التقارب التركي الإيراني وتصحيح المسار   
الخميس 1435/2/2 هـ - الموافق 5/12/2013 م (آخر تحديث) الساعة 16:39 (مكة المكرمة)، 13:39 (غرينتش)
عمر كوش



تبدل السياسات والتحالفات
موجبات الاتفاق النووي
حدود التقارب

يتحدث الساسة الأتراك عن ما يسمونه "تصحيح المسار" للسياسة الخارجية التركية، بعد المتغيرات والتطورات العديدة، التي حدثت في المنطقة، وخاصة بعد توقيع الاتفاق النووي بين مجموعة دول 5+1 وإيران، وازدياد وتيرة التحركات الدولية لعقد مؤتمر جنيف2، على خلفية محاولات البحث الدولي لإيجاد حل سياسي للأزمة السورية، فضلا عن تأزم العلاقات ما بين الحكومة التركية وقادة مصر الجدد.

وفي هذا السياق، يأتي التقارب التركي الإيراني الجديد، وما يحمله من تفاهمات وتوافقات، بدا معها أن كلا من طهران وأنقرة تسيران إلى منتصف المسافة، لكن أسئلة عديدة تطرح نفسها في هذا الخصوص، من قبيل: في أي اتجاه تسير هاتان القوتان الإقليميتان؟ وما الذي جمعهما، وفي إي اتجاه؟

تبدل السياسات والتحالفات
أسفر الحراك السياسي التركي الجديد عن سلسلة من اللقاءات والزيارات للعديد من عواصم دول المنطقة والعالم، قام بها كل من رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، ووزير الخارجية، أحمد داود أوغلو، في محاولة لتوطيد العلاقات مع العراق، سواء مع حكومة المالكي، أم مع حكومة إقليم شمال العراق، إلى جانب محاولات إعادة الثقة للعلاقات مع إيران، وذلك بعد أن خلطت الأزمة السورية الأوراق والاصطفافات في المنطقة، وأثرت على العلاقات المتبادلة بين الدول.

يسود اعتقاد لدى صناع القرار في أنقرة، أن الأزمة في سوريا باتت حربا بالوكالة، إقليمية ودولية، تجد متحققها في الأدوار التي تلعبها القوى الإقليمية على الساحة السورية، من خلال دعم وتأييد أطراف معينة في ساحات القتال، وميادين السياسة، على حساب الأطراف الأخرى

ويسود اعتقاد لدى صناع القرار في أنقرة، أن الأزمة في سوريا باتت حربا بالوكالة، إقليمية ودولية، تجد متحققها في الأدوار، التي تلعبها القوى الإقليمية على الساحة السورية، من خلال دعم وتأييد أطراف معينة في ساحات القتال، وميادين السياسة، على حساب الأطراف الأخرى، في نسخة مكررة من السيناريوهين، اللبناني والعراقي.

ولذلك باتوا يتساءلون عن الكلفة، التي ستدفعها المنطقة من جراء هذه السياسة، وإلى متى ستستمر؟ وإلى أين ستؤدي بالشرق الأوسط؟

وفي ضوء حسابات وتقديرات قادة تركيا، فإن ثمة محورا إقليميا جديدا بدأ بالظهور على الساحة السياسية في الشرق الأوسط، إثر التقارب الأميركي الإيراني.

يتمثل هذا المحور بالمملكة العربية السعودية ومصر، ويضعون معهما إسرائيل، ومن ورائهم فرنسا، التي هرعت للانضمام إليهم، نتيجة للسياسات التي انتهجها الرئيس الأميركي، باراك أوباما، في المنطقة، حيث يتوقعون انضمام دول أخرى لهذا الحلف الجديد.

ولعل تغيرا ما، بدأ يرسم ملامح السياسة التركية حيال الأزمة في سوريا، في ضوء تغير التحالفات، وخاصة بعد التقارب الأميركي الأوروبي مع إيران، وبما يتطلب ضمان الدور التركي المحوري في الملف السوري، لكن ليس إلى درجة حدوث تطور كبير في موقف تركيا حيال الثورة السورية في المدى القريب، وفي ضوء ذلك يدعم الساسة الأتراك المعارضة السورية للذهاب إلى جنيف2، ويؤكدون دعمهم للحل السياسي في مختلف المناسبات والأمكنة.

بالمقابل، يمكن القول إن إيران بعد الاتفاق النووي غير إيران قبله. ربما نشهد تحولا في الخطاب والتوجهات، فيما يخص ملفات المنطقة الساخنة والعلاقات الثنائية، وخاصة مع تركيا.

بل هناك تقارير تركية، وغير تركية، تتحدث عن اتصالات سرية بين الولايات المتحدة وحزب الله اللبناني، جرت في أعقاب الاتفاق مع إيران، قد يخرج عنها ما يقشع الغمامة السوداء، التي تخيم على المنطقة، وخلفها يكمن احتمال أن تكون هذه الاتصالات في إطار التفاوض مع الحزب لانسحابه من سوريا، كجزء من التحضيرات لمؤتمر "جنيف2"، لكن الأمر مستبعد في اعتقادي، بالنظر إلى طبيعة التحالفات بين النظام السوري وإيران وهذا الحزب المليشياوي.

وقد ظهر مؤشر خلال زيارة وزير الخارجية التركي، أحمد داود أوغلو الأخيرة إلى طهران، تمثل في الدعوة المشتركة مع وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، إلى وقف إطلاق النار في سوريا، قبل الذهاب إلى "جنيف2"، حيث يمكن اعتباره من أوضح المؤشرات على التحول، الذي بدأ يلمس في مواقف الأطراف، لكنه قد يفهم -أيضا- على أنه تراجع في مواقف كل من تركيا وإيران، وانعكاس ملموس للتقارب الإيراني الغربي حيال سوريا.

يضاف إلى ذلك، المساعي الأميركية الروسية، المتجهة نحو إقناع إيران والسعودية، باعتبارهما جبهتين متقابلتين في سوريا، للجلوس إلى مائدة الحوار، بغية الوصول إلى توافق لحل الأزمة السورية، من دون بشار الأسد، ودفع الأطراف إلى مرحلة انتقالية مناسبة.

ولا شك في أن التقارب التركي الإيراني، سيدفع الأطراف الإقليمية والدولية، الفاعلة في الملف السوري، لممارسة مزيد من الضغط على المعارضة السورية، ممثلة بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، لإقناعها بالذهاب إلى "جنيف" مع الأخذ بعين الاعتبار أن الفشل في التوصل إلى حل في الأزمة السورية، سيعيق أي مشروع إقليمي يتعلق بالقضايا العالقة في المنطقة، الأمر الذي تعتبره أنقرة من صميم اهتمامات تغيير مسار السياسة الخارجية التركية.

موجبات الاتفاق النووي
يعي الساسة الإيرانيون أن علاقات بلدهم والولايات المتحدة والدول الغربية تأزمت كثيرا، وأفضت إلى قطيعة دبلوماسية، نتيجة السياسات التي انتهجتها إيران بخصوص إسرائيل والعراق وسوريا ولبنان، ما أدى إلى توجيه انتقادات متكررة ولاذعة لها، واستبعادها من المنظومة الدولية.

 يمكن القول إن إيران بعد الاتفاق النووي غير إيران قبله، ربما نشهد تحولا في الخطاب والتوجهات، فيما يخص ملفات المنطقة الساخنة والعلاقات الثنائية، وخاصة مع تركيا، وهناك تقارير تركية، وغير تركية، تتحدث عن اتصالات سرية بين واشنطن وحزب الله اللبناني، جرت في أعقاب الاتفاق مع إيران

وزاد الوضع تأزما بالنسبة لإيران بعد السعي لتطوير برنامجها النووي، الأمر الذي استجلب فرض عقوبات اقتصادية مؤثرة على الاقتصاد الإيراني وعلى عامة الإيرانيين.

ويضع الاتفاق النووي الإيراني دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية -بالمعنى الإستراتيجي السياسي- أمام مسؤولياتها تجاه منطقة الشرق الأوسط، من جهة الحفاظ على أمنه واستقراره، بوصفه الخاصرة الكبرى للقارة العجوزة.

ولا شك في أن ذلك يؤثر على استقرار وأمن تركيا، وعلى إيران أيضا، فضلا عن الدول العربية، والخليجية تحديدا.

ولعل نجاح الاتفاق يتوقف على ساسة إيران، ومدى استفادتهم من درس العقوبات، التي أثقلت كاهل الشعب الإيراني، وقادت إيران إلى حافة الدولة الفاشلة، لذلك يتوجب عليهم إحداث تحول حقيقي في التوجهات والأولويات، وبما ينعكس إيجابا على علاقات إيران بجوارها العربي، وبالعمل على حلحلة الأزمة السورية، بما يتماشى مع تطلعات الشعب السوري ومطالبه بالخلاص من نير الاستبداد وبناء دولة مدنية ديمقراطية تعددية.

وربما يدرك ساسة إيران جيدا أن التمسك بنظام بشار الأسد المتهالك والفاشل، لم يعد مجديا، وما عليهم سوى الضغط على النظام باتجاه الرضوخ لمطالب غالبية شعبه، وتوجيه الأوامر إلى حزب الله الإيراني وسائر الميلشيات الشيعية الطائفية بالانسحاب من الأراضي السورية.

وسيجدون في تركيا سندا يعينهم على ذلك، على المستوى السياسي، وعلى المستوى الاقتصادي بوجه خاص.

واذا كان الرهان يتمحور حاليا على حل سياسي حقيقي ومتوازن، ينبثق من مؤتمر جنيف2، فإن التقارب الإيراني التركي، يمكنه المساعدة في تحقيق ذلك، ويدفع القوى الدولية، الصامتة واللامبالية، إلى الانخراط الفعلي لإنجاح الحل السياسي، الذي بات حاجة ملحّة.

ويدعم ذلك تحديد كل من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا موقفا واضحا من الدور الإيراني في سوريا، بوصفه عدوانا إجراميا ضد الشعب السوري.

من هنا، فإن التقارب مع تركيا، يعني أن بعض الساسة الإيرانيين بصدد وقف استعراض القوة الإيراني في سوريا، وبما يساعد على السير في طريق بلورة حل سياسي، وليس كما يرّوج صقور طهران، من أن مقايضة ما جرت ما بين الولايات المتحدة وإيران، تقوم على وقف البرنامج النووي مقبل الاستحواذ على سوريا، وجعلها محافظة إيرانية مثل العراق، الأمر يعقد ويأزم الوضع، ويقلل من فرص نجاح مؤتمر جنيف2.

حدود التقارب
في الجانب التركي، التقط الساسة الأتراك بوادر الاتفاق النووي الإيراني مع القوى الدولية الكبرى، في 24 من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، كي يعلنوا أنه يوفر فرصا اقتصادية بالنسبة إلى تركيا.

أغلب محددات وحدود التقارب التركي الإيراني، ستظل محكومة بالجانب الاقتصادي، إذ تشير بيانات وزارة الخارجية التركية إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين في عام 2010 بلغ 10.6 مليارات دولار، وكان بحدود 1.2 مليار دولار في عام 2002، وتسعي تركيا لرفعه إلى ثلاثين مليار دولار في عام 2015

وبالتالي فإن أغلب محددات وحدود التقارب التركي الإيراني، ستظل محكومة بهذا الجانب، إذ تشير بيانات وزارة الخارجية التركية إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين في عام 2010 بلغ 10.6 مليارات دولار، وكان بحدود 1.2 مليار دولار في عام 2002. وهناك سعي تركي كي يصل حجم التبادل بينهما إلى ثلاثين مليار دولار في عام 2015.

والواقع هو أن قادة تركيا، حاولوا على الدوام التغلب على التوترات مع نظرائهم الإيرانيين، وهم ينظرون إلى العلاقات الاقتصادية والسياسية بين البلدين، لذلك، وبعد توقيع الاتفاق النووي مباشرة، أعلن وزير الخارجية التركي، أحمد داود أوغلو، من طهران، أن الوقت حان للتعاون.

ولم يتأخر وزير الطاقة التركي، تانر يلدز، في التوقع بأنه في حال رفع العقوبات الاقتصادية عن طهران، سيكون بمقدور بلاده زيادة وارداتها من النفط الإيراني من 105 آلاف برميل يوميا، إلى ما بين 130 ألف و140 ألف برميل يوميا.

وذهب ظافر تشاغليان -وزير الاقتصاد التركي- إلى القول بأن جميع المصارف التركية سيكون بمقدورها تنفيذ المعاملات المصرفية مع إيران، بعد توقيع الاتفاق النووي، خاصة وأن تركيا تشتري النفط الإيراني بالليرة التركية بدلا من الدولار، الأمر الذي يخفف الضغط على العملة التركية، فضلا عن أن النفط الإيراني أرخص من مصادر بديلة، ما يعني المساعدة في الحد من العجز في الحساب الجاري الكبير لتركيا، والذي يعتبر أكبر نقاط ضعفها الاقتصادي.

غير أن المحصلة هي أن التقارب التركي الإيراني محكوم بمحددي الاقتصاد والسياسة، ولا تغادره كذلك الجغرافيا، لكن بالرغم من الإمكانيات الاقتصادية التي يقدمها الاتفاق النووي، فإن الشكوك المتبادلة التي عصفت مؤخرا بالعلاقات الإيرانية التركية، سيكون من الصعب تبديدها.

فقد تصاعد التوتر بينهما بعد أن وافقت أنقرة في عام 2011 على إقامة قاعدة رادار للدرع الصاروخي لحلف شمال الأطلسي "ناتو"، تهدف إلى مواجهة تهديدات طهران، وفق ما يقوله مسؤولو الأطلسي، فضلا عن التدخل الإيراني السافر في سوريا، وسوى ذلك كثير.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة