل سهولة ويسر.

ففضلا عن تطور الأجهزة الموجودة في البيوت بحيث أصبحت شاشات يحولها شكلها وأبعادها وألوانها وغزارة السيل المتدفق منها وسهولة التنقل بين قنواتها إلى ركن يشد الأبصار ويأخذ بمجامع القلوب، يأتي ما يتم في الطرف الآخر مكملا الصورة الخبرية، فمكيجة المذيعين وتداخل الأضواء والألوان والأبعاد في الأستوديوهات وعمليات المونتاج على الصور الواردة وتكميل ذلك بالتعليقات والتحليلات كلها أمور ما إن تجتمع حتى تكون الصورة الأصلية قد تغيرت وتبدلت.

ويزيد الأمر إبعادا عن الحقيقة كون المتلقي مشاهدا مدمنا تعود على الكسل عن التحليل والتمعن، وتعود على صورة جاهزة تأتيه في حركات متسارعة تشل مع الزمن قدرته على التفكير المستقيم وتنمي لديه الملل من كل ما هو بطيء أو طبيعي.

كيف تستغل الصور وتوظف؟
يدرك الساسة والتجار اليوم ما لاستغلال الصورة التلفزيونية من أهمية في تشكيل الرأي العام العالمي وإحداث الفروق وجني المكاسب، ولا يقتصر الأمر على صناعتها وفبركتها وتصيدها بل إن استغلال الصور التي تهز العالم أو الحيلولة دون نشرها أصبح عرفا متداولا بين الواعين لتجارة العقول تلك.

فصور برجي مركز التجارة العالمي والطائرات تخترقهما وصور انهيارهما والجثث تترامى من علو عشرات الطوابق، تلك الصور والحجم الذي احتلته من وقت ومساحة وسائل الإعلام العالمية هي ما جعل أمة كانت تعتبر مثالا للعدل واحترام حقوق الإنسان تتفرج بصمت على كل تلك الحروب الشنيعة التي يشنها أفراد محدودون استغلوا تأثير تلك الصور.

وحسب الاحتياجات قد يتجاوز الأمر الاستغلال إلى صناعة الصور وفبركتها، ولعل من أمثلة ذلك ما تردد من أن صور القبض على صدام حسين كانت فيلما مصورا أكثر منها صورا حقيقية.


تخدر مشاهدة الأحداث المروعة يوميا ضمائر العالم وتحولها إلى آلات متحجرة لا تبدي ردود فعل تجاه القتل والدمار، ولا يقتصر الأمر على عدم المبالاة بل إنه تحول إلى متعة وإثارة
وأيد ذلك كونها جاءت في وقت تصاعدت فيه الأصوات متسائلة عن أسلحة الدمار الشامل التي احتل العراق بسببها، وفي وقت تصاعدت فيه الهجمات من المقاومين العراقيين ضد قوات الاحتلال، وجاءت في وقت تزايد فيه الكره والاحتقار لهذا الغازي الذي جاء بحجة تقديم المساعدة، وها هو ينشغل بتقسيم الصفقات والعقود التي جاء من أجلها غير مكترث بشعب أفقرته سنوات الحصار وأشهر التهديد وأسابيع القصف لأبسط مقومات الحياة.

وأمام هذه الصورة التي أبرزت للعالم الوجه البشع لهذا الاحتلال ألقي القبض على صدام حسين مختبئا داخل حفرة تحت الأرض، وجاءت صورته وهو يستسلم لذلك الطبيب الذي يحرك فكيه ويسلط الضوء على أضراسه ومغابن حلقه بذل وخنوع دون أي مقاومة.

لقد حاول الأميركيون أن يحملوا تلك الصورة ردا من نوع "لقد قبضنا على بداية الخيط للوصول إلى أسلحة الدمار الشامل، وسنلقي القبض على المقاومين أذلاء منهزمين كما فعلنا بقائدهم، وقد خلصناكم أيها العراقيون من جلادكم".

وخارجا عن استغلال الصور لإيصال الرسائل هنالك جانب كبير للإثارة، فبقدر ألم المشاهد لصورة القتل والدمار الناتج عن الحروب والحوادث المدبرة أو التي حصلت خطأ، يجد كثير من الناس في هذه الصور متعة خفية لا تفتر القنوات التلفزيونية عن إثارتها وتغذيتها والسعي وراء استغلالها وتصيد المناسبات لإشباعها.

وقد أدت المنافسة على ذلك إلى تعود الناس على صور الموت والدم حتى أصبحت لا تثير لديهم أي ردة فعل، فلا غرابة من أن يتابع أي عربي أو مسلم مثلا خبرا عن موت أسرة فلسطينية بكاملها، ويشاهد ذلك بالصورة والتعليق، ليرد طرفه ويتابع شرب الشاي أو لعبه مع أولاده، أو يخرج في نزهة لا يكدر صفوها مكدر دون أن يحس أن ما كان يشاهده حقائق فعلية مرعبة حصلت لأسرة عربية مسلمة.

وتخدر مشاهدة الأحداث المروعة يوميا ضمائر العالم وتحولها إلى آلات متحجرة لا تبدي ردود فعل تجاه القتل والدمار، ولا يقتصر الأمر على عدم المبالاة بل إنه تحول إلى متعة وإثارة يصعب الفكاك من الإدمان عليها.

كيف تصادر الصور؟
عندما امتنعت أكثر القنوات الأميركية عن نشر صور الجثث التي مثل بها في الفلوجة عزت الأمر إلى أسباب إنسانية، مع أن نشراتها ذلك اليوم تضمنت نبأ عن ذكرى المذابح التي حصلت في رواندا منذ سنوات، وقد كانت الهياكل العظمية للجثث تبرز الحالة التي مات عليها كل واحد من الـ800 ألف شخص الذين راحوا ضحية تلك المجازر، ونقلت التلفزيونات العالمية ومن بينها الأميركية صورها دون أن يكون هنالك أي داع إنساني لعدم نشرها.

ولم يكن يخفى على أحد أن أسبابا أخرى هي التي منعت القائمين على وسائل الإعلام الأميركية ومن يأمرونهم من نشر تلك الصور، إنها نفس الأسباب التي تحجب عن أنظار العالم صور جثامين الجنود الأميركيين التي تصل يوميا من العراق.

وتلك الصور -وهذه بإمكانها أن تفسر من قبل المشاهد بأنها أكبر دليل على أن الأميركيين يخسرون في العراق- تفصح عن قدر كبير من الكره يكنه العراقيون للأميركيين إلى درجة المرض والذي يستمتع صاحبه بتعليق الجثث ورجمها، وتلك الصور كانت أقوى من أي خطاب يمكن للمرشح الديمقراطي جون كيري أن يلقيه ضد خصمه جورج بوش، رغم أنه رفض التعليق على الأمر على نحو ينال من منافسه معتبرا أن الوقت هو وقت حزن، إلا أنه ليس خافيا أن الضربة التي تلقتها الإدارة الجمهورية من جراء تلك الصور كانت الأقسى منذ بدء احتلالها للعراق.

الأوجه المتعددة للصورة
لكل صورة يدور حولها الجدل اليوم أوجه متعددة تجعل منها واحدة من أصعب الأمور تسييرا، فبينما كان اختراق الطائرات لبرجي مركز التجارة العالمي يعطي انطباعا بوحشية وعنف من يقف وراء قتل المدنيين بهذه الطريقة المروعة، برز وجه آخر لهذه الصورة وهو دلالتها على هشاشة الأمن الأميركي وسهولة اختراقه، ووجه ثالث هو ما الذي يدفع هؤلاء إلى ما قاموا به، ورابع كم سهل على أشخاص عاديين لا يملكون سلاحا أن ينتقموا بطريقتهم الخاصة إذا صمموا على ذلك.

وبينما رأى البعض في عرض صور نجلي الرئيس العراقي المخلوع وعرض صور اعتقال صدام حسين لاحقا إهانة وتحقيرا للعرب، وفضل الجميع أنه لو كان ذلك تم على أيدي العراقيين، حملت تلك الصور رسالة لقادة العرب تقول إن هذا ما يفعله الأميركيون بأصدقائهم القدامى وعائلاتهم عندما تنتهي صلاحيتهم.

وبينما تركز صور المحتلين الإسرائيليين على جثة كل شهيد نفذ عملية وهي ملقاة نصفين على جانب الطريق في رسالة تقول: أيها المقدمون على الموت هذا ما يحصل عندما يفجر الإنسان نفسه.


تقليد الصورة هو ما يلفت الانتباه اليوم, فكل مظلوم يحاول الانتفاض على غرار الفلسطينيين، وكل مطارد يسجل أشرطة على غرار زعماء القاعدة، وكل قوي يرد استرشادا بما قامت به أميركا
ظلت تلك الصورة تحمل دوما معاني أخرى تقول إنه لا شك أن ما يحمل هؤلاء على الموت بهذه الطريقة هو أمر جلل، ولن يعوز الفلسطينيين التفنن والابتكار لانتزاع حقوقهم.

وتجدر الإشارة بعد ذلك إلى خطورة النتائج المترتبة على قوة تأثير الصور اليوم، والتي من أكثرها ظلما ظاهرة محاولة إعادة الاعتبار عقب نشر كل صورة تمس كرامة الدول المتعالية، وقد كان السعي إلى إعادة ذلك الاعتبار مكلفا للجانب الذي يتم اختياره ككبش فداء، ولعل أبرز مثال على ذلك هو أخذ العرب والمسلمين بجريرة تنظيم القاعدة وأخذ أهل الفلوجة بذنب الممثلين بجثث الأميركيين.

لكن حالة التقليد المطلق لكل ما يشاهد من صور هي الأكثر لفتا للانتباه، فكل مظلوم اليوم يحاول الانتفاض على غرار الفلسطينيين، وكل مطارد ضاقت عليه الأرض يسجل أشرطة لتوصيل وجهة نظره على غرار زعماء القاعدة، وكل قوي يرد على كل ثائر بعنف لا ينظر في عواقبه استرشادا بما قامت به أميركا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001. ويبقى القول إن من سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ومن سنّ سنّة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها.
__________
كاتبة موريتانية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة