العرب وسياسات الصندوق والبنك الدوليين القسرية   
الثلاثاء 1428/10/5 هـ - الموافق 16/10/2007 م (آخر تحديث) الساعة 16:13 (مكة المكرمة)، 13:13 (غرينتش)


عبد الحافظ الصاوي

- واقع اقتصادي واجتماعي مرير
- قبول الوصفة
- سلبيات تطبيق الوصفة
- حاجتنا إلى محاضر

ثمة سمات مشتركة تعيشها الشعوب العربية على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، ويأتي في مقدمتها ارتفاع الأسعار الذي أصبح يلاحق المواطن العربي من المحيط إلى الخليج، لم تشفع لبلد معه ثروته النفطية، ولا غنى موارده الطبيعية، ولا تميزه بموقع جغرافي يعطيه موارد سياحية أو تجارية، فالجميع يشتكي الغلاء.

ولم يعد هناك وجود للمشادات بين التجار والمستهلكين بسبب ارتفاع الأسعار، نظراً لترقب المستهلكين لهذه الزيادة بمناسبة وبدون مناسبة، فضلاً عن غياب دور الحكومات في مراقبة الأسواق وضبط الأسعار.

"
تطبيق سياسات البنك الدولي لم تراع خصوصيات كل دولة ولا تهيئة ظروفها الاقتصادية والاجتماعية ولكنها كانت حزمة واحدة، مما أنتج العديد من الآثار السلبية خاصة على الصعيد الاجتماعي
"
واقع اقتصادي واجتماعي مرير
لعل ما يتداوله المصريون في إطار التعبير عن تنامي ظاهرة الغلاء من أن "كل شيء غلا إلا الإنسان" يعبر عن مدى تفاقم الأزمة بوضوح، كما يعبر عنها خروج مظاهرات الخبز في اليمن خلال الشهور الماضية، وانتظار زيادة أسعار المحروقات في المغرب الذي أصبح أمرا عاديا يؤدي إلى زيادة في أسعار العديد من السلع.

وقد شهد الخليج معدلات تضخم غير مسبوقة في تاريخه، تقدر في معدلها العام بنحو 9.5%. وعلى الرغم من أن اقتصاديات دول الخليج لم تدخل في اتفاقيات مع الصندوق والبنك الدوليين فإن نصائحهما كثيرا ما توجه للاقتصاديات الخليجية عبر التقارير الإقليمية التي كان آخرها من صندوق النقد الدولي عن "آفاق الاقتصاد الإقليمي للشرق الأوسط ودول آسيا".

وقد أوصى بعدم فك ارتباط العملات الخليجية والدولار، وعدم رفع أسعار العملات الخليجية مقابل الدولار، وأن يكون التصرف في الوفرة النفطية بالتوسع في مشاريع البنية الأساسية، وزيادة الإنفاق على الخدمات العامة.

وهذه النصيحة هي التي عملت بها معظم بلدان الخليج وورثت عنها زيادة معدلات التضخم وانخفاض قيم عملتها المحلية، وكذلك استثماراتها الخارجية، وأرصدتها من النقد الأجنبي.

ومن التداعيات اللافتة للنظر في هذا الإطار تداول المصطلحات الاقتصادية المتخصصة على لسان رجل الشارع، مثل التضخم وانخفاض القوة الشرائية.

كما تمسك حزمة من المشاكل بزمام المجتمع العربي من بطالة وفقر، وتزايد معدلات عنوسة ورغبة في الهجرة لدى الشباب بحثا عن سبل حياة أفضل.

وقد تناولت العديد من الدراسات والأبحاث الآثار الاجتماعية السلبية من تردي الأوضاع الاقتصادية، على الرغم من زعم الحكومات بوجود تحسن في بعض مؤشراتها الاقتصادية.

وقد لفتت هذه الظاهرة العديد من الكتاب ومنهم الكاتب المصري مكرم محمد أحمد الذي تناول ما يقال من تحسن في مؤشرات مصر الاقتصادية ثم قال في ختام مقاله المنشور بجريدة الأهرام في عدد السبت 22/9/2007 بأن هذه المؤشرات لا ينبغي أن تنسي المصريين أن لديهم مشكلات صعبة تتعرض لها قطاعات إنتاجية رئيسية أبرزها الزراعة والصناعة، خاصة المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والتحيز في الائتمان لصالح الكبار.

كما دعا إلى فرض بعض الكوابح على فكر الخصخصة الراهن بما يحد من سيطرة الأجانب على مقدرات الاقتصاد المصري كما حدث في صناعة الأسمنت، وطالب الحكومة بالقيام بعمليات تصحيح للأسواق ومنع الاحتكار وتنظيم المنافسة.

ويمكن القول إن حالة التردي التي تعيشها الاقتصاديات العربية تساهم في جزء كبير منها السياسات الاقتصادية المتبعة على مدار العقدين الماضيين في إطار وصايا الصندوق والبنك الدوليين.

ومن الجدير بالذكر أن تطبيق هذه السياسات لم تراع خصوصيات كل دولة وتهيئة ظروفها الاقتصادية والاجتماعية ولكنها أخذت كحزمة واحدة، مما أوجد العديد من الآثار السلبية خاصة على الصعيد الاجتماعي، مما دعا إلى إنشاء مؤسسات خاصة لعلاج تداعياتها، إلا أن النتائج المحققة مخيبة للآمال.

قبول الوصفة
منذ أكثر من عقدين من الزمن بدأت معظم البلدان العربية في تطبيق ما سمى ببرامج الإصلاح الاقتصادي، وهى اللافتة التي حملت في مضمونها وشكلها العام وصايا الصندوق والبنك الدوليين.

وكانت المغرب أول البلدان العربية دخولاً في التوقيع على تطبيق برامج الإصلاح الاقتصادي مع الصندوق والبنك الدوليين، وكانت الجزائر الأخيرة عام 1994، غير أن هناك بلدانا عربية عملت على تنفيذ هذه البرامج دون توقيع اتفاق مع الصندوق والبنك الدوليين مثل سوريا واليمن والسودان.

وقد انضمت كل من العراق ولبنان في برامج جديدة لإعادة الإعمار. وتتبلور أهم ملامح وصفة الصندوق والبنك الدوليين في الآتي:
• إصلاح القطاع العام
• إنشاء أسواق للأوراق المالية
• تحرير أسعار الصرف
• تحرير التجارة الداخلية والخارجية
• تخلي الدولة عن دورها الاجتماعي

"
في الوقت الذي اشترطت فيه وصفة الصندوق والبنك الدوليين أن تترك الدول مجال الإنتاج لصالح القطاع الخاص وخفض حجم الموازنات العامة، تخلى القطاع الخاص في معظم البلدان العربية عن الأنشطة الإنتاجية التي تحقق قيما مضافة عالية واتجه إلى قطاع الخدمات
"
سلبيات تطبيق الوصفة
يمكن تناول هذه السلبيات من خلال شقين، الشق الأول وهو المردود التنموي، والشق الثاني هو المردود الاجتماعي.

أولا: المردود التنموي
1- في الوقت الذي اشترطت فيه وصفة الصندوق والبنك الدوليين أن تترك الدول مجال الإنتاج لصالح القطاع الخاص وخفض حجم الموازنات العامة بقيمة الاستثمارات العامة، وجد أن القطاع الخاص في معظم البلدان العربية قد تخلى إلى حد كبير عن الأنشطة الإنتاجية التي تحقق قيما مضافة عالية، واتجه إلى قطاعات الخدمات، والمضاربة التي شملت أنشطة العقارات والبورصات والعملات الأجنبية.

2- ما زالت البنى الاقتصادية للبلدان العربية تعتمد على نموذج السلعة التصديرية الواحدة، أو على مصدر واحد للإيرادات الأجنبية، وهو ما يجعلها عرضة للتقلبات الخارجية بشكل كبير.

بلدان الخليج نموذج في الاعتماد على البترول، ومصر نموذج في الاعتماد على السياحة، وبعض البلدان الأخرى نموذج الاعتماد على تصدير المواد الأولية.

وقد لمسنا ما تعرضت له بلدان الخليج أثناء انخفاض أسعار البترول في الثمانينيات والتسعينيات، والدعوة لتخلي هذه البلدان عما يسمى بـ "دولة الرفاه" والدخول في فرض ضرائب على بعض الأنشطة وتحصيل مقابل لبعض الخدمات التي كان يحصل عليها المواطنون مجانا.

3- اتجهت الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي أتت إلى البلدان العربية؛ إلى الاحتكارات في الأسواق المحلية، كما لم تتجه إلى إنشاء كيانات اقتصادية جديدة.

نجد على سبيل المثال أكبر صفقة للخصخصة في المغرب كانت من نصيب شركة فرنسية اشترت الهيئة العامة للاتصالات بنحو 2.2 مليار دولار، وفي مصر مثال آخر لبيع بنك الإسكندرية لصالح إيطاليين بنحو عشرة مليارات جنيه مصري. وفي أحسن الأحوال اتجهت هذه الاستثمارات إلى الصناعات الملوثة للبيئة.

4- القضايا التي من أجلها دخلت البلدان العربية في تطبيق برامج الإصلاح الاقتصادي ما زالت قائمة، فالمديونية الخارجية تشهد معدلات مرتفعة، وإن تحسنت في بعض الأحوال فعلى حساب المديونية المحلية، والعجز في الموازنة العامة يشهد أيضاً معدلات مرتفعة كالبطالة والعجز في الميزان التجاري.

5- الاندماج مع الاقتصاد العالمي عبر تحرير التجارة الخارجية كان في صالح الاقتصاديات غير العربية، كما أن الاتفاقيات الإقليمية كانت في غير صالح المشروع العربي، بل في صالح غيره من المشروعات مثل الشراكة الأورومتوسطية أو الأميركية.

ثانيا: المردود الاجتماعي
يؤمن الصندوق والبنك الدوليان بأن دور الحكومات يقتصر على توفير الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية، كما يفضلان دورا محدودا للدولة في التخطيط الاقتصادي وفي توفير شبكات الأمان الاجتماعي أو الخدمات العامة كالتعليم والصحة.

وترصد الدكتورة كريمة كريم في كتابها "دراسات في الفقر والعولمة.. مصر والدول العربية" أثر السياسات الاقتصادية الكلية المطبقة في البلدان العربية وفق اتفاقياتها مع الصندوق والبنك الدوليين، وتبين أن الآثار الاجتماعية السلبية لهذه السياسات تظهر بوضوح في جوانب ثلاثة:

1- الفقر، إذ تغلب على معظم البلدان العربية التي طبقت برامج الصندوق والبنك الدوليين زيادة معدلات الفقر مع تطبيق هذه السياسات، نظراً لإلغاء برامج الدعم التي كانت تقدمها الدولة قبل تطبيق هذه البرامج، سواء كان دعماً مباشراً أو مستترا.

ويصاحب ذلك انخفاض الإنفاق على الخدمات العامة، ومحاولات ما يسمي بسياسات "استرداد سعر التكلفة". وتوقف الدولة عن تنفيذ برامج التشغيل، والدخول في سياسة الاستغناء عن بعض العاملين لديها.

2- التسعير، في إطار برامج الصندوق والبنك الدوليين، فإن عملية التسعير تأتي مصحوبة بمحاولات الارتفاع إلى الأسعار العالمية، في حين أن دخول معظم الأفراد خاصة الموظفين تكون ثابتة أو تشهد معدلات طفيفة، لا تتناسب مع الزيادة في أسعار السلع والخدمات.

"
معدلات البطالة في العالم العربي تصل إلى نحو 18% من قوة العمل، ويصل الأمر إلى مرحلة الخطر بين الشباب العاطل إذ تصل إلى نحو 40%، وهو معدل من أعلى المعدلات في العالم
"
وخير مثال على ذلك ما تم في أسعار الطاقة سواء في مصر أو المغرب حيث شهدت معدلات التضخم ارتفاعاً ملحوظاً صاحبه ارتفاع عام في الأسعار، وهو الأمر نفسه الذي شهدته عمليات تحرير سعر الصرف التي لا يستفيد منها سوى طبقة محدودة من أصحاب الودائع الأجنبية، بينما تأثر بها عامة محدودي الدخل والطبقات الوسطي في شكل ارتفاع السلع والخدمات التي يحصلون عليها.

3- العمالة، الملاحظ أن القطاع العام على ما كان به من عيوب اقتصادية قاتلة كان يستوعب عددا لا بأس به من العاملين، كما كان يقدم العديد من السلع والخدمات التي تلبي الاحتياجات الأساسية للمواطنين.

ولم تكن التجارب العربية تعرف طريقا لإصلاح القطاع العام سوى طريق واحد هو التخلص منه بالبيع، مما أوجد حالة من الاحتكار من قبل القطاع الخاص سواء كان محلياً أو أجنبياً، فضلاً عن تراجع دور قطاع التصنيع في الناتج المحلي الإجمالي لحساب زيادة مساهمة قطاعي التجارة والخدمات، وهى المجالات التي يفضلها القطاع الخاص في البلدان العربية.

وهذا ساعد على تزايد الاستيراد، وتراجع قيمة العملات المحلية، وبدوره فقد أدى ذلك للمساعدة في استمرار ظاهرة ارتفاع الأسعار، كما كان لسياسات الاستغناء عن العمالة بنظام "المعاش المبكر" في إطار عملية الخصخصة أثر اجتماعي سلبي واضح.

ولم يستطع القطاع الخاص أن يوفر فرص العمل اللازمة للداخلين الجدد إلى سوق العمل أو لمن خرجوا في إطار "المعاش المبكر".

وتشير البيانات إلى أن معدلات البطالة في العالم العربي تصل إلى نحو 18% من قوة العمل، ويصل الأمر إلى مرحلة الخطر بين الشباب العاطل إذ تصل إلى نحو 40%، ويعد هذا المعدل من أعلى المعدلات بين أقاليم العالم.

حاجتنا إلى محاضر
منذ الشروع في تطبيق سياسات الصندوق والبنك الدوليين نجد أن المدافعين عنها سواء من الحكومات أو غيرها، يتذرعون بأننا أمام خيارين: إما أن نقبل هذه السياسات أو ننعزل عن العالم، وكانت حجتهم تخيف البعض في ظل توغل مشروع العولمة بزعامة الولايات المتحدة الأميركية.

غير أن أزمة دول جنوب شرق آسيا عام 1997، أظهرت تعاملا جديدا تجاه هذه السياسات، يمكّن من رفضها كلية أو تعديلها حسب مقتضيات الظرف الوطني، وهو ما فعله رئيس الوزراء الماليزي السابق محاضر محمد برفض أجندة الصندوق والبنك الدوليين بالكامل، وتنفيذ أجندته الخاصة التي عمل من خلالها على معالجة الخلل الداخلي في الجهاز المصرفي، وتجاه سعر الصرف، وعوائد البلاد من النقد الأجنبي الذي أدى لوقوع الأزمة في بلاده.

وعندما هُدد بأنه سيكون خارج نطاق العولمة كان رده بـ "أنه يخرج ليعود للعولمة" فلا مانع من أن تكون عمليات الإصلاح حقيقية، وفي صالح الفئة العريضة من أبناء الوطن وليست لصالح بعض الفئات المحدودة وتكريس الفقر والبطالة والتخلف.
__________________
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة