اختراق المحضن الغربي للصهيونية   
الأحد 1430/5/1 هـ - الموافق 26/4/2009 م (آخر تحديث) الساعة 8:49 (مكة المكرمة)، 5:49 (غرينتش)
نبيل شبيب


جذور اندماجية للصهيونية في الغرب
ثقافة المقاومة.. وثقافة الحوار
البعد الحضاري المغيّب

كان مما يلفت النظر أثناء كلمة الرئيس الإيراني نجاد في مؤتمر جنيف لمكافحة العنصرية، أنه انتقد الغرب وحكوماته، والوضع الدولي ونظامه، ولم يكن فيما استخدم من عبارات ما هو أقل حدة من العبارات التي حمل فيها بصورة "غير مباشرة" على العنصرية الصهيونية الإسرائيلية، ولكن آنذاك فقط خرجت الوفود الغربية من القاعة بصورة جماعية احتجاجية استعراضية، وكأن تحصين الصهيونية من كل انتقاد أهم من كل ما سواه.

بل هذا بالفعل ما يقتنع به من يتابع المواقف السياسية والإعلامية الغربية، ليس تجاه إيران فقط، بل في كل ميدان يتعلق فيه موقف غربي رسمي أو إعلامي بالصهيونية دون استثناء يستحق الذكر.

هل يكمن السبب الحقيقي لهذه الظاهرة في الخلفية التاريخية النازية فعلا؟.. أم أن هذا لا يمثل إلا عاملا واحدا من بين عوامل عديدة، سيان كيف يُنظر إلى تلك الحقبة التاريخية؟

جذور اندماجية للصهيونية في الغرب
"
الدفاع الغربي المستميت عن الصهيونية والسعي الدائب لردّ اتهامها بالعنصرية، يتحول إلى دفاع عن النفس، وعن تاريخ "عريق" كان من عناوينه الكبرى الرقّ والاستعباد الاستبدادي وإبادة الهنود الحمر والغزو الاستعماري الاستغلالي
"
الموضوع الرئيس في مؤتمر جنيف ومن قبلُ في مؤتمر دوربان 2001م هو مكافحة العنصرية بمختلف أشكالها وفق ما حددته الاتفاقية الدولية حول مكافحتها من العام 1965، ونعود إلى تعريف التمييز العنصري في تلك الاتفاقية، حيث يقول بطريقة الصياغة التقنينية: إنه "كل تمييز (بمعنى تفريق) أو استثناء، أو تحديد، أو تفضيل، يستند إلى العرق، أو لون البشرة، أو الولادة (النسب)، أو الموطن الأصلي، أو الانتماء الشعبي (القبلي)، بما يستهدف أو بما يؤدي، إلى حظرٍ أو عرقلةٍ، للاعتراف أو التمتع أو الممارسة، على قدم المساواة، لحق إنساني أو حرية أساسية، في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها من ميادين الحياة العامة".

ويكشف التأمّل في هذا التعريف أنه جعل من العنصرية كلمة محورية جامعة، ومن ممارساتها صورا تنطبق على النسبة العظمى من الممارسات الغربية والإسرائيلية على السواء، ليس تجاه شعب فلسطين فقط، بل تجاه كثير من شعوب العالم، لا سيما شعوب المنطقة العربية والإسلامية، ويكفي لبيان ذلك التنويه بحق تقرير المصير، أو حتى الحياة الكريمة، أو التنويه بما تعنيه حرب احتلال أو اغتصاب أرض أو تشريد شعب، فجميع تلك المظالم الصارخة تكشف عن خلفية عنصرية تاريخية عميقة الجذور، يمكن أن يصدق عليها الآن:

- ما قاله أرسطو قبل 5000 سنة إن "العبيد ولدوا من الأصل ليكونوا رقيقا".

- أو ما قاله فولتيير قبل 254 عاما وهو من أعمدة فلسفة التنوير، إن "جنس السود (النيجر) نوع بشري مختلف كلية عن نوعنا البشري، كاختلاف كلاب سبانيلس (أو إيباجنول: نوع من كلاب الصيد المميزة) عن كلاب الريح (نوع آخر بقوائم طويلة يُستخدم في المطادرة لنشر الفزع بين ما يراد صيده من حيوانات).. ويمكن القول إن مستوى ذكاء ذلك الجنس ليس مختلفا عن مستوى ذكائنا فقط، بل هو دونه إلى حد بعيد".

- أو ما كان يتردد أثناء الغزو الاستعماري لأفريقيا من أن الأفارقة "إن لم يكونوا أنصاف حيوانات، فهم على الأقل كائنات دون ثقافة"، حتى أصبح "الرشاش أداة حضارية"، كما عبر عن ذلك قبل قرن ونيف فقط الباحث البريطاني في الشؤون الأفريقية هنري مورتون ستانلي.

وليس هذا إلا أمثلة يوجد كثير سواها من ثلاث حقب تاريخية غربية كبرى.

إن الدفاع الغربي المستميت عن الصهيونية والسعي الدائب لردّ اتهامها بالعنصرية يتحول بهذا المنظور إلى دفاع عن النفس، وعن تاريخ "عريق" كان من عناوينه الكبرى الرق في الامبراطوريات الغربية الأولى، والاستعباد الاستبدادي في العصر الأوروبي الوسيط، وإبادة الهنود الحمر والغزو الاستعماري الاستغلالي مع مطلع ما يعدونه العصر الحديث، وعن غوانتانامو وأبو غريب وأخواتهما في مجرى انحدار الوجه "الحضاري" لآخر الإمبراطوريات الغربية الحديثة.

ثقافة المقاومة.. وثقافة الحوار
لا يصح النظر إلى أهل الغرب جميعا بهذا المنظار وحده، فليس فيه تجانس مطلق، مثلما هو الحال مع مختلف الفئات البشرية في أنحاء العالم، ولكن الغرب يملك أسباب السيطرة عالميا الآن، ولم يبدل نهجه، المستمر بمفعول من يسيطر على صناعة القرار فيه، وهذا رغم وجود أصوات أخرى فيه، على مستوى المؤرخين والمفكرين والأدباء وحتى في الإعلام بنسبة أدنى، وهي تمارس النقد الذاتي، وترفض الفكر المنحرف والممارسات الأشد انحرافا على صعيد التعامل مع "الآخر" من البشر.

لهذا ينبغي في التعامل مع الصهيونية على المستوى العالمي عدم المضي في منزلق ما شاع من مقولات تعميمية وسطحية، على امتداد عدة عقود، كمقولة وجود دعم غربي للصهونية يقوم على مصالح مادية فينبغي تعزيز مصالح مادية أكبر لإسقاطها، أو مقولة وجود سيطرة قلة متنفذة من الصهاينة على كثرة من سواهم فيجب كسر تلك السيطرة وتحرير تلك الكثرة.

إن التعامل مع الصهيونية عالميا يجب أن يضع في الحسبان أمرين في وقت واحد:

1- أنها ولدت في الغرب ورضعت من أسوأ محاضنه الفكرية، ونشأت بدعمه، وبقيت بانحيازه، فهي قطعة من منظومة صناعة القرار فيه، مندمجة في المسيطرين عليها، يضيرهم ما يضيرها، ويرتبط مصيرهم بمصيرها.

"
لا بد لنا من أن نجمع بين ثقافة المقاومة المفروضة فرضا، والمشروعة قطعا، وثقافة العلاقة مع الآخر، والتمييز فيها بين عدو لا تنفع معه سوى المقاومة، ومحايد لا ينبغي استعداؤه وجاهل لا ينبغي إعطاء مزيد من الفرص والذرائع لاستغلاله، وصديق يجب دعمه
"
2- وأن في الغرب على امتداد تنوعه العقدي والفكري والثقافي، وأقل من ذلك كثيرا على امتداد تنوعه المالي والاقتصادي والسياسي والأمني، من يرفض الانحرافات ويسعى للإصلاح.

فارق كبير بين أن يقف نجاد أو سواه، فيقول للغرب إجمالا ما معناه: أنتم من أوجدتم الكيان الصهيوني على أرضنا الإسلامية، وتحملون المسؤولية عن ممارساته، وبين أن يورد هو أو سواه استشهادات مما ينطق به ويسعى لتعميمه فريق من الغربيين أنفسهم، ممّن يرفضون ما تمارسه الصهيونية أو تمارسه الهيمنة الأميركية، من منطلق إنساني قويم، وقد يواجهون من أجل ذلك ألوان الحصار والتضييق والملاحقة داخل بلدانهم.

وعلى سبيل المثال -والأمثلة كثيرة- تزامن مع انعقاد مؤتمر جنيف قيام الكاتب الألماني يورجن تودنهوفر، صاحب كتاب "لماذا تقتل يا زيد؟" وسواه من الكتب عن المقاومة المشروعة في العراق وأفغانستان، بجولة في الولايات المتحدة الأميركية، بمناسبة صدور الطبعة المترجمة إلى الإنجليزية من كتابه، وفيه وفيما ألقاه من كلمات في جولته أضعاف ما يقول به كثير من العرب والمسلمين المدافعين عن أوطانهم وحقوقهم، ولكن بلغة أهل الغرب ومنطقهم، وبأسلوب قد يؤثر في مواقفهم، لا سيما أنه يصدر من منطلق "إنقاذ الغرب" من عنصريته وعدوانيته وانحرافاته.

لا بد في البلدان العربية والإسلامية من جهود متميزة ودؤوب من أجل الجمع في وقت واحد بين:

1- ثقافة المقاومة المفروضة فرضا، والمشروعة قطعا، والواجب نشرها، وممارسة ما تقتضيه، تجاه كل شكل من أشكال العدوان الأجنبي، مع مكافحة كل استبداد محلي أو دولي، والسعي إلى إسقاطه لتحقيق العدالة على المستوى البشري وفي بلاد العرب والمسلمين.

2- وثقافة العلاقة مع الآخر، والتمييز بين عدو لا تنفع معه سوى المقاومة، وهذا ما يسري على النسبة العظمى من صانعي القرار، ومحايد لا ينبغي استعداؤه وجاهل لا ينبغي إعطاء مزيد من الفرص والذرائع لاستغلاله، وهذا ما يسري على الغالبية من العامة، وصديق يجب دعمه وكسب المزيد من تأييده، وهذا ما يسري على قلة، إنما لا يستهان بمفعولها، وبقيمة ما تمثله من بذور للتغيير.

البعد الحضاري المغيّب
ليست مكافحة العنصرية -كسواها من قضايا حقوق الإنسان- سوى بند من بنود منظومة القيم التي تحتاج إليها الإنسانية في هذا العصر وفي كل عصر، في بلاد العرب والمسلمين وفي كل مكان من أنحاء العالم. ولهذا ينبغي أن يتحقق في البلدان العربية والإسلامية، على مختلف المستويات وفي مختلف الميادين، الربط الوثيق بين:

1- العمل على صعيد القضايا الساخنة، لصد احتلال، وإنهاء اغتصاب، واستعادة أرض، وتحرير شعب، وإقامة حكم عادل رشيد، وإيجاد أسباب التقدم والنهوض.

2- والعمل على طرح منظومة متكاملة من القيم والمبادئ، ينطلق منها العرب والمسلمون، وتصلح للأسرة البشرية جمعاء، وتبين المخرج من انحرافات الهيمنة الشاذة على مصائر شعوبها، وعلى مواقع صناعة القرار الدولي فيها، وتزيل الحواجز المنصوبة بين عموم المتطلعين إلى علاقات بشرية قويمة وحياة إنسانية كريمة.

إن كل مؤتمر من قبيل مؤتمر جنيف هو "منبر" دولي من المنابر التي تصلح لطرح حصيلة مثل هذا الربط الوثيق، مما لا يقف عند حدود مكافحة العنصرية بطبيعة الحال، إنما لا يمكن الوصول إلى "حصيلة" تصلح للعرض والتأثير، دون أن تسبقها جهود، لم نكن نرصد بذلها ما بين دوربان- 1 عام 2001م وجنيف التي اعتبرت دوربان- 2 عام 2009م. وما يسري هنا يسري على كثير من المنابر الأخرى والقضايا الشبيهة بقضية مكافحة العنصرية.

لهذا يمضي مؤتمر جنيف كما مضى من قبله مؤتمر دوربان دون أن يترك أكثر من أثر وقتي، يضمحل مفعوله بمرور الزمن، ويتيه وسط حملات سياسية وإعلامية، تغيّب أصل موضوعه الكبير البالغ الأهمية في واقع أعداد ضخمة من الأسرة البشرية تعاني من التمييز العنصري بمختلف أشكاله، وراء تركيز تضليلي مقصود على مشهد جانبي مثل ذلك المشهد الاستعراضي لانسحاب وفود غربية من قاعة الاجتماع أثناء كلمة يلقيها أحد الرؤساء ويقول فيها ما لا يعجب صانعي القرار في الغرب!

"
يمضي مؤتمر جنيف كما مضى من قبله مؤتمر دوربان دون أن يترك أكثر من أثر وقتي، يضمحل مفعوله بمرور الزمن، ويتيه وسط حملات سياسية وإعلامية، تغيّب أصل موضوعه الكبير البالغ الأهمية في واقع أعداد ضخمة من الأسرة البشرية تعاني من التمييز العنصري
"

إن الأثر التغييري الدائم المطلوب يتحقق عبر العمل التغييري الدائم المفروض، وفي واقع المنطقة العربية والإسلامية تخصيصا وواقع البشرية عموما ما لا يحصى من القضايا والميادين التي إذا توازن العمل من أجلها بين متطلبات المواجهة المفروضة ومتطلبات الحوار القويم معا، أمكن شق الطريق نحو الهدف، وأمكن بلوغه ولو بعد حين، ولا بديل عن ذلك عبر التركيز على جانب دون آخر، فكما أن الاكتفاء بالمواجهة وحدها لا يحقق الغرض منها، فإن الاستغراق في طريق التسليم مع رفع عنوان الحوار والتسامح والسلام وما شابه ذلك فوقه -كما يسري على كثير من الممارسات الرسمية في الوقت الحاضر- لا يؤدّي إلا إلى مزيد من الهيمنة العدوانية.

إن من أسباب ضياع كثير من الجهود المبذولة لمكافحة العنصرية والعدوان والاحتلال وسواها من الآفات في الواقع العالمي المعاصر ما يقع من فصل بين مواجهة ممارساتها التطبيقية الكريهة ورؤية الجانب الفكري والقيمي من ورائها، وليست المواجهة الحقيقية مع جميع ما يمثله الاندماج الصهيوني الغربي منفصلة عن بعدها الحضاري الشمولي العميق، بل هي جزء مما يمكن وصفه بالحرب الأزلية، بين عدل وظلم، وحق وباطل، وهيمنة عدوانية تنحرف بمسار الحضارة البشرية المشتركة في قالب من المنافع والأطماع، ومبادئ ومثل تسعى لإزالة الانحراف وتقويم ذلك المسار، وتحقيق الخير على المستوى الإنساني المشترك.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة