الحذار من زيارة عباس لواشنطن   
الخميس 19/4/1429 هـ - الموافق 24/4/2008 م (آخر تحديث) الساعة 10:30 (مكة المكرمة)، 7:30 (غرينتش)

 

منير شفيق

 

لولا ضرورة اختصار العنوان لأضفت إليه "والحذار من زيارة بوش للقدس". فزيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس لواشنطن خلال الأسبوع الرابع من شهر أبريل/نيسان 2008، ليست من نمط زياراته السابقة، بما فيها حضوره لمؤتمر أنابوليس، وتكرار لقاءاته بالرئيس الأميركي جورج دبليو بوش.

 

الزيارة الحالية إلى واشنطن تأتي لتتويج مسار مفاوضات ثنائية بإشراف أميركي مباشر من أجل التوصل إلى اتفاق نهائي، أو اتفاق "مبادئ" أو "إطار" جديد (أوسلو 2 ودولة مؤقتة).

 

"
زيارة عباس إلى واشنطن تأتي لتتويج مسار مفاوضات ثنائية بإشراف أميركي مباشر من أجل التوصل إلى اتفاق نهائي، أو اتفاق "مبادئ " أو "إطار" جديد (أوسلو 2 ودولة مؤقتة)
"
فالمطلوب من هذه الزيارة أن تحل العقدة، أو العقد القليلة، الباقية من أجل إنجاز أحد الاتفاقين.

 

إن هدف عباس هو التوصل إلى اتفاق نهائي وليس اتفاق مبادئ بدولة مؤقتة، أو ممهداً لدولة مؤقتة. أما إذا تعذر فقد يقبل بالثاني، علماً أنه قبل به من حيث المبدأ من خلال الموافقة على خريطة الطريق التي تتضمن دولة مؤقتة. ولكنه تورط في رفض الدولة المؤقتة وقد أدانها عندما راح يخوّن حماس بالاستعداد لقبولها.


طبعاَ، قيل إن كلمة إنسان جاءت من النسيان. فلماذا لا ينسى اعتبار الدولة المؤقتة جريمة وخيانة على حد تعبير أحد مستشاريه الأقربين في حملة الهجوم على ما سمي ظلماً بـ"وثيقة أحمد يوسف" وقد اتهمت بأنها تتضمن الموافقة على دولة مؤقتة.


من هنا فإن المطالبة بالحذر من زيارة عباس إلى واشنطن تأتي من خطورة التوصل إلى حل العقدة أو العقد الباقية، من أجل إنجاز اتفاق تصفوي نهائي للقضية الفلسطينية، أو اتفاق نصف تصفوي (أو أكثر من الثلثين) باتفاق مبادئ جديد يهبط حتى عن سقف أوسلو درجات، بل وعن سقف محمود عباس نفسه إلى ما قبل الانقسام بين قطاع غزة والضفة الغربية، وذلك بإقامة دويلة مؤقتة، أو ما يشبه، على مناطق (أ) من الضفة الغربية. أما قطاع غزة فسيتركونه لمرحلة قادمة حتى لا يعوق إنجاز اتفاق.


فالمطلوب من بوش أن يضغط من أجل حصول الحد الأدني الذي تدنى كثيراً عن الحد الأدنى السابق. وهو ما يتعلق بـ"إعطاء" جزء من القدس الشرقية (جزء من المدينة القديمة) حتى يمكن أن يغطي التنازل في موضوع "تبادل الأراضي" وإحالة قضية اللاجئين إلى "آلية دولية للتعويض" (من توضيحات بوش لرؤيته)، والاعتراف بيهودية الدولة (شطب حتى حقوق فلسطينيي الـ48 في البقاء على أراضيهم التاريخية).


هذه العقدة (الخروج باتفاق يتضمن جزءاً من القدس الشرقية ليكون "عاصمة" الدولة الفلسطينية)، هي ما يجب أن يضغط بوش من أجله إذا أراد التوصل إلى إقامة "دولة فلسطينية" دائمة وليست مؤقتة.


وبهذا تكون القضية قد صفيت بأسوأ من أي تصور سابق لتصفيتها، ومع ذلك ما زال المطلوب إسرائيلياً تنازلاً أسوأ في القدس الشرقية بما في ذلك موضوع المسجد الأقصى واقتسامه.


فهل سيعد بوش بتلبية هذا المطلب؟ وهل إذا وعد حتى تكون الزيارة ناجحة، يستطيع أن يحقق الوعد؟ الجواب ما زال معلقاً، وإن غدا احتماله أقوى من ذي قبل، لأن الليمونة الفلسطينية لم يعد بالإمكان عصرها أكثر، أي القبول بالحل الإسرائيلي النهائي للقدس والمسجد الأقصى.

أما من الجهة الأخرى فإن زيارة الرئيس الأميركي للقدس في 15 يونيو/حزيران 2008، وبعد شهرين تقريباً من زيارته السابقة، يريدها أن تحقق إنجازاً (اتفاق إسرائيلي فلسطيني) وليس مجرد دعم لدولة الكيان الصهيوني التي اغتصبت 78% من فلسطين عام 1948/1949 وشردت ثلثي الشعب الفلسطيني في حينه، وأيضا ليس مجرد ثمن يدفع مقابل مزيد من دعم اللوبي الإسرائيلي للحزب الجمهوري في انتخابات خريف 2008.

"
يجب الحذر من زيارة بوش القادمة إلى القدس, لأن بوش وحزبه الجمهوري بحاجة إلى إنجاز على حساب الحقوق الفلسطينية يقدم باعتباره إنجازاً فذاً في حل أعقد قضية استعصت على الحل منذ تسعين عاماً (1918) وليس منذ ستين عاماً فقط
"
ومن هنا توجب الحذار من زيارة بوش القادمة إلى القدس مرة أخرى، لأن بوش وحزبه الجمهوري بحاجة إلى إنجاز على حساب الحقوق الفلسطينية يقدم باعتباره إنجازاً فذاً في حل أعقد قضية استعصت على الحل منذ تسعين عاماً (1918)، وليس منذ ستين عاماً فقط.


طبعاً الوصول إلى هكذا اتفاق يشارك إيهود أولمرت في الحاجة إليه بما يفوق حاجة بوش وسعى عباس إليه، لأنه أمله الوحيد في حالة تعذر إنجاز عسكري ضد إيران في الخروج من فشله الساحق في حرب يوليو/تموز 2006 في لبنان، والذي جعله في حكم المستقيل أو المقال عملياً.

 

وذلك في محاولة ليصنع زعامة له عبر التقدم إلى الانتخابات بـ"اتفاق سلام"، وإلا فإنه يستطيع حتى أن يترأس قائمة حزب "كديما" مرة أخرى في الانتخابات القادمة.


فالزعماء الثلاثة يمكن أن يسموا "الزعماء الضعاف الثلاثة"، لأن الضعف هو الذي يجمعهم وهو الذي يجعل من احتمال اتفاقهم احتمالاً أقوى من ذي قبل. ومن هنا مصدر الخطورة هذه المرة.


لقد زاد الطين بلة في هذه المعادلة التي راحت تعمل منذ السعي لعقد مؤتمر أنابوليس ما حدث من تغيير في موقف كل من مصر والسعودية في الموضوع الفلسطيني والموضوع اللبناني.

 

وقد بدأ هذا الانعطاف منذ أزمة الوقود الأولى في قطاع غزة واقتحام معبر رفح. لكن لم يظهر جليا وخطا محددا إلا قبيل القمة العربية في دمشق ثم القمم الثنائية والثلاثية التي عقدت بعدها في القاهرة.


بغض النظر عن الجزئيات والتفاصيل، وبغض النظر عما يمكن أن تفسر به أسباب هذا التغيير أو وصفه بالتراجع في الوقت، فإن من الضروري الإقرار به حقيقة قائمة. وليس نكرانه باعتبار كلمة تراجع غير مقبولة، بما قد تحمله من إيحاءات.


فالشيء الذي لا خلاف عليه في حدوث هذا التغيير في المواقف بداية في لبنان، هو تغير كل من الموقفين السعودي والمصري من الأطراف المتنازعة الداخلية في لبنان.

 

فبعد أن كان العنوان الرئيسي هو "الوقوف على مسافة واحدة من الأطراف جميعاً"، اتجه الموقفان إلى التماهي أو الاقتراب أكثر فأكثر من طرف 14 آذار لا سيما في الموقف من انتخاب الرئيس اللبناني أولا، ومن دون بحث تشكيل الحكومة وقانون الانتخابات القادمة، فيما كانت المبادره العربية قد تناولت المواضيع الثلاثة.

 

وهو ما ترجمته المفاوضات التي خاضها الأمين العام في موضوع تطبيقها حيث دار حواره مع الأطراف المعنية حول تشكيل الحكومة ونسب التمثيل فيها. ولكن الموقف المصري الذي اعتبر حوار الأطراف اللبنانية قد يخفف الأزمة محاولة خجولة للتوازن.


هذا وحدث تغيير مماثل في الموقف من الانقسام الفلسطيني الفلسطيني حيث كان الموقف المصري والسعودي بعد وقوع الانقسام بين القطاع والضفة في منتصف يونيو/حزيران 2007 يتلخص بالضغط على محمود عباس وفتح للدخول في الحوار من دون شروط وضرورة العودة إلى اتفاق مكة واتفاق القاهرة بشأن منظمة التحرير.

 

"
كانت هنالك مخاوف وتحفظات حول ما يجري وراء الظهر من مفاوضات ثنائية, أما الآن فقد أعلن أن ثمة دعماً مصريا وسعوديا للمفاوضات، وأن الرئيس الفلسطيني قبل زيارته إلى واشنطن حمل معه الموافقة المصرية السعودية على ما يمكن أن يتفق عليه
"
وكانت هنالك مخاوف وتحفظات إزاء ما يجري وراء الظهر من مفاوضات ثنائية. وكانت اللقاءات مع محمود عباس متقطعة متباعدة ويقال متوترة.


أما الآن فقد أعلن أن ثمة دعماً مصريا وسعوديا للمفاوضات، وأن الرئيس الفلسطيني قبل زيارته إلى واشنطن حمل معه الموافقة المصرية السعودية على ما يمكن أن يتفق عليه. الأمر الذي يعني هنا أن التغيير ليس كما حدث في لبنان اقتصر على تغيير الموقف من الأطراف المتنازعة، وإنما كان تغييرا سياسيا يتضمن هبوطاً عن سقف المبادرة العربية لأن عباس وافق على تبادل الأراضي والاعتراف بالقدس الغربية عاصمة للدولة الإسرائيلية والتفاوض على القدس الشرقية.

 

وسكت سكوت الرضا أو سكوت عدم اعتراض على تفسير بوش لرؤيته في حل الدولتين بأنها تضمن الاعتراف بيهودية الدولة، وبتشكيل آلية للتعويض على اللاجئين (والتعويض يعني في ما يعني التوطين وربما الوطن البديل).

 

صحيح أن ما أعلن من تفاهم مع عباس ودعم له فيما يحمله من مطالب في زيارته لواشنطن لا يعني اعترافا رسميا مصريا وسعوديا بمبدأي تبادل الأراضي واعتبار القدس عاصمتين للدولتين. ولا يعني الموافقة الرسمية على تفسير بوش لرؤيته إزاء يهودية الدولة وقضية اللاجئين. ولكن ما معنى دعم المفاوضات وتغطية عباس، وهو الذي أعلن تبنيه لمبادئ ستة تتضمن الإقرار بمبدأ تبادل الأراضي واقتسام القدس عاصمتين. فإلى أين يصل بسقف المبادرة العربية، الهابط أصلا؟


بالتأكيد لو نبس المفاوض الفلسطيني جادا ببنت شفة بأن الاتفاق الذي يجري التفاوض عليه سيكون وفقا للمبادرة العربية التي تريد العودة إلى خطوط ما قبل حرب حزيران لما كان هنالك جلسة أخرى للتفاوض، ولما كان ثمة لقاء آخر مع بوش، ولا حتى كوندوليزا رايس. وهذا مفهوم من الموقفين الأميركي والإسرائيلي المعلنين بوضوح تام.


يقول البعض من جهة أخرى إن التجربة الماضية أثبتت أن الكيان الصهيوني لا يريد "التنازل" أو "السلام" وإنما اتفاقا يعيد الانتشار إلى ما وراء الجدار وإلى أمام ما سيقتطع من أراض على الحدود، تاركا بينهما ما يتبقى من الضفة الغربية.

 

الأمر الذي يعني أن دعم عباس عربياً سوف لا يحقق تسوية، ومن ثم يكون الموقف العربي تجنب مواجهة مع أميركا وأحرج بوش وأولمرت. ولم يوقع.


بكلمة، يلحظ مرة أخرى أن كل التنازلات الفلسطينية والعربية تغطت تحت حجة ليس هنالك تسوية ولن ينفذ ما تم التنازل عليه.. ومن ثم لماذا الخوف من تنازلات على الورق؟!

 

والمشكلة مشكلة موازين قوى. فالمهم الآن أن نتقن "المناورة" و"نحرج" القيادتين الأميركية والإسرائيلية ونكسب الرأي العام (الدول الغربية) فيما نكون قد أفلتنا من ضغوط ومواجهات وكسبنا الوقت.


ولن ينسى هؤلاء بأنه في المقابل فإن كل جولة مفاوضات أو مساع بشأن التسوية تبدأ من حيث انتهت التنازلات الفلسطينية والعربية ومن ثم يصبح المطلوب تنازلات جديدة.. وهذا ما يسمح بالقول إن كل ما قدم من تنازلات كان مجانا ولم يخرج بمقابل على الأرض ولا في موضوع الأرض الفلسطينية أو الحقوق الفلسطينية ولم يخرج حتى بكسب الدول الغربية.

 

"
هل من عود إلى التوازن في المواقف، على الأقل إلى مستوى ما كانت عليه قبل يونيو/حزيران 2007 فلسطينيا، وإلى ما قبيل القمة العربية في الرياض وإلى ما قبل أحداث معبر رفح مصريا فلسطينيا، وإلى المبادرة العربية لبنانيا لبنانيا، وعربيا لبنانيا؟
"
وإذا كان الأمر كذلك، دون جدال، لأن النتائج على أرض الواقع أصدق أنباء من الحجج، فكيف يتكرر الأمر نفسه مرة بعد أخرى؟ ولكن هذه المرة الحذار لأن حاجة كل من بوش وأولمرت ملحة في التوصل إلى اتفاق.

 

وإذا صح وتم التوصل إلى اتفاق تكون القضية الفلسطينية قد تعرضت للتصفية أو أصبحت في خطر لا بد من أن يدرأ عنها. ففي هذه المرة تتوجب الحيطة من الانقياد وراء تجربة المفاوضات "العبثية"، فقد يكون الذئب هذه المرة على الباب.


هذا التحليل محاولة للاقتراب بأعلى درجات الموضوعية إلى ما آل إليه وضع المفاوضات الثنائية وخطورتها الداهمة، وإلى متابعة تطورات الموقفين المصري والسعودي، وبصورة خاصة لأهمية موقفيهما من المفاوضات.

 

وذلك من أجل التنبيه وليس التحريض أو صب الزيت على نار الانقسامات العربية العربية، أو الانقسامات اللبنانية اللبنانية، والفلسطينية الفلسطينية.

 

لأن الجهود كلها يجب أن تنصب على إطفاء هذه النيران، ورأب الصدوع، وإلا فالأضرار واقعة لا محالة.


فهل من عود إلى التوازن في المواقف، على الأقل إلى مستوى ما كانت عليه قبل يونيو/حزيران 2007 فلسطينيا، وإلى ما قبيل القمة العربية في الرياض، وإلى ما قبل أحداث معبر رفح مصريا فلسطينيا، وإلى المبادرة العربية لبنانيا لبنانيا، وعربيا لبنانيا؟

 

وهل يتوقف التدحرج الذي يجعلنا في اليوم الذي نحن فيه نتحسر على يوم مضى بكينا منه؟.

ــــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة