المخابرات الإيرانية واستهداف الرئيس مرسي   
الخميس 1433/8/16 هـ - الموافق 5/7/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:09 (مكة المكرمة)، 11:09 (غرينتش)
مهنا الحبيل
 
إن أي تقييم سريع لحالة ولادة الجمهورية الثانية في مصر -الدولة المحورية الأولى في الوطن العربي- يستدعي قلقاً من كل المحيط الإقليمي والعربي فضلاً عن الدولي, فمصر الدولة القيادية تعني الكثير في عمقها وتاريخها ووزنها السياسي.
 
والبعد الديمغرافي الثقافي لطالما شكّل في تأثيره على الوطن العربي تحرك الرأي العام فيها كميزان جس قلق لدى هذه الأطراف فكيف حين تستيقظ على حكم دستوري يؤسّس حالياً برئيس منتخب بإرداة شعبية، وما يعنيه هذا التأسيس الدستوري الجديد لقوة تأثير مواقف الرئيس لمصلحة الأمن القومي المصري رغم كل التحديات المحيطة به؟

خاصةً أنّه يأتي بعد مرحلة تشويه وتهميش مارسها النظام السابق ضد شخصية مصر العربية والإسلامية بارتهانه أميركيا, حيث أسس لمصالحه الشخصية على حساب مصالح مصر وعلاقات التوازن العربية, وهو ما أدى إلى تأثّر هذا الموقع الإستراتيجي والاستفادة من تراجعه وهيمنة إستراتيجية الفساد على القصر الرئاسي ليصب في مصلحة إسرائيل وإيران والأخيرة استفادت من تراجع الدور العربي لمصر كثيراً, ما لم يُحقق لصالحها في قرن من الزمن لو كانت مصر في وضع قوتها الإستراتيجية.

قلق طهران من عودة مصر
هنا تبرز لنا دائرة القلق الشرس الذي تحاول طهران إخفاءه باحتفاء منافق لمصر الجديدة, ولذلك جاءت العملية التي نفذتها وكالة فارس للأنباء المعروفة للباحثين الإستراتيجيين في المنطقة بعلاقتها بالإعلام الأمني الإيراني لتحقيق نوع من الاستباق في مباغتة الرئيس د. محمد مرسي لتحقيق فرض أرضية جديدة تبني عليها ولو إعلاميا مساحة من التضليل الواسع لتمرير برنامج الوقاية لمواجهة عودة مصر لمحور القيادة, الذي لا يعتمد على صفقات الفساد الذي نفذها النظام السابق في حين يمارس ملاعنة شرسة مع طهران دون رصيد قوي لمواجهة نفوذها, أو نفوذ إسرائيل بحكم غياب قوة الممانعة القومية لمصلحة قوى الفساد المتمكنة في العهد السابق, وهو ما يطوى عهده حالياً.

العملية الفاشلة للمخابرات الإيرانية بالمقابلة المزعومة مع مرسي, تُظهر حالة اضطراب واسعة لدى طهران من تغيّر المشهد المصري

غير أنّ العملية الفاشلة للمخابرات الإيرانية قد تُكلفها الكثير, وهي في الأساس تُظهر حالة اضطراب واسعة لدى طهران من تغيّر المشهد المصري في ذات الوقت الذي يهتز عرش حليفها في دمشق رغم كل الدعم الذي قدمته وقدمه الإسرائيليون لموسكو لضمان بقاء نظام الأسد, وتعي طهران قضية مهمة جداً في هذا السياق وهي أنّ موقف الدبلوماسية القائمة حالياً والموروثة من النظام السابق سواء في الخارجية المصرية أو فريق د. نبيل العربي -الأمين العام للجامعة العربية- كان يدعم خطط الاحتواء للثورة السورية وإحباطها ويدعم إخضاعها لمصلحة النظام, وهذا نقرره هنا بعد رصد متواصل لكل أداء دبلوماسية الرئيس المخلوع مبارك في الإعلام وفي الأروقة الدولية والعربية فخلاصتها أنها كانت مضادة للثورة السورية ومنعت عنها أي دعم مصري محوري تتقوى به الثورة في المحافل الدولية وكانت أقرب لموسكو بكل تأكيد.

ولقد راجعت كامل التسجيل الذي بثته وكالة فارس لتأكيد مقابلتها المزعومة مع الرئيس محمد مرسي, وكانت أبجديات الوعي الإستراتيجي أنه لا يُمكن أن يتلفظ رئيس منتخب لمصر بهذه الأحاديث التي تعتمد بصورة مباشرة وضع علاقات إيران بمصر في مقدمة اهتماماته بلغة مباشرة والغض من علاقات مصر بالخليج العربي واستعداءه له وخاصة السعودية.

وقد أيقنت ببطلان هذا الأمر قبل أن يصدر النفي الحاسم من الرئاسة المصرية فضلاً عن افتراق الصوت واندفاعة المتحدث المزعوم بأنه الرئيس بلغة يستبق فيها مراسل الوكالة قبل أن يسأله بل ويقول له: كنتَ قد سألتني سابقاً. ثم ينال من علاقة مصر بالرياض.

لكنّ مأزق المخابرات الإيرانية كان يعتمد على أن هذه المقابلة ستمرر وسيُبنى عليها لاحقاً كتأسيس لبرنامج إعلامي يستفز العلاقة مع الخليج العربي ويستدعي الرد ويؤسس لعلاقة اختراق للجمهورية الجديدة بناءً على تقدير أمني أنّ الرئيس لن يتولى التكذيب بحكم انشغاله أو تجنباً لمصادمة الموقف الإيراني في هذا التوقيت, وهو ما جرى خلافه تماماً حيث فوجئت طهران بنفي عاجل وقوي, وأرادت أن تُثير زوبعة بعرض التسجيل الفاضح لها اعتماداً على تمريره للرأي العام وقد بلع الطعم بعض الصحفيين والقنوات لكن في نهاية الأمر صدموا حين كلّف الرئيس المصري فريقه القانوني مستقبلاً متابعة وكالة فارس قضائياً وهذا ما يعني خسارة مزدوجة للمخابرات الإيرانية ذات الصلة المباشرة والحيوية بالوكالة وخسارة طهران المعركة الأولى لاختراق الجمهورية الثانية.

مصالح الخليج مع مصر
وللتوضيح فإن لمصر الجديدة وبعدها الإسلامي سياسات قد لا تتعاطى بمنطق الملاعنة الإعلامية مع إيران وليست بالضرورة تخضع لتقديرات كل مواقف النظام الرسمي في الخليج العربي وزواياه الدولية فلها سياستها المختلفة, لكنها في النهاية مرشحة لموقف تقارب عملية مع بعدها العربي وخاصة الأمن القومي للخليج العربي دون حاجتها لإعلان حرب إعلامية على إيران.

ليس المطلوب من مصر الجديدة تسليح السوريين لكن دعم الحق في حصوله والتنسيق مع تركيا في المنطقة العازلة

وهي أيضا وفقاً لتصريحات مباشرة من الرئيس مرسي لها موقف مختلف يقترب من الثورة السورية سواء ما ورد في خطابه الرئاسي أو الموجه لاجتماع المعارضة السورية أو في محاضرات قبل الرئاسة تُبين موقفا مساندا ومتضامنا مع الثورة, وقد يحتاج الأمر إلى وقت وقد لا يُقرأ بلغة إعلامية مباشرة وإن كنّا نعتقد أن مناصرته للشعب السوري ضمن أولويات مصر القومية لكن الميراث السابق قد يقتضي لغة مختلفة, ومن ذلك تجنبه الحديث عن تسليح الثورة رغم مشروعيته وأولويته القصوى.

وليس المطلوب من مصر الجديدة التسليح لكن دعم الحق في حصوله والتنسيق مع تركيا في المنطقة العازلة, وهو ما يمكن أن يُشكل مصلحة مشتركة أولا للشعب السوري ووحدته ونصره وثانياً لمصر والخليج العربي والأمن القومي المشترك, وهذا بالضبط ما تخشى منه طهران وتل أبيب معاً.

فرص تعاون لا مواجهة
إنّ أمام دول الخليج العربي فرصة تاريخية وخاصة المملكة العربية السعودية لمد جسور التعاون مع مصر الجديدة وتحقيق عهد توازن مهم جداً مع هذه الجمهورية الثانية الوليدة, وبالتالي تحقيق دعم لوجستي وإستراتيجي مهم للأمن القومي للخليج وشراكة اقتصادية تاريخية مع مصر.

وما برز مؤخراً أعطى رسالة وعي لضرورة تجاوز المخاوف من قضية القالب الإسلامي الإخواني السابق للرئيس كون أنه الآن في موقع الرئيس لكل المصريين مع التأكيد أن هناك حالة فوبيا إخوان غير موضوعية في الخليج, وليس من صالح دول الخليج العربي أن تُسعّر هذه المخاوف وتشعل جسورها بالنار بدل الود والرابط العربي القومي, الذي سيجد مساحة مهمة لتعزيز الشراكة لو فُوتت سَتخدم إيران.

موقف الرياض ومعظم العواصم الخليجية يتوجه في الإطار الهادئ مع مصر الجديدة ولا يجب أن يقاس عليه تصريحات صحفي أو مجند عسكري 

ولعل موقف الرياض وغالب العواصم الخليجية يتوجه في هذا الإطار المنهجي الهادئ ولا يجب أن يقاس عليه تصريحات صحفي أو مجند عسكري خليجي عبثية تنال من مصر ورئيسها بعد أن تركت له دولته تمثيل الناطق باسم الخارجية رغم انعدام صفته, فهذه وفقا للعمق الدبلوماسي نتوءات تافهة قد ترتد على مرجعيتها بكل تأكيد, لكنها لا تُشكّل معايير قياس بين مصر الجديدة ودول الخليج العربي.

ولعل أهم أمر يحتاج أن يعيه أبناء الخليج العربي هو أنّ المهمة الحيوية لمصالحهم هي تعزيز الجسور مع مصر الجديدة وليس تأسيس ثقافة ملاعنة معها ومع رئيسها فهذه الملاعنة والتشكيك هي بالضبط ما يخدم مباشرة مشروع المخابرات الإيرانية، فهل سيتوقف المتطوعون لخدمتها في الخليج عن غبائهم الإستراتيجي ليحموا مصالحهم ومصالح مصر وأمنهم القومي؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة