حزب التحرير في فلسطين ومقدمات الحضور   
الاثنين 1428/12/8 هـ - الموافق 17/12/2007 م (آخر تحديث) الساعة 13:48 (مكة المكرمة)، 10:48 (غرينتش)
علي بدوان

علي بدوان

في الوقت الذي تصرّ فيه الدوائر الإعلامية الغربية العديدة على رؤية الإسلام السياسي طيفا واحدا، لا فرق فيه بين قاعدة أسامة بن لادن وحركة الإخوان المسلمين مثلا، فإن الوقائع تدحض تلك المقولات، وقد تبيِّن بأن الإسلام الوسطي في فلسطين يملك رؤية وطنية بالدرجة الأولى ويحمل خلفية كفاحية جعلته بمثابة الجناح الثاني في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية إلى جانب الجناح التقليدي الممثل في القوى الوطنية ومعها قوى التيار القومي واليساري.

فالتطورات، التي حفرت أخاديدها في الداخل الفلسطيني في ظل تحولات الخريطة السياسية الفلسطينية والصعود الجارف للإسلام الوطني المقاوم، تؤكد خصوصية الحالة الفلسطينية التي لا يمكن لها أن تكون موئلا أو مستقرا لجماعات التطرف مهما كانت منابتها الأيديولوجية والفكرية، كما تدل الدراسات المعمقة في فكر الحركات الإسلامية واتجاهاتها السياسية على وجود أطياف متنوعة ومختلفة، بل وشديدة التباين بين بعضها بعضا, فشتان بين الحديث عن تيارات إسلامية مكافحة في فلسطين وبين ظواهر العنف والتطرف الأعمى من أي منبت كانت.

ومن نافلة القول بأن التحولات في بنية الخريطة الحزبية والتنظيمية والفصائلية لقوى المجتمع الفلسطيني، والتطورات التي رافقت النضال الفلسطيني في العقدين الماضيين، لم تكن صاعقة في سماء صافية، بل ترعرعت ونمت في تربة خصبة بعد سنوات عجاف من الأزمات التي ظلت تعانيها القيادة التقليدية في الحركة الوطنية والتيارين القومي واليساري.

"
العودة الجديدة لحزب التحرير الإسلامي من تحت الأرض إلى فوقها في الأراضي الفلسطينية خصوصا في الضفة شكلت إطلالة جديدة للتحولات التي لا تزال تفرض وقائعها في تركيبة الخريطة السياسية الفلسطينية
"
وخير دليل على ذلك مدى التهافت والتراجع الذي لحق بها وببرنامجها في انتخابات المجلس التشريعي الأخيرة بداية العام 2006، حيث لم تستطع مجموعة قوى وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية (باستثناء حركة فتح) من إيصال سوى سبعة من مرشحيها إلى عضوية المجلس التشريعي الفلسطيني (ثلاثة من قائمة الشهيد أبو علي مصطفى+ ثلاثة من قائمة البديل+ مصطفى البرغوثي المحسوب على تيار اليسار).

وعليه، فقد شكلت العودة الجديدة لحزب التحرير الإسلامي من تحت الأرض إلى فوق الأرض في الأراضي الفلسطينية خصوصا في الضفة الغربية، إطلالة جديدة للتحولات التي لا تزال تفرض وقائعها في تركيبة الخريطة السياسية الفلسطينية، وهي التغيرات التي بدأت مع فجر الانتفاضة الأولى عام 1987 وما رافقها من بروز حركتي حماس والجهاد الإسلامي بثقل نوعي في معادلة القوى وحضورها وسط الناس في الشارع الفلسطيني، في عموم الداخل وفي مختلف ساحات الشتات الفلسطيني.

وانطلاقا من المقدمات المشار إليها، يمكن القول بأن الحزب الذي نشأ في مناخات من المطاردة إبان الحقبة الأردنية من إدارة الضفة الغربية، حيث جمدت نشاطاته في السنوات التي تلت الاحتلال عام 1967، يعاود تدريجيا ومنذ مطلع سنوات التسعينيات من القرن الماضي خطوات حضوره في الداخل الفلسطيني، فقد دبّ المزيد من النشاط وسط حزب التحرير بعد فوز حماس في الانتخابات عام 2006، حتى استطاع أن يثبت بؤرتين من الأعضاء والأنصار في منطقة القدس/رام الله وفي الخليل.

فـ"النواة الصلبة" للحزب أصبحت ملحوظة في منطقة القدس وبين المصلين من النشطاء هناك الذين يؤدون الصلاة بصورة ثابتة في المسجد الأقصى. وباتت نشاطاته في مدن الضفة الغربية "علنية وعلى المكشوف" بعد سنوات طويلة من الغياب العلني والخمود لأسباب شتى. وتوج التنظيم التحريري خطوات إعادة حضوره في الوسط الفلسطيني عبر مؤتمر عام عقده في أغسطس/ أب 2006 في مدينة رام الله حضره ممثل عن السلطة الوطنية الفلسطينية التي أرادت احتواء تحركات الحزب ووضعها تحت رعايتها استباقا لخطوات قد تؤسس لافتراق أو تصادم معها.

وفي الجانب السياسي وما يتعلق بالمسألة الوطنية الفلسطينية، فإن حزب التحرير حزب إسلامي سياسي بامتياز، يحمل نظرية ورؤية في التحليل السياسي، ويختلف في الرأي مع باقي الأطر الإسلامية الفاعلة في فلسطين لا سيما حول مسألة الجهاد والمقاومة.

"
رغم إدراك حزب التحرير لعمق قضية فلسطين في أبعادها العقائدية والحضارية وخطورة المشروع الاستعماري الصهيوني، وحتى قناعته بأن فلسطين لا تُحرّر إلا بالجهاد، فإنه عمليا لم يتبن خيار الجهاد
"
فعلى الرغم من إدراك الحزب ومؤسسه المرحوم تقي الدين النبهاني لعمق قضية فلسطين في أبعادها العقائدية والحضارية وخطورة المشروع الاستعماري الصهيوني، وحتى قناعتهم بأن فلسطين لا تُحرّر إلا بالجهاد، فإن الحزب عمليا لم يتبن خيار الجهاد ولم يسلك طريق المقاومة بدعوى أن إقامة الدولة أو الخلافة الإسلامية هي الأولوية، وأن الجهاد لا يجب على عامة المسلمين في غياب الخليفة أو الإمام المسلم الذي يستنفرهم.

وهذا الطرح يستند من وجهة نظر الحزب إلى فهم أو تشخيص لطبيعة العدوان الذي تتعرض له الأمة في فلسطين وطبيعة الجهاد المطلوب لدفعه.

في حين تشير حركة الجهاد الإسلامي مثلا إلى أن "الجهاد في فلسطين هو جهاد دفع وليس جهاد طلب" وجهاد دفع العدو الغازي لأرض المسلمين فرض عين على أهل البلد الخاضع للعدوان، جماعات وأفرادا، ورجالا ونساء، حتى قيل إن المرأة تخرج فيه بغير إذن وليّها، وإذا لم تتحقق الكفاية بأهل البلد يمتد حكم الفرض إلى الذين يلونهم من المسلمين.

وفي الجانب المتعلق بالمسألة الوطنية الفلسطينية، فإن الحزب تخلّف دون أدنى شك عن السير في ركب المشروع الوطني الفلسطيني استنادا لفلسفته التي تقول بأولوية إنشاء الخلافة تحت شعار :"الخلافة- أمة واحدة.. دولة واحدة.. حاكم واحد". ففي فلسفة الحزب فإن "تحرير فلسطين من أيدي المحتلين" يتم فقط عبر إقامة الخلافة الإسلامية من جديد. كما أن أدبياته تشير إلى أن "لا بضاعةَ له إلا الخلافة حيث حلَّ أو ارتحل، لا ينطق إلا بالخلافة، ولا يعرف غيرها، ولا إلْفَ له غيرُها".

كما أن مشروع حزب التحرير يقوم على مفهوم رئيسي بنيوي وهو العمل على إقامة "الخلافة الراشدة" استنادا إلى معطيات رئيسية في مقدمتها أن هنالك تبشيرا نبويّا بأن الخلافة ستعود على "منهج النبوة والخلفاء الراشدين". ويرى الحزب أن الخلافة هي بمثابة سياج الحماية لمصالح المسلمين ووحدتهم.

ومع أن التحريريين يؤكدون أن مسألة "تحرير فلسطين" والقضاء على إسرائيل تتم بالجهاد ويعارضون بصورة قاطعة أي تسوية سياسية مع إسرائيل، فإن تنفيذ هذه المهمة، طبقا لأيديولوجية الحزب، لا يقع على الفرد أو دولة إسلامية بل على الخلافة الإسلامية عند قيامها. ولهذا السبب، فإن الحزب كهيئة ليس منخرطا في نشاطات المقاومة الفلسطينية المباشرة (مع تعاطفه مع العمليات الفدائية التي نفذتها فتح وحماس والجبهة الشعبية والجهاد الإسلامي في فلسطين).

فالحزب تاريخيا يسعى إلى تطبيق تصوراته عن طريق الدعوة بصورة تدريجية وطويلة الأمد وسط الناس إلى جانب النشاط السياسي والاجتماعي الذي يهدف إلى تجنيد الدعم الشعبي، علما بأن هذه الأطروحات ساهمت في عزلة الحزب واغترابه عن وسط الناس والمجتمع الفلسطيني المكتوي بنيران الاحتلال.

لقد أجّل حزب التحرير كل شيء تقريبا إلى ما بعد قيام الدولة أو الخلافة الإسلامية، الأمر الذي أنتج حالة سلبية أثرت على فعالية وحضور الحزب نفسه. واليوم نلمس عودة قوية للحزب في العالم الإسلامي وفي الشارع الفلسطيني، لكن عليه إن أراد تثبيت حضوره ووجوده أن يقطع المسافة بينه وبين الناس، وأن ينخرط في العمل السياسي والإعلامي وفي العمل المقاوم بكافة أشكاله كمقدمات لا بد منها حتى يتبوأ موقعا له في قلب الحركة الوطنية التحررية للشعب الفلسطيني.

"
حظوظ التحريريين في تثبيت وجودهم السياسي رهن بمشاركتهم في إطارات العمل الوطني الفلسطيني على ما اعتراها من شوائب ومثالب عبر العقود الماضية من الزمن
"
فحظوظ الحزب في ترسيخ مكانته ووجوده وتأصيل نفسه في الخريطة السياسية تستدعي منه عدم الاكتفاء بالدعوة لأفكاره بالطريق إياها، وتجاوز إحجامه عن الانخراط العملي في مسار الحركة الوطنية الفلسطينية والعمل المقاوم على وجه التحديد، وتجاوز منطق رفض التعددية والحرية السياسية والعقائدية والأطر الوطنية والبرلمانية، كما حدث حين دعا إلى مقاطعة انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في يناير/ كانون الثاني 2006.

وحظوظ التحريريين في تثبيت وجودهم السياسي رهن بمشاركتهم في إطارات العمل الوطني الفلسطيني على ما اعتراها من شوائب ومثالب عبر العقود الماضية من الزمن.

وعند ذاك فإن الأفق يمكن أن يفتح فضاءاته أمام التحريريين مرهونا بإتباع الحزب سياسات براغماتية تنطلق به من الانغلاق الداخلي والبرنامجي باتجاه الانفتاح على الناس وبرنامج التوافق التعددي والتنسيق مع قوى التيار الإسلامي الوسطي المعتدل الذي بات رقما عصيا في المعادلة الفلسطينية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة