باكستان.. ما بعد الديمقراطية العسكرية   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

شرطي باكستاني يحرس صناديق الانتخابات


بقلم: علي صبري*

- خارطة الصراع الانتخابي
- القوى المتنافسة
- إصلاحات مشرف
- الحكم العسكري الأعجز
- ما بعد الانتخابات

لم ينجح الجنرال برويز مشرف الذي فرض نفسه على قمة الهرم السياسي الباكستاني، حتى ساعة فتح صناديق الاقتراع للتصويت صباح الخميس العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري.. لم ينجح -على ما يبدو- في إقناع الشارع الباكستاني وقواه السياسية بديمقراطية انتخاباته أو نظامه الخاص الذي يحاول فرضه كذلك على الحياة السياسية الباكستانية، إذ لا يزال ينظر إليه على أنه حكم عسكري. ولم تجدِ العباءة الديمقراطية التي يحاول التلحف بها لرفع الملامة عنه في أروقة السياسة غرب الكرة الأرضية، في تحسين صورة حكمه.

شارك في هذه الانتخابات 72 مليون ناخب من أصل 140 مليونا هم سكان باكستان، ويترشح للانتخابات النيابية الفدرالية 2071 مرشحا عن 62 حزبا سياسيا يتنافسون على 342 مقعدا، 60 منها مخصصة للنساء و10 مقاعد للأقليات الدينية. كما يتنافس 5109 مرشحين عن مقاعد البرلمانات المحلية الـ 728، يخصص منها 128 للنساء و23 للأقليات الدينية، ويراقب الانتخابات 210 مراقبين دوليين، و4000 مراقب محلي غير حكومي.

خارطة الصراع الانتخابي

مؤيدون للأحزاب الإسلامية
في تجمع انتخابي (أرشيف)

إذا كان مشرف قد "نجح" في إزاحة قيادة الحزبين الكبيرين عن طريقه، وربما أثر ذلك بشكل ما على الحزبين، فإنه لم يلغ سيطرتهما التقليدية على المساحة الأوسع من الخارطة السياسية الباكستانية. هذا بالإضافة إلى التحدي الذي يواجهه من تحالف الحركات والأحزاب الدينية والذي يعرف باسم مجلس العمل المتحد (MMA) الذي يضم ستة من الأحزاب الإسلامية ذات النفوذ القوي في الشارع الباكستاني وإن لم ينعكس هذا النفوذ بصورة صادقة في الانتخابات السابقة لأسباب اجتماعية واقتصادية.
إلا أن الهزات العنيفة التي شهدتها باكستان على مدى العام السابق من اللحظة التي فتح فيها مشرف أراضي بلاده للقوات الأميركية لضرب أفغانستان، وإجراءاته غير المرضي عنها شعبيا تجاه القضية والمنظمات الكشميرية التي كانت تحتضنها إسلام آباد وتقدم لها كل صور الدعم لتحقيق مطالبها بحق تقرير المصير، إضافة إلى مساعي مشرف لتقليص ومحاصرة المدارس الدينية التي يعتبر المساس بها مساسا بالدين نفسه في وعي المواطن الباكستاني البسيط والمثقف على حد سواء.. هذه التطورات وفرت للأحزاب الإسلامية أرضية خصبة يمكن أن تستثمرها في معركتها السياسية مع نظام مشرف الديمقراطي العسكري.

كانت الأحزاب السياسية الحاكمة -كما القادة السياسيين- مسؤولة بقدر مسؤولية الجيش عن فشل التجربة الديمقراطية خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي، فقد تورط حزبا الشعب (PPP) بزعامة بينظير بوتو المطلوبة للعدالة والمقيمة في منفاها الطوعي في لندن منذ عام 1998، والرابطة الإسلامية (PML) بقيادة نواز شريف المبعد عن بلاده إلى السعودية قبل ثلاث سنوات.. تورطا في الفساد واكتفيا بالمناكفات السياسية على حساب المصلحة العامة، واستعان كل منهما بالمؤسسة العسكرية ضد الآخر.

غير أن الأحزاب السياسية باتت تدرك أهمية خلق ثقافة التعايش السياسي بين السلطة والمعارضة، وضرر المناكفات السياسية التي دفع الحزبان الأكبر ثمنها، وضرورة إتاحة الفرصة للحكومة المنتخبة حتى تكمل مدتها الدستورية دون إعاقة أو محاولة إسقاطها، وعدم السماح للجيش باللعب على خلافات الأحزاب السياسية لتحقيق الأجندة الخاصة بالمؤسسة العسكرية.

وفي هذا السياق اعترف الأمين العام لحزب الشعب رضا رباني بمسؤولية الأحزاب عن فشل التجربة الديمقراطية حين قال "يضمن دستور عام 1973 الفصل بين السلطات (التنفيذية والتشريعية والقضائية)، لكن أيا من الحكومات المتعاقبة بما فيها حكومة حزبنا، لم تعمل بالدستور.. ولن تستقر الديمقراطية وبلادنا ما لم يتم تفعيل القانون بحزم، واحترام مؤسسة البرلمان".

القوى المتنافسة

تشكل أحزاب الشعب الباكستاني والرابطة الإسلامية ومجلس العمل المتحد، الأعمدة الرئيسية التي تقوم عليها الحياة السياسية في باكستان، وهي اليوم تصطف في خانة المعارضة. وفي المقابل يقف حزب الرابطة الإسلامية/ جناح قائد أعظم -الذي انشق عن حزب نواز شريف بقيادة ميان محمد أظهر الموالي للجيش- وعدد من الأحزاب ذات الوزن الخفيف في ميزان القوى السياسية، محسوبة بصورة أو أخرى على حكومة مشرف.

ولا يزال حزب الشعب يحتفظ بنفوذ تقليدي في إقليم السند مسقط رأس عائلة بوتو، وفي جنوب إقليم البنجاب، كما يحتفظ حزب الرابطة الإسلامية بشعبية تاريخية في وسط وشمال البنجاب أكبر الأقاليم الباكستانية، في حين يتركز نفوذ الأحزاب الإسلامية خاصة الجماعة الإسلامية وجمعية علماء باكستان وجمعية علماء إسلام في إقليمي سرحد. ومن هنا فإن تغييب شريف وبوتو عن حلبة الصراع الانتخابي لن يؤمن لمشرف برلمانا مواليا له، فيبقى اعتماده على الصلاحيات الدستورية شبه المطلقة التي منحها لنفسه.

وتثور مخاوف من افتقاد الانتخابات للشفافية التي وعد بها مشرف، فقد أعربت المفوضية الباكستانية لحقوق الإنسان المستقلة عن شكوكها في نية حكومة مشرف العودة إلى الحياة الديمقراطية بشفافية، بعد أن تثبتت من شكاوى المعارضة من أن الجيش وجهاز الاستخبارات يمارسان ضغوطا على الشرطة والمسؤولين المدنيين للتدخل في الانتخابات لصالح أنصارهما من المرشحين، والتضييق على مرشحي المعارضة.

إصلاحات مشرف

مشرف يدلي بصوته (أرشيف)
الرئيس ورئيس الحكومة ورئيس هيئة الأركان للقوات المسلحة الباكستانية الجنرال برويز مشرف أعلن عزمه نقل السلطة لحكومة منتخبة، وإعادة الديمقراطية إلى الحياة السياسية في باكستان، إلا أن الإصلاح السياسي والدستوري الذي اقترحه خلط أوراق القوة التي كانت موزعة بين مؤسسات الحكم، فقد أحدث توازنا بين قوة المؤسسة الديمقراطية المنتخبة (البرلمان) والقيادات والمؤسسات السياسية المعينة.

وجمع مشرف بين يديه خيوط الحكم والتفرد به من خلال تعديلاته الدستورية بعد أن ثبت نفسه رئيسا نتيجة استفتاء أبريل/ نيسان الماضي الذي أجري تحت إشراف جهاز الاستخبارات. ومن التعديلات التي منحها له الدستور المعدل: حقه في حل البرلمان الفدرالي، وتعيين قادة قطاعات الجيش، وحقه في تمديد ولايته الرئاسية عند انتهائها، كما أن من حق حكام الأقاليم المعينين حل البرلمانات المحلية. وسيتعاظم دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية بسيطرتها على مجلس الأمن القومي الذي يرأسه مشرف نفسه. ومهمة هذا المجلس الإشراف على أداء الحكومة المنتخبة والبرلمانات (الفدرالي والمحلية).

الحكم العسكري الأعجز


تشك المفوضية الباكستانية لحقوق الإنسان المستقلة في نية مشرف العودة إلى الديمقراطية بشفافية، بعد أن تثبتت من شكاوى المعارضة من أن الجيش وجهاز الاستخبارات يمارسان ضغوطا على الشرطة والمسؤولين المدنيين للتدخل في الانتخابات ”

كانت المؤسسة العسكرية في معظم مراحل الحكم في باكستان هي الحاكم المباشر أو من وراء ستار، تحت مبرر الحفاظ على مصلحة البلاد العليا.

ففي عام 1958 برر الجنرال محمد أيوب خان سيطرة الجيش على الحكم بحاجة البلاد إلى قوة تحافظ على تماسكه. وفي عام 1969 قال قائد إدارة الحكم العرفي الجنرال آغا محمد يحيى خان إن الدور السياسي للجيش ضرورة لحماية البلاد من الدمار. والحجة ذاتها رددها الجنرال ضياء الحق عندما استولى على السلطة عام 1977، وهو ما كرره الجنرال برويز مشرف عام 1999. إلا أن حكم الجنرال مشرف العسكري كان أكثر فرادة من أسلافه الذين كانوا يحققون استقرارا أمنيا واجتماعيا واقتصاديا، وإن كان على حساب اللعبة الديمقراطية.

فبعد ثلاث سنوات من الحكم العسكري تبدو باكستان اليوم أقل استقرارا وأكثر فوضى من أيام الحكم المدني الذي أطيح به عام 1999، إذ تراجعت الاستثمارات المحلية والأجنبية بشكل ملحوظ بسبب فقدان الاستقرار السياسي. ولا يبدو أن الفساد الذي وصم الحكومات التي أطيح بها سابقا، قد تراجع في أروقة الحكومة والحياة العامة في باكستان، فقد منح تقرير المنظمة الدولية للشفافية لعام 2002 عن الفساد في العالم، والذي يوزع الدول حسب سلم تتراوح درجاته بين "صفر" للأكثر فسادا و"عشرة" للأعلى شفافية.. منح التقرير باكستان درجة 2.6، وهو مؤشر على مدى تغلغل الفساد في الحياة الباكستانية.

ولم يتراجع الصراع الإثني البيني والإثني الحكومي رغم سيطرة الجيش على البلاد. كما يعتقد عدد من المحللين السياسيين الباكستانيين أن الولايات المتحدة التي يسعى مشرف لاسترضائها وتطالب إسلام آباد بتطبيق الديمقراطية، لا تكترث بتحقيق هذا المطلب بقدر اهتمامها بالتعاون الباكستاني العسكري والأمني في ملاحقة ما تسميه الإرهاب.

ويرى فريق من المراقبين الأوروبيين والأميركيين أن مجيء حكومة مدنية ضعيفة وفاسدة لن يساعد في محاربة "الإرهاب" ومحاصرة الجماعات الإسلامية القوية والمنتشرة في كل مدن وقرى باكستان.

غير أن فريقا آخر يعتقد أن الإجراءات الصارمة التي اتخذها مشرف تجاه الجماعات الإسلامية لم تكن أكثر من شكلية، كما أنها مجرد مساحيق تجميل لصورته أمام الغرب لأنه أعجز عن السيطرة على هذه الجماعات. ويرى هذا الفريق أن الإجراء المجدي في مكافحة التطرف هو في ممارسة ديمقراطية حقيقية تؤسس لاستقرار سياسي واقتصادي واجتماعي بهدف القضاء على مبررات التطرف الفكري والسياسي.

ويتطلع مشرف إلى ردة الفعل الخارجية على سياساته "الإصلاحية" خصوصا من جهة واشنطن والاتحاد الأوروبي، أكثر مما يلتفت إلى غضب الشارع الباكستاني بمختلف قواه الفاعلة.

ما بعد الانتخابات

كثيرا ما يعلن برويز مشرف التزامه بالوعد الذي قطعه على نفسه بإعادة الديمقراطية إلى الحياة العامة في باكستان، إلا أن هذه الديمقراطية التي يسعى لتحقيقها تتناسب مع مقاسات ورغبات الجنرال أكثر مما تتفق والحياة السياسية الباكستانية، وهي أقرب إلى ما يمكن تسميته بالديمقراطية العسكرية. كما أن الحكومة القادمة -أيا كان لونها السياسي وبرنامجها- ستجد نفسها مقيدة بالدستور الجديد الذي عدله مشرف ليحفظ له نفوذه وسلطته المطلقة، وإن كان تحت غطاء ديمقراطي وهمي.


يعلن برويز مشرف التزامه بالوعد الذي قطعه على نفسه بإعادة الديمقراطية إلى الحياة العامة في باكستان، إلا أن هذه الديمقراطية التي يسعى لتحقيقها تتناسب مع مقاسات ورغبات الجنرال أكثر مما تتفق والحياة السياسية الباكستانية
وسيكون عمل رئيس الوزراء حسب الدستور الجديد وتوزيع الصلاحيات، مقتصرا على إدارة مؤسسات الدولة، فهو مجرد حلقة وصل بين الرئيس مطلق الصلاحيات والبرلمان لتأمين مصادقة الأخير على قرارات الأول.

ويعتقد عدد من المراقبين أن رئيس الوزراء القادم يجب أن يتفق مع تطلعات الرئيس مشرف ولا يحظى بقوة سياسية تسمح له بالمشاكسة والتمرد عليه، ولهذا يرشح لهذا المنصب شخصيتان هما: زعيم جناح قائد أعظم في حزب الرابطة الإسلامية ميان محمد أظهر (61 عاما)، ورئيس حركة "الإنصاف" ولاعب الكريكت الشهير عمران خان المنحدر من إقليم سرحد الذي تتمتع فيه الجماعات الإسلامية بنفوذ قوي وتأخذ على مشرف تعاونه مع الولايات المتحدة، فقد يحاول مشرف مقايضة منصب رئيس الوزراء بتخفيف الجماعات الإسلامية البشتونية من سخطهم وانتقادهم له.

ويبقى الأمر رهنا بقدرة أظهر وعمران خان على حشد كتل برلمانية إلى جانبه لتشكيل تحالف يحقق الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة. وأيا كان شخص رئيس الوزراء أو تركيبة حكومته أو حتى الخارطة البرلمانية التي لم تعلن نتائجها حتى ساعة كتابة هذا المقال، فإن مصير الحياة السياسية برمتها تبقى تحت رحمة شخص الرئيس "الديمقراطي العسكري"، وهو أخطر ما في الأمر.
______________
*صحفي أردني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة