السلحفاة الأوروبية بعد معاهدة لشبونة   
الأحد 1428/10/10 هـ - الموافق 21/10/2007 م (آخر تحديث) الساعة 22:49 (مكة المكرمة)، 19:49 (غرينتش)
نبيل شبيب


- عقبات ومشكلات صغيرة
- جوهر تطوير المسيرة الأوروبية
- العقبات المقبلة

لم يعد الدستور "دستور أوروبا الموحدة"، بل "معاهدة لشبونة" على غرار معاهدات سبقتها بدءا من معاهدة روما التأسيسية الأولى، انتهاء بمعاهدة نيس مع وضع صياغة الدستور، الذي سقط في الاستفتاء الشعبي في فرنسا وهولندا قبل عامين ونصف العام.

وكان يوجد من وافق على تلك الصياغة على مضض من بين الدول الأعضاء، وهي التي عادت لتطرح رغباتها فور طرح الصياغة مجددا للنقاش مع مطلع عام 2007 بحثا عن حلّ وسط، سعت ألمانيا إليه في فترة رئاستها للاتحاد خلال النصف الأول من العام، وتابعت البرتغال المهمة في النصف الثاني منه.

"
بريطانيا كانت وراء إلغاء تزويد الاتحاد الأوروبي برموز دولة موحدة بدلا من مجموعة دول اتحادية، ولكن اعتراضاتها وجدت قبولا سريعا لإدراك الدول الأعضاء الأخرى أن مشروع تطوير الاتحاد كله معرض للخطر
"
عقبات ومشكلات صغيرة

بريطانيا كانت من وراء إلغاء تزويد الاتحاد الأوروبي برموز دولة موحدة بدلا من مجموعة دول اتحادية، ولكن اعتراضاتها وجدت قبولا سريعا لإدراك الدول الأعضاء الأخرى على ما يبدو أنّ مشروع تطوير الاتحاد كله معرض للخطر.

ومن الرموز التي ألغيت أن يكون للاتحاد علم مشترك، ونشيد وطني مشترك، بالإضافة إلى وزير خارجية، فتقرر أن تكون تسميته الممثل الأعلى للاتحاد للشؤون الخارجية والأمنية.

أما الاعتراضات البولندية التي أثارت انزعاجا أوروبيا كبيرا لزمن طويل فتركزت على تطوير نظام التصويت في الاتحاد، وبقي الإجماع مقررا بالنسبة لقضايا السياسة الخارجية والأمنية والداخلية في الدرجة الأولى، بينما تحوّل كثير منها -وهي طريقة الغالبية المزدوة-التي تعني موافقة عدد من الدول لا يقل عن 55% من عدد الأعضاء، ونسبة سكانية لا تقلّ عن 65% من مجموع سكان الاتحاد الأوروبي.

كما تقرر إصدار بيان منفصل عن المعاهدة يتضمن وعدا باعتماد الإجماع مستقبلا في حالة الرغبة في إلغاء مبدأ سابق يبقى ساري المفعول حاليا، ويقضي بأن يكون لدولة معارضة لقرار الغالبية، حق "تجميد" تنفيذ القرار الأوروبي لمدة زمنية معينة، يمكن خلالها طرحه مجددا للمناقشة والتعديل، وعلاوة على ذلك حصلت بولندا على مقعد دائم في "المحكمة الأوروبية" بدلا من مقعد تتناوب عليه مع دول أخرى.

وكان على الرؤساء ورؤساء الحكومات في لقاء لشبونة أن يبحثوا لمدة ثماني ساعات، حتى الواحدة صباحا، عن حلول لمشكلات "صغيرة" وتفاصيل دقيقة، أهمها إقرار اقتراح سابق بتأجيل "تصغير" عدد أعضاء المفوضية الأوروبية.

فالهيئة التي تعمل على مدار السنة يتولى كل عضو فيها قطاعا محددا من المهام، وعلاوة على صعوبة جمع الموافقة على قراراتها كلما ازداد عدد أعضائها، لا يمكن إيجاد "قطاعات تخصصية" كافية لعدد كبير من الأعضاء، وهي المشكلة التي ظهرت للعيان بانضمام بلغاريا ورومانيا للاتحاد، فتقرر أن يكون تصغير المفوضية عام 2014 بدلا من عام 2009.

وسبق الاتفاق على أن يكون أعضاء المجلس النيابي الأوروبي في حدود 750 عضوا، وهو ما جعل عملية تحديد عدد النواب من كل دولة وفق عدد سكانها عملية مضنية.

ولم يشأ أحد العودة إلى التفاوض حولها عندما اعترضت إيطاليا قبيل قمة لشبونة على انخفاض عدد نوابها لأول مرة إلى ما دون عدد نواب كل من فرنسا وبريطانيا، وأمكن التوصل إلى حل وسط اقترحه المجلس النيابي نفسه، لا يسبّب زيادة مجموع الأعضاء، بل يعتمد على ألا يكون لرئيس المجلس حق التصويت، مقابل إضافة مقعد لصالح إيطاليا.

فأصبح النواب 96 نائبا لألمانيا، و74 لفرنسا و73 لكل من إيطاليا وبريطانيا، وهكذا حتى يصل توزيع المقاعد إلى ستة نواب من الدول الأربع الأصغر في الاتحاد، قبرص ومالطا ولوكسمبورغ وإستونيا.

والمشكلات الأخرى الصغيرة التي كان على الرؤساء ورؤساء الحكومات حلها كثيرة، كان آخرها مثلا أن يتم في وثائق الاتحاد تداول كلمة "إفرو" إلى جانب "يورو" تسمية للعملة الأوروبية، وفق اللغة البلغارية ورغبة صوفيا في ذلك، رغم أنها ليست عضوا في مجموعة العملة الأوروبية الموحدة.

"
إذا كانت العقبات والمشكلات الصغيرة من علامات صعوبة مسيرة الوحدة الأوروبية، فهي لا تواري أن معاهدة لشبونة حققت قفزة جديدة لتثبيت وجهة الطريق مستقبلا، وإن لم تكن بمستوى ما كان يرغب فيه أنصار سرعة توحيد أوروبا
"
جوهر تطوير المسيرة الأوروبية

إذا كانت العقبات والمشكلات الصغيرة من علامات صعوبة مسيرة الوحدة الأوروبية، فهي لا تواري أنّ معاهدة لشبونة حققت قفزة جديدة، لتثبيت وجهة الطريق مستقبلا، وإن لم تكن بمستوى ما كان يرغب فيه أنصار سرعة توحيد أوروبا عندما طُرح مشروع الدستور للبحث لأول مرة قبل ست سنوات.

كما أثبتت معاهدة لشبونة أنّ التحديات التي تواجه أوروبا على مستوى السياسات الدولية تجبر الدول الأعضاء فيها على التخلّي، ولو جزئيا عن بعض الصلاحيات الخاصة بكل منها قوميا، لتقوية الكيان المركزي الجامع لها في الاتحاد الأوروبي.

وعلاوة على تطوير نظام التصويت تطويرا يمنع تجميد عملية اتخاذ القرارات بأسلوب يشابه أسلوب النقض (الفيتو) كان من أبرز معالم تطوير الاتحاد تعديل رئاسة مجلسه الدائم، صاحب القرارات الحاسمة فيه، على مستوى لقاءات القمة "مجلس الرؤساء ورؤساء الحكومات" وعلى المستويات الوزارية التخصصية "مجلس الوزراء".

وأهم معالم التطوير أن يكون للاتحاد -إضافة إلى مجلس رئاسة ثلاثية (ترويكا) على التناوب- رئيس منتخب لمدة عامين ونصف العام، قابلة للتجديد مرة واحدة.

كما جُمعت صلاحيات مفوض (عضو المفوضية) للشؤون الخارجية، وممثل الاتحاد للشؤون الخارجية والأمنية (خافيير سولانا حتى الآن) في منصب واحد هو الممثل الأعلى -بدلا من وصف وزير- يشغل في الوقت نفسه منصب نائب رئيس المفوضية الأوروبية.

ومجموع ذلك يعني أن يصبح للاتحاد من يمثله دوليا بصلاحيات أكبر من ذي قبل، أو أن يصبح له "رقم هاتف" يمكن الاتصال به على حد تعبير وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسينجر، عندما انتقد التعددية الكبيرة في السياسات الخارجية الأوروبية وقال إنه لا يعلم بوجود "رقم هاتف أوروبي موحد" للاتصال به عند الحاجة.

يضاف إلى ذلك أن المجلس النيابي الأوروبي الجديد المقرر انتخابه عام 2009 ستكون له صلاحيات تشريعية إضافية، لاسيما في إقرار الميزانية الأوروبية، مما يعني التأثير على السياسات الأوروبية نفسها، من خلال المخصصات المالية ومراقبة صرفها.

الاتحاد الأوروبي لم يبلغ بذلك مستوى "الولايات الأوروبية الموحدة" -كما نادى بذلك رئيس الوزراء البريطاني الأسبق تشرشل- ولكنه قطع خطوة كبيرة على هذا الطريق، بعد أكثر من خمسين سنة مرت على بداية المسيرة الأوروبية.

العقبات المقبلة
التطوير المتحقق على مستوى صلاحيات المجلس النيابي، والإبقاء على ميادين معينة كالسياسات الداخلية والمحلية على مستوى الأقاليم، خاضعة لنظام التصويت بالإجماع، أبرز النقاط التي تستهدف في الدرجة الأولى كسب المزيد من التأييد الشعبي لصالح الاتحاد، لاسيما أنّ المخاوف الشعبية تتركز على الخشية من تضخم المركزية الأوروبية على حساب ما يمكن تحقيقه وتطويره محليا، حتى على مستوى البلديات.

ويظهر حجم هذه المخاوف عند الإشارة إلى عمليات استطلاع الرأي قبيل قمة لشبونة التي أظهر بعضها أنّ زهاء 70% من سكان الدول الأكبر سكانا يرغبون في استفتاءات شعبية على المعاهدة قبل سريان مفعولها، وإن كانت دساتير بعض البلدان الأعضاء لا تقضي مثل تلك الاستفتاءات للتصديق عليها.

ومن هنا تبرز أيضا المخاوف الرسمية من أن يصيب المعاهدة ما أصاب الدستور من قبل، فتخفق عملية التصديق المرجوة عام 2008 كي يسري مفعول المعاهدة مع مطلع عام 2009، قبل الانتخابات النيابية الأوروبية المقبلة.

لن تتوقف المسيرة الأوروبية آنذاك، ولكن استمرار اتخاذ القرارات بالإجماع سيكون عبئا ثقيلا باستمرار، وبالمقابل فإن الرفض الشعبي المحتمل في بعض الاستفتاءات -يكفي لذلك الرفض في بلد واحد- يعني رفض توسيع صلاحيات المجلس النيابي الأوروبي -وهو المدخل الأبرز للمشاركة الشعبية في مسيرة الاتحاد الأوروبي- باعتبار الانتخابات التي تجري مباشرة في سائر دول الاتحاد.

"
إذا كان موقع الولايات المتحدة دوليا هو العامل الرئيسي المؤثر على المسيرة الأوروبية الآن، فقد يجد الاتحاد الأوروبي نفسه قريبا أمام عوامل مؤثرة أخرى مع ازدياد مكانة الاتحاد الروسي والصين والهند وربما قوى أو مناطق أخرى عالميا
"
معظم الدول الأعضاء تريد أن يتم التصديق على المعاهدة في الموعد المقرر، ولا يستطيع أحد في الوقت الحاضر التنبؤ بصورة قاطعة بذلك، ومن أسباب المخاوف ما يحمل الساسة الأوروبيون المسؤولية عنه، فاستغراقهم أو اضطرارهم إلى الاستغراق في بحث أصغر المشكلات الجانبية -مثل تسمية اليورو بالبلغارية. أو عدد من يسمح لهم من الألمان بالدراسة في الجامعات النمساوية دون إذن مسبق- ضيّع إمكانية إبراز الأهمية الكبيرة لتوحيد أوروبا على صعيد القضايا الأساسية، سياسيا وأمنيا واقتصاديا وماليا على المسرح الدولي.

وقد كشفت عمليات استطلاع الرأي الأخيرة المشار إليها أن 61% من سكان الدول الأكبر سكانا لا تعرف شيئا عن النقاط الأساسية في "مضمون المعاهدة"، ولم يعد يتسع الوقت بما فيه الكفاية لحملة توعية شعبية في بلدان الاتحاد قبل حلول موعد التصديق في كل منها على حدة، سواء على مستوى استفتاء شعبي أو من خلال المجالس النيابية المنتخبة.

على أنّ العقبة الحقيقية والأكبر تكمن في سياسات الدول الأعضاء الرئيسية في الاتحاد الأوروبي، وفي مدى استعدادها للتوافق على القضايا الحاسمة، بدلا من اتباع سياسات قومية متفرّقة، كان أبرز الأمثلة عليها في الفترة الماضية التعامل مع الولايات المتحدة الأميركية على صعيد حرب احتلال العراق.

وكان واضحا في قمة لشبونة التي كان من بين من يشارك فيها لأول مرة كل من الرئيس الفرنسي ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني براون، مما يعني تبدل الوجهة السياسية لكل دولة على حدة ما بين قمة وأخرى، وهو ما سبق رصده مع انتخابات سابقة، كالتي شهدتها إيطاليا وإسبانيا وبدّلت الحكومتين فيها، فتبدلت سياسة البلدين بوضوح، لاسيما في ميدان المشاركة في حرب احتلال العراق.

المستشارة الألمانية ميركل حملت معها تبدلا جزئيا في السياسة الألمانية قبل حوالي عامين، وساركوزي يظهر طموحات كبيرة للزعامة الأوروبية إضافة إلى ازدياد اقتراب باريس من واشنطن في عهده.

وبراون لا يستطيع المضي في سياسة توحيد أوروبا أكثر مما تسمح به السياسات الداخلية في بلده وهي -تقليديا- بعيدة كل البعد عن تقليص الصلاحيات الخارجية والأمنية لصالح وحدة أوروبية.

وبرودي -الذي يعتبر شديد الحماسة لمسيرة أوروبية مشتركة- مضطر إلى مراعاة المعارضة في إيطاليا في اتجاه معاكس، وشبيه ذلك يسري على الآخرين بمن فيهم الرئيس البولندي الحالي كاشونسكي الذي جعل من سياسته عقبة في الاتحاد الأوروبي ليوظف ذلك على المسرح السياسي الداخلي البولندي، ولا يمكن التنبؤ ببقائه في منصبه إلى لحظة قراءة هذه السطور، على ضوء الانتخابات البولندية يوم 21/10/2007.

الدول الأعضاء هي التي ستحدّد من خلال صراع المصالح المادية أو النظرات الأنانية القومية مستقبل أوروبا التي توصف بالقارة العجوز، سواء بمنظور البعد التاريخي الغربي أو بمنظور التبدّل في هرم أعمار سكانها باتجاه الشيخوخة، وهو ما يتفق مع حقيقة أنها تسير نحو الوحدة بخطى بطيئة كالسلحفاة، وإن كانت ثابتة مدروسة، وهي على أي حال خطى متباعدة كما يشهد الفارق الزمني بين معاهدة ماستريخت لتوحيدها وبين معاهدة لشبونة لتنفيذ ما لا يتجاوز نسبة ضئيلة من التطلعات التي كانت تتردد قبل 16 عاما.

وإذا كان موقع الولايات المتحدة الأميركية دوليا هو -إلى جانب العولمة- العامل الرئيسي الدولي المؤثر على تلك المسيرة حتى الآن، فقد يجد الاتحاد الأوروبي نفسه قريبا أمام عوامل مؤثرة أخرى، مع ازدياد مكانة الاتحاد الروسي والصين الشعبية والهند وربما قوى أو مناطق أخرى عالميا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة