يوم خسرنا العراق   
الأحد 1428/3/14 هـ - الموافق 1/4/2007 م (آخر تحديث) الساعة 16:18 (مكة المكرمة)، 13:18 (غرينتش)


عبد الجليل المرهون

- استقطاب سياسي وآخر أيديولوجي
- البعث بين الحزب والدولة
- يوم انهار التوازن الإستراتيجي

إن طبيعة التشكيل الجيوسياسي المتنازع عليه للخليج، وعمق الموروث الصراعي فيه، والصراع الدولي على نفطه، تجعل من أمن الخليج قضية إشكالية بالغة التعقيد.

وفي إطار المعضلات البنيوية هذه يمكن النظر إلى علاقات العراق الخليجية، إذ ولدت الدولة العراقية الحديثة حاملة وهن تكوينها الجيوسياسي، وهو تحديدا محدودية ذراعها البحري التي لم تكن يوما متسقة مع حجم العراق الجغرافي والبشري، فضلا عن قدراته الحضارية والأمنية.

وبالطبع فإن أحدا لا يدعو لإعادة رسم الخارطة الجيوسياسية للمنطقة، وهذا أمر مفهوم، إلا أن ما كان يجب عمله منذ البدء هو دمج العراق في إطاره الخليجي، دمجا هيكليا يعوض له وهن ذراعه البحري.

وعلى الرغم من نسبية هذه المقولة، فإن الأخذ بها كان من شأنه أن يحد من شعور العراق الدائم بالغبن، ويوفر على المنطقة الكثير من الهزات.

وقد كانت تطلعات شاه إيران للهيمنة على منطقة الخليج أحد عوامل إعاقة دمج العراق في هذه المنطقة، بيد أننا نحن عرب الخليج نتحمل بدورنا قسطا وافرا من مسؤولية هذا الإخفاق التاريخي.

"
الدولة العراقية الحديثة ولدت حاملة وهن تكوينها الجيوسياسي وهو تحديدا محدودية ذراعها البحري التي لم تكن يوما متسقة مع حجم العراق الجغرافي والبشري فضلا عن قدراته الحضارية والأمنية
"
استقطاب سياسي وآخر أيديولوجي
ولكن ماذا عن الدولة العراقية ذاتها؟ لنلحظ الآن ما الذي حدث على وجه التحديد.

ففي فترة العهد الملكي في العراق طغى الاستقطاب الدولي ليشكل مناخاً طارداً لفرص التقارب الخليجي العراقي، ليس لأن العراق والخليج كانا ضمن خيارين دوليين متباينين، بل لأن الاستقطاب الدولي الذي ساد المنطقة في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي دفع ضمنا باتجاه تشكيل تطلع عراقي نحو النفوذ والزعامة الإقليمية التي هدفت إلى منافسة الجيران على الجبهات كافة.

وعندما جاء عبد الكريم قاسم إلى سدة السلطة في الرابع عشر من يوليو/تموز 1958 سارع إلى طرح نفسه زعيماً قومياً، وتطلع بتعجل إلى إبراز دور العراق القومي والإقليمي في مواجهة الجمهورية العربية المتحدة السورية المصرية حيث البعث والناصرية بثقلهما الجماهيري الذي كان ممتداً حينها بين المحيط والخليج.

وهنا سارع قاسم إلى ابتكار شعار جديد هو "البوابة الشرقية للوطن العربي" حيث العراق يمثلها، ليعزز بذلك من أوراقه في مقابل البعث والناصرية وفي الوقت نفسه في مقابل إيران التي عناها بهذا الشعار.

وهنا وجد قاسم نفسه في خضم استقطاب إقليمي لم يكن قد أعدّ له عدته الكافية.

وبموازاة ذلك ذهب قاسم باتجاه موسكو، وعزز من نفوذ الحزب الشيوعي العراقي ليصطدم بالقوى القومية في الداخل العراقي والخارج في لحظة مرهفة من عمر المد القومي العربي.

وما يعنينا هنا، هو أن اصطدام قاسم بطهران أو لنقل تأطير هذا الاصطدام بإطار أيديولوجي كان من شأنه إعادة بناء مناخ الاستقطاب في منطقة الخليج العربي.

وفي إعادة البناء هذه، تعمق الاستقطاب الخليجي العراقي وتزايد تموضعه الأيديولوجي، بل وعكس للمرة الأولى نفسه على الأوضاع المحلية في دول الخليج العربية نفسها حيث وجد "الزعيم" قاسم بين الخليجيين من يؤمن بمقولاته وينحو باتجاه تطلعاته.

وهنا لم تتأثر البيئة الداخلية الخليجية على صعيد العلاقة بين الأنظمة والشعوب وحسب، بل كذلك على الساحة الشعبية التي وجدت نفسها هي الأخرى في خضم استقطاب متشعب وحاد.

وقبل أن نتحدث عن تجربة البعث الثانية بصفة خاصة، ربما يمكننا القول على وجه مجمل إن عهد الأخوين عارف كان أقل حدة على صعيد الاستقطاب العراقي الخليجي.

البعث بين الحزب والدولة
وفيما يتعلق بعهد البعث، كانت فترته الأولى (بين فبراير/شباط ونوفمبر/تشرين الثاني 1963) فترةً غارقة في السجال الأيديولوجي، ليس على صعيد الحزب في العراق فقط بل على الصعيد الحزبي العام.

هذا السجال الأيديولوجي وصل ذروته في المؤتمر القومي السادس الذي انتصر فيه الجناح الدافع باتجاه إصباغ الطابع الطبقي على مقولات ومبادئ الحزب الذي مثلته في بغداد مجموعة علي السعدي التي أُطيح بها في نهاية المطاف، ولقد كان مساراً عاصفاً على البعث أو لنقل كان العراق بالنسبة له تجربة مرة.

وإذا كانت مقولات العهدين الملكي والقاسمي قد انتهت بتموضع أيديولوجي طارد لفرص التعايش الإقليمي، فإن البعث قد بدأ عهده الأول كالثاني (اعتبارا من يوليو/تموز 1968) بنفير أيديولوجي غير مسبوق في تاريخ المنطقة.

"
مشكلة العراق تمثلت في فقدان أطروحته لأي غطاء دولي كما أن معارضته لمشاريع طهران الأمنية في الخليج تزامنت مع توترات واضحة في علاقاته مع دول الخليج العربية التي أبدت ريبة من جموحه الأيديولوجي
"
وهنا تحركت إذاعة "صوت الجماهير" لتدعو صراحة للإطاحة بالأنظمة الخليجية من الكويت وحتى عُمان، وسار إعلام الحزب وأدبياته في الاتجاه ذاته، وسعى بعث العراق محاولا مد ذراعيه إلى الاتجاهات القومية الأخرى في الخليج تلك التي فقدت مظلتها بفعل "المتغير الناصري" أو لنقل بفعل تطورات ما بعد نكسة يونيو/ حزيران. وهي التطورات التي بدت انقلابية بالمعايير كافة.

وفي إحدى خطواته، دعم بعث العراق بوسائل متعددة الحركة المسلحة في ظفار التي كانت لتوها قد تموضعت حركيا وأيديولوجياً في إطار الجبهة الشعبية، وذلك قبل أن تدخل هذه الجبهة في خصام مديد مع بغداد.

وفي العام 1975 جاءت "اتفاقية الجزائر" بين العراق وإيران لتدفع باتجاه إعادة رسم جزئي لبيئة التفاعلات في النظام الإقليمي الخليجي، فهدأت الحرب الإعلامية والنفسية بين النظامين في بغداد وطهران، وأفسحت الطريق أمام العراق لتركيز جهوده نحو الداخل الخليجي تماما كما فتحت أمامه الدرب لتصفية الحركة الكردية المسلحة في الشمال.

وقد رفع العراق الشعار القومي العروبي في مواجهة الشعار الإقليمي الخليجي الذي نادت به طهران.

وفي حين رأت هذه الأخيرة أن أمن الخليج يجب أن يستند إلى مقاربة إقليمية خالصة، أصرت بغداد على أن هذا الأمن يجب أن يعالج باعتباره جزءًا من الأمن القومي العربي.

بيد أن مشكلة العراق قد تمثلت في فقدان أطروحته لأي غطاء دولي، كما أن معارضته لمشاريع طهران الأمنية في الخليج قد تزامنت مع توترات واضحة في علاقاته مع دول الخليج العربية التي أبدت ريبة من جموحه الأيديولوجي ولجوئه للتعبئة والعمل السري في ساحاتها المحلية.

كذلك كانت علاقات العراق متوترة مع معظم القوى الفاعلة في النظام الإقليمي العربي بل إن خصوماته طالت معظم العواصم العربية، الأمر الذي أفقده الدعم الرسمي العربي في معركته مع أطروحات طهران.

وكانت هذه أحد تجليات وهن البعث في العراق الذي فشل في الفصل بين الحزب والدولة على الرغم من كل ادعاءاته بهذا الخصوص.

وفي الأخير، انتهى العقد السبعيني من القرن العشرين دون أن تكون هناك ملامح خيار أمني محدد على مستوى النظام الإقليمي الخليجي، وفي الوقت نفسه لم تكن هناك مقاربة واضحة لهذا الأمن على صعيد قمة النظام الدولي أو لنقل على صعيد السياسة الأميركية في المنطقة.

بيد أن الأمور لم تقف عند هذا الحد وحسب، بل كانت نهاية العقد عاصفة بالمعايير كافة. ففي طهران سقط الشاه وسقطت بذلك أحلامه الكبرى ليس في قيادة الخليج وحسب بل في آسيا برمتها.

وبينما سارع الإيرانيون لسحب قواتهم من ظفار، خرج صادق روحاني ليدعو "لاستعادة" البحرين. وبموازاة ذلك كان كريم سنجابي يطالب بعلاقات حسنة مع دول الخليج، لكن أحدا لم يكن يعرف على وجه التحديد من يمسك بالقرار في طهران.

وقد حدث ذلك بعد نحو عام من التطورات الراديكالية في الجنوب اليمني التي أوصلت الجناح الموسكوفي بقيادة عبد الفتاح إسماعيل إلى مقاليد السلطة، كما تزامن مع مرحلة عنيفة من التطورات في الساحة الإريترية حيث تبنت عدد من دول الخليج العربية الدعم السياسي والمالي لجبهة التحرير الإريترية بقيادة المرحوم صالح سبا، كما دعمت بغداد الجبهة ذاتها إضافة إلى الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا الماوية بقيادة أسياس أفورقي.

بيد أن ذلك لم يعنِ بأي حال من الأحوال توافقا عراقياً خليجياً على صعيد المسألة الإريترية.

وبالعودة إلى الساحة الخليجية ذاتها، كان الحدث الإيراني قد فهم في بغداد على أنه تهديد وجود فاق كل التحديات التي مر بها بعث العراق منذ عودته الثانية للسلطة عام 1968. وهنا دفعت الهواجس المتضخمة بغداد لإلغاء اتفاقية الجزائر لعام 1975.

وفي الأخير، دفع الجيش العراقي باتجاه إيران ليصل في وقت قياسي إلى العمق الإيراني، وتستمر حرب السنوات الثماني التي ألهبت الخليج وأعادت رسم خارطة التحالفات في النظام الإقليمي العربي برمته.

"
غزو الكويت كان خطيئة كبرى لم يكن ينبغي للعراق الوقوع فيها تماما كما لم يكن ينبغي له الذهاب نحو حرب عبثية مع إيران زادت من انقسامات العرب وبددت ثرواتهم
"
يوم انهار التوازن الإستراتيجي
وفي أغسطس/آب 1990 جاء الغزو العراقي للكويت في أحد أبعاده كنتاج قاس للحرب العراقية الإيرانية نفسها. وبذلك استكمل النظام الإقليمي الخليجي تفاعلاته الصراعية ولكن ببعد دولي أكثر وضوحا، خاصة حين جاءت "عاصفة الصحراء" لتطيح بالتوازن الإستراتيجي الهش في المنطقة وإلى الأبد.

والحقيقة أن دعاوى العراق التاريخية في الكويت لا ترتكز على أي سند أو دليل ذي قيمة، وأن هذه الدعاوى لم تكن سوى شعار يخفي بين طياته نزعة قـُطرية ضيقة لا تقيم وزنا لمصالح العرب وقضاياهم المصيرية، وأن النظام العراقي أخذ يتاجر بآلام الجماهير العربية ويدغدغ أحاسيسها بشعارات هو في الأصل بعيد عنها.

كان غزو الكويت خطيئة كبرى لم يكن ينبغي للعراق الوقوع فيها، تماما كما لم يكن ينبغي له الذهاب نحو حرب عبثية مع إيران زادت من انقسامات العرب وبددت ثرواتهم.

وقد أفرز انهيار التوازن الإستراتيجي في الخليج عدة معطيات ذات تأثير بعيد المدى على تفاعلات النظام الإقليمي الخليجي، بل إن هذا النظام ما زال أسيرا لها.

وفي ضوء هذا الحدث شهدت المنطقة صعودا غير مسبوق في معدلات الإنفاق العسكري.

وفي حين كان يقال إن هدف الوجود الأجنبي في الخليج هو عزل القوة العراقية ومنعها من إعادة بناء ذاتها، أضحى عنوان هذا الوجود التصدي لطموحات طهران الإقليمية.

وفي خضم هذه التطورات، ازداد الخليج بعدا عن عمقه العربي. وتلك إحدى النتائج الأكثر قسوة للمتغير الإقليمي الخليجي.

وفي العام 2003 جاء الغزو الأميركي للعراق ليرمي بدوره بتداعيات واسعة على تفاعلات النظام الإقليمي الخليجي المنهك والمنقسم على ذاته.

وقد يكون سقوط حكومة الرئيس العراقي صدام حسين علامة فاصلة بمعايير السياسة والتاريخ، لكنه ليس كذلك بمعايير التوازن الإستراتيجي لأن العراق قد عزل إستراتيجيا وحُيّدت قوته منذ حرب الخليج الثانية، أي أن هذه البيئة لم تدخل طور التعريف الإستراتيجي الجديد.

وعلى صعيد التفاعلات الخليجية العراقية على وجه التحديد، يصعب الوقوف في المرحلة الراهنة على تصور واضح أو لنقل قراءة واضحة لهذه التفاعلات، فالمشهد العراقي لم يدخل بعد مرحلة التبلور وهو لا يزال في حالة شديدة من السيولة السياسية والأمنية.

والقضية الأساسية الآن هي ماذا يجب أن يفعله الخليجيون تجاه العراق. ودعونا نقول ابتداء إن حضور دول الخليج العربية في المعادلة العراقية الراهنة هو حضور متواضع وذو تأثير محدود.

ورغم ذلك فإن القطار لم يفتها كاملا، ويمكنها بوجه خاص الدخول على خط المصالحة الوطنية العراقية عبر مد المزيد من الخطوط المباشرة مع الشخصيات السياسية العراقية وأئمة المساجد وزعماء العشائر وعموم قادة الرأي في البلاد، لأن المزيد من التواصل مع هؤلاء وفيما بينهم كفيل بجسر التباينات القائمة والحد من تداعياتها السالبة سياسيا وأمنيا. ودول الخليج متى ما تحركت في هذا الاتجاه فإنها تخدم أمنها الإقليمي والوطني على حد سواء.

وعلى المدى البعيد، فإن عواصم الخليج كبغداد نفسها معنية بالدخول في إعادة إنتاج كلي للعلاقات الخليجية العراقية.
__________________
كاتب بحريني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة