قراءة في رسالة الظواهري إلى الزرقاوي   
الأحد 20/9/1426 هـ - الموافق 23/10/2005 م (آخر تحديث) الساعة 13:39 (مكة المكرمة)، 10:39 (غرينتش)
 
 
 
ليس بوسعنا الجزم التام بصحة الرسالة التي نشرها مدير مكتب الأمن القومي الأميركي جون نغروبونتي وقال إنها موجهة من الدكتور أيمن الظواهري، الرجل الثاني في تنظيم القاعدة، إلى زعيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين "أبو مصعب الزرقاوي"، في ذات الوقت الذي لن يكون بوسعنا الجزم بصحة بيان النفي الذي صدر عن الزرقاوي، لاسيما ونحن إزاء لعبة يبدو العدو فيها أكثر قدرة على التزوير والتسريب.
 
على أن قراءة نص الرسالة الكامل، أو المتاح بتعبير أدق، وما تضمنه من معلومات شخصية بالغة الخصوصية عن الظواهري نفسه وعن أحوال التنظيم، إلى جانب مواقف سياسية وفكرية نتجت عن تجارب خاضها الرجل وخبرها بالفعل، كل ذلك لا بد أن يدفع القارئ إلى عدم استبعاد صحة الرسالة، لاسيما وأن ما فيها لا يخدم بالضرورة المشروع الأميركي، مع ضرورة الإشارة هنا إلى إمكانية حذف بعض الفقرات.
 
وإذا قيل إن نشرهذه الرسالة دليل على أنها تنطوي على خدمة للمصالح الأميركية، فإن تلك الخدمة قد لا تتجاوز السعي إلى تخويف دول الجوار العربي من أن مشروع القاعدة لا يستهدف العراق فحسب، وإنما يمتد ليطال دول المنطقة الأخرى، ولعل ذلك هو ما استند إليه بوش في خطابه المثير للسخرية حول الإمبراطورية الإسلامية التي تمتد من إندونيسيا إلى إسبانيا!!
 
"
ما يدفع إلى عدم استبعاد صحة الرسالة هو ما تضمنته من معلومات شخصية بالغة الخصوصية عن الظواهري نفسه وعن أحوال تنظيم القاعدة 
"
في هذه القراءة سنتجاوز مسألة الصحة من عدمها، وسنتعامل معها كما لو كانت موجهة من الظواهري إلى الزرقاوي بالفعل، ولعل السؤال الذي يطرح نفسه ابتداء هو ذلك المتعلق بالسبب الكامن خلف توجيه الرسالة من طرف الظواهري إلى الزرقاوي وليس من طرف القائد أسامة بن لادن، وهنا يمكن الإشارة إلى عدة أسباب:
 
- أولها أن الظواهري يبدو أقدر في ميدان الكتابة والتنظير منه في ميدان الخطابة والحديث والوعظ، الأمر الذي يبدو معاكسا في حالة أسامة بن لادن. وفي الرسالة فقرة كاملة تتحدث عن مؤلفات الظواهري القديمة والحديثة، وسؤال للزرقاوي عن إمكانية مساعدته في الحصول على كتاب فقدت مادته الأصلية، والتي كانت موجودة على كمبيوتر الظواهري الذي وقع بيد الأميركان، وتم تسريب نصه إلى صحيفة عربية لم يسمها (الشرق الأوسط) نشرته "مبتوراً مشوشا"، والكتاب هو "فرسان تحت راية النبي"، ويطلب الظواهري مساعدة الزرقاوي في الحصول على أصل الكتاب الموجود عند "أبي رسمي" الذي يبدو واضحا أن الزرقاوي يعرفه.
 
- السبب الثاني الذي يمكن الحديث عنه هو أن الظواهري ربما كان أقرب فكريا إلى الزرقاوي من أسامة بن لادن، إذ من المعلوم أن موقف الزرقاوي من الحكام هو التكفير، وهو موقف الظواهري المعروف، خلافاً لبن لادن الذي كان يتردد -أقله في السابق- في هذا المضمار. وكلاهما "الظواهري والزرقاوي" يميل إلى استقاء أفكاره من ابن تيمية ومن سيد قطب. والخلاصة أن الزرقاوي يكن الكثير من الاحترام للظواهري، الأمر الذي لن يقلل من قيمة رسالته بالنسبة إليه رغم أنها لم توجه إليه من زعيم القاعدة نفسه.
 
- أما السبب الثالث فربما تعلق بوجود الرجلين -أسامة بن لادن والظواهري- في مكانين مختلفين، الأمر الذي يدفع كلا منهما إلى الاجتهاد بطريقته الخاصة في توجيه العمل وترشيد المسار.
 
"
 الظواهري حمل الرسالة أحتراما كبيرا للزرقاوي وحرص على التأكيد بين فقرة وأخرى على أن ما يقدمه هو نصيحة من أخ لأخيه ولم يبد في النص ما يشير إلى لغة موجهة من قائد إلى أحد جنوده 
"
ما يلفت الانتباه ابتداء في الرسالة هو ذلك الاحترام الكبير الذي يكنه الظواهري للزرقاوي كما يفوح من بين سطورها، إذ حرص الكاتب على التأكيد بين فقرة وأخرى على معرفة الزرقاوي بأحوال المكان الذي يتحرك فيه، وأن ما يقوله هو مجرد نصيحة من أخ لأخيه بناء على ما توفر من تجارب، وفي العموم فليس ثمة في النص ما يشير إلى لغة موجهة من قائد لجندي على الإطلاق.
 
أما مضمون النص فينم عن نضوج كبير في الوعي السياسي لدى الظواهري واستفادة واضحة من مجمل التجارب التي مرّ بها هو ومن معه، بل وقراءة واعية لكثير من تجارب التاريخ القديم والحديث، ووضع للمعارك في سياقها الواقعي بعيدا عن التهويل.
 
بداية يبدو واضحا إدراك الظواهري لخطورة المعركة في العراق، معتبرا أن مصر والشام أساسية في صناعة مستقبل العالم الإسلامي، خلافا لمعارك الأطراف مثل الشيشان وأفغانستان التي يراها "إرهاصات أو مقدمات للمعارك الكبرى". ويقول في هذا الشأن "كانت عقيدتي دائما أن انتصار الإسلام في هذا العصر لن يتحقق إلا بإقامة دولة مسلمة على منهاج النبوة في قلب العالم الإسلامي، وبالتحديد في منطقة الشام ومصر".
 
يتحدث بعد ذلك عن مراحل العمل من وجهة نظره، والتي تبدأ بإخراج الأميركان من العراق، تليها "إقامة سلطة أو إمارة إسلامية ثم تطويرها وتدعيمها حتى تبلغ مرتبة الخلافة على أكبر جزء يمكنها بسط سلطانها عليه من العراق، وبالذات في مناطق العرب السنة حتى تملأ الفراغ الناشيء عن خروج الأميركان.
 
ثم المرحلة الثالثة ممثلة في مد الموجة الجهادية إلى ما جاور العراق من دول علمانية، تليها أو تتزامن معها الرابعة ممثلة في "الصدام مع إسرائيل، لأن إسرائيل ما أنشئت إلا للتصدي لأي كيان إسلامي وليد".
 
ولعل أكثر ما يلفت انتباه المراقب في الرسالة هو حرصها على تأكيد التوافق مع الجماهير وعدم النظر إليها بفوقية، إضافة إلى الحرص على وحدة الأمة، أكان في ميدان الجهاد، أم في الميدان العام من حيث التنسيق مع العلماء والهيئات والعشائر وعدم الاستفراد بالقرار دونهم.
 
ومن الصعب نقل الفقرات التي تتحدث في هذا الشأن، فهي كثيرة، والنص عموما بالغ الطول يتوزع على ستة آلاف كلمة، أي أنه بمثابة كتيب صغير، لكن الظواهري وبعد حديثه عن المراحل التي أشرنا إليها آنفا بادر إلى القول إن "أقوى سلاح يتمتع به المجاهدون -بعد توفيق الله وإمداده لهم- هو التأييد الشعبي من جماهير المسلمين في العراق وما جاورها من بلاد المسلمين".
 
"
أكثر ما يلفت انتباه المراقب في الرسالة هو حرصها على تأكيد التوافق مع الجماهير وعدم النظر إليها بفوقية، إضافة إلى الحرص على وحدة الأمة
"
لكن الظواهري لا يتوقف عند هذه الإشارة بل يطلب من الزرقاوي أن يسمح له بالاسترسال في الحديث حول القضية، ليضيف إليها جملة من النقاط التي تتحدث عن ضرورة البحث عن تأييد الجماهير والبعد عن كل ما لا تستسيغه من ممارسات ما لم يكن فيها مخالفة شرعية.
 
ثم يواصل بعد ذلك واضعا هذا الأساس المتعلق بالجماهير في سياق التطبيق العملي لما بعد خروج الأميركان، فيطالب بتعميق الشورى مع الجماهير وأهل الرأي من العراقيين وعدم الاستئثار بالحكم دونهم، مذكرا ها هنا بتجربة طالبان التي استأثرت بالحكم فكانت خسارتها سريعة لأن الناس من حولها كانوا بين سلبي ومعاد، ومؤكدا على "التحذير من الانفصال عن الجماهير".
 
بعد ذلك يؤكد على "الحرص على وحدة المجاهدين"، ثم "الحرص على العلماء من ناحية عدم إبراز الخلافات العقائدية التي لا يفهمها الجمهور"، وهنا تحديدا يمكن القول إن الظواهري يقدم، ليس للزرقاوي فحسب، وإنما للعاملين في الساحة الإسلامية، السلفية الجهادية منها على وجه التحديد، والسلفية بشكل عام، درسا سبقه إليه آخرون، يتعلق بالتسامح في المسائل الخلافية الفقهية والاعتقادية وتقديم التعاون في ميادين الجهاد والعمل العام عليها، معطيا أمثلة كثيرة معروفة من التاريخ القديم والحديث، ففي الحديث يذكر الملا محمد عمر الحنفي الماتريدي الذي قدم نموذجا قل نظيره.
 
أما في القديم فيتحدث الظواهري عن العز بن عبد السلام وابن حجر والنووي، وكانوا أشاعرة، ثم نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي وسيف الدين قطز وركن الدين بيبرس والناصر محمد بن قلاوون ومحمد الفاتح ممن كانوا أشاعرة أو ماتريدية، ويشير إلى ثناء الإمام ابن تيمية على بن قلاوون رغم ما أصابه في عهده من محاكمات وسجن.
 
واللافت أن الظواهري يعترف في الرسالة أن "معظم علماء الأمة أشاعرة أو ماتريدية"، وأن "تصحيح أخطاء العقيدة قضية طويلة تحتاج إلى أجيال من الدعوة وإصلاح مناهج التعليم"، مذكرا بخطأ جميل الرحمن في أفغانستان الذي أراد محاربة البدع وفرض الرؤية السلفية على فصائل المجاهدين الذين يتحدر معظمهم من المذهب الحنفي، وبعضهم من الصوفي "فقتل وتحطم تنظيمه لأنه تناسى الحقائق الواقعة على الأرض".
 
"
 رسالة الظواهري لا تخدم الأميركان، بل تعزز مسار استنزافهم بسبب ما يمكن أن يترتب عليها من ترشيد للفعل العسكري والسياسي والإعلامي
"
خصص الظواهري فقرة خاصة بالموقف من الشيعة، وفيها يبدو واضحا ميله إلى تأييد الزرقاوي في الموقف منهم من الزاوية الاعتقادية، وحتى من زاوية مواقفهم السياسية التقليدية، لكن ملاحظاته انصبت على التعامل معهم، مثل قتالهم والهجوم عليهم، وتحديدا على مساجدهم، وهو أمر رأى الظواهري أن نفور المسلمين منه سيظل قائما.
 
ويرى الظواهري في ضوء ذلك أن الصدام مع الشيعة يرفع العبء عن الأميركان، وأوضح هنا أنه يتحدث عن عموم الشيعة وليس عن الحكومة، ثم تساءل "لماذا الهجوم على عوام الشيعة" "بينما يجب علينا مخاطبتهم بالدعوة والبيان والتبليغ لهدايتهم للحق"، وتساءل "هل حاولت أية دولة إسلامية في التاريخ ذلك، ولماذا يقتل عوام الشيعة مع أنهم معذورون بالجهل؟".
 
بعد ذلك عرج على إيران مسجلاً موقفا سياسيا لافتا للانتباه، وذلك بعد التذكير بوجود حوالي مائة من عناصر القاعدة معتقلين لديها، من بينهم سيف العدل وسعد نجل أسامة بن لادن، ثم طرح التساؤل التالي "هل تناسى الإخوة أن كلا منا والإيرانيين في حاجة إلى أن يكف كل منا أذاه عن الآخر في هذا الوقت الذي يستهدفنا فيه الأميركان؟".
 
بعد ذلك خصص الظواهري فقرة من رسالته لما سماها مشاهد الذبح، مع أن هذه المشاهد قد اختفت منذ شهور طويلة، ولم يعد لها وجود، لكنه يتحدث عنها فيما يبدو في سياق التحذير من جهة، والأهم في سياق التأكيد على البعد الإعلامي للمعركة، حيث يقول إن "أكثر من نصف المعركة يدور في ميدان الإعلام، وإننا في معركة الإعلام في سباق على قلوب وعقول أمتنا".
ثمة بعد إنساني شخصي في هذه الفقرة يتحدث فيه الظواهري عن استشهاد زوجته وابنته وابنه في القصف الأميركي للمنزل الذي كانوا فيه مع عائلات أخرى، حيث قتلوا جميعا تحت الخرسانة التي سقطت عليهم، ولا يعرف ما إذا كانوا قد استخرجوا ودفنوا أم بقي البيت ذاته قبراً لهم.
 
بعد ذلك يتساءل الظواهري عن حساسية العراقيين حيال أن يكون قائد المجاهدين من غيرهم، ويطالب بإفادته في هذا الشأن وتأثير ذلك على وحدة المجاهدين، وهي فقرة كان لها ما يشبهها في إحدى رسائل أبو محمد المقدسي للزرقاوي، ثم يتبعها بسؤال عن إمكانية التحاقه هو شخصيا بالمجاهدين في العراق.
ما تبقى من الرسالة يتحدث فيه الظواهري عن مؤلفاته القديمة والحديثة، وطبعة جديدة من كتابه "الحصاد المر.. الإخوان المسلمون في ستين عاما"، والذي يشير إلى تعديلات عليه حيث حذفت العبارات الشديدة، لكن اللافت أن موقفه السلبي من الإخوان ما زال على حاله خلافا لروحة التجميعية مع الآخرين، ربما تأثرا بالتجربة المصرية ومآلاتها التراجيدية بالنسبة إليه، فيما لا يشير البتة إلى ما جرى في مصر ومواقف الجماعة الإسلامية السلبية من القاعدة ومن الزرقاوي خلال العامين الأخيرين.
 
وفي البعد الشخصي أيضا يشير الظواهري إلى أنه رزق بابنة أسماها "نوار"، وهي إلى جانب المعلومات الشخصية الأخرى، مثل حكاية أبو الفرج الليبي الذي اعتقل وطلب بعض الدعم الذي كان عرضه الزرقاوي، كل ذلك يدفع إلى الاعتقاد بأن الرسالة حقيقية وليست مزورة، أقله في أصلها العام.
 
وفي العموم فإن الرسالة بالغة الأهمية من حيث المضمون وهي لا تخدم الأميركان، بل تعزز مسار استنزافهم بسبب ما يمكن أن يترتب عليها من ترشيد للفعل العسكري والسياسي والإعلامي.
ــــــــــــــــــ
كاتب أردني
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة