اقتصاديات التخلف   
الأحد 21/2/1436 هـ - الموافق 14/12/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:03 (مكة المكرمة)، 13:03 (غرينتش)
عبد الله الأشعل


يقصد باقتصاديات الشيء المنافع والمزايا فهي معني إيجابي، أما اقتصاديات التخلف فلها معني آخر، ويقصد بها في هذا المقام الخسائر والأعباء التي تقترن بحالة التخلف والتي تزيد حالة التخلف وأعباءها سوءا.

وللتخلف عدد من الأعباء المالية والاجتماعية والنفسية بعيدة المدى التي تترتب على التخلف. وقد حاولت أن أجد تعريفا دقيقا موضوعيا للتخلف، فعدت إلى ما قرره منذ خمسين عاما عميدنا الأشهر المرحوم زكي شافعي الذى وقف في مثل هذا اليوم من خمسين عاما لكى يعرف التخلف تمهيدا للحديث عن التنمية التي تؤدي إلى التقدم، فأخذ يستعرض معايير التخلف وأمارات التقدم لكى يصل في النهاية إلى استبعاد كل المعايير وأن ينتهى إلى ما انتهيت إليه اليوم بعد خمسين عاما من التأمل والدراسة بأن التخلف هو التخلف.

ولكن التخلف والتقدم صفتان للدولة تصل إليهما بطرق مختلفة، فقد اخترعت التنمية لكي تؤدى إلى أن تقف الدولة في صفوف الدول المتقدمة والتي أطلق عليها حتى بداية عصر المعلومات الدول الصناعية.

تبين لي مؤخرا أن التقدم والتخلف صفتان ترتبطان ارتباطا وثيقا بالإدارة والنظام، وإلا فكيف نفسر أن دولة كانت متخلفة مثل تركيا أصبحت في عداد الدول المتقدمة بعد نجاح تجربة التنمية فيها، وهى تنمية شاملة اقتصادية واجتماعية وثقافية وتعليمية ونفسية

ومنذ ذلك الوقت أصبحت هناك دول متقدمة لم ترتد إلى الوراء ودول متخلفة حاولت أن تتقدم وأطلق عليها في هذه المحاولة الدول النامية والقليل منها أكمل مرحلة مهمة من نموه ولكنه ليس معدودا من المتقدمين، وأما البعض الآخر فقد انقلب على عقبيه وانهارت آماله في التنمية وأصبح لدينا اليوم تصنيف جديد هو الدول المتقدمة وكلها دول غربية، والدول النامية وعددها قليل من العالم الثالث على رأسها تركيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا أي معظم دول منظمة البركس.

وأما المرتبة الثالثة فهي الدول الريعية التي تعيش على ريع المورد كالبترول وتنفق دخلها لتحسين الحياة دون أن تأمل في أن تنضم إلى الدول المتقدمة، ثم هناك أخيرا الدول المرتدة، وهى التي تسرع إلى الوراء في جميع المجالات، وليس عيبا أن نقول إن مصر انضمت إلى هذه المجموعة، والدليل هو تراجع مصر في جميع المؤشرات الدولية دون استثناء وعلى من لديه عكس ذلك أن يدلني عليه.

هناك أكثر من 30 مؤشرا تحتل فيه مصر مراتب متقدمة أي تقترب من القاع، وكان آخرها ترتيب الفريق القومي المصري لكرة القدم في إطار الفيفا حيث تحتل مصر المرتبة الستين وتقع في المربع الأخير من الدول الكروية. ولا بد أن يدعونا هذا بالمناسبة إلى البحث عن أسباب الانهيار حتى نتمكن من وقفه، ثم نبحث عن أسباب التقدم، ولكننا حتى الآن نخادع أنفسنا.

وقد تبين لي مؤخرا أن التقدم والتخلف صفتان ترتبطان ارتباطا وثيقا بالإدارة والنظام، وإلا فكيف نفسر أن دولة كانت متخلفة مثل تركيا أصبحت في عداد الدول المتقدمة بعد نجاح تجربة التنمية فيها، وهى تنمية بالمناسبة شاملة اقتصادية واجتماعية وثقافية وتعليمية ونفسية.

وليس صحيحا أن التخلف يلحق بالشعوب لأن هذه الشعوب كما رأينا تستطيع أن تسهم في التقدم إذا كان هناك نظام يحتويها ويحدد لها مساراتها، والأدلة على ذلك لا تحصى، ولكن تكفى الإشارة إلى مثالين اثنين، أحدهما يتعلق بتفوق أبناء العالم الثالث، والسؤال هنا هو لماذا يبدع أبناء العالم الثالث عندما يعملون في دول أخرى لديها نظام أو يتفوقون في دراساتهم ويبزون أقرانهم في الجامعات الغربية.

أما المثل الثاني فهو ما لاحظته أثناء زيارة أخيرة لبعض الجامعات الأميركية، وهو أن معظم الشعب الأميركي ينتمى إلى العالم الثالث، ومع ذلك لا يتصرفون في الشارع تصرفا متخلفا، وإنما يضبطهم النظام، وما تحتاجه مصر هو أن يوضع فيها نظام ثم يقوم النظام بالقضاء على الشخصانية وأن يتم كل ذلك بحكم القانون في كل جوانب الحياة، فيظهر القانون أمامنا ويتوارى الأشخاص، وهذه البيئة هي التي صنعت التقدم من عناصر تنتمى إلى عوالم التخلف.

ويمكن هنا للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية ومراكز الأبحاث في مصر أن تجرى دراسة حول هذه النقطة، ثم تستقصي سلوك المصريين مثلا في الولايات المتحدة، فلا نكاد نلحظ مصريا واحدا خرج على النظام أو انتهك القانون وإنما وفر له القانون البيئة الصالحة للأمان والحرية والاستقرار والازدهار.

إن القهر الأمني وحالة الخوف من الشعب واهتزاز النظام وارتفاع أعداد المعتقلين ووتيرة التعذيب في السجون  تكرس مظاهر جديدة للتخلف وخلق النفوس السوداء والأحقاد وكلها مظاهر لها تكاليف اقتصادية هائلة

ولكل وضع اقتصادياته، ولكن لا نلاحظ حديثا عن اقتصاديات التقدم، لأن التقدم في ذاته وهو إرادة وقيادة تصنع التقدم وتضيف إليه، تماما كالغنى يزيد الغنى والعلم يزيد العلم، ولذلك من الوجاهة بمكان أن تهتم مراكز البحوث بدراسة اقتصاديات التخلف أي التبعات والآثار والخسائر المترتبة على التخلف.

وسنقدم هنا بعض الإيضاحات التي تحتاج إلى إحصائيات ودراسات، ففي مجال الاقتصاد هناك الكثير من الجوانب الخاصة بتركيب الاقتصاد والمؤشرات الاقتصادية والعمالة والبطالة والإنتاجية ومستوى الجودة والتنافسية والقدرة على التصدير والاكتفاء والوفاء بالحاجات والتطوير والابتكار والبحث العلمي في المجال الاقتصادي والشراكات الاقتصادية ووضع الاقتصاد ضمن الاقتصاديات الدولية وأوضاع العملة وعلاقتها بالعملات الأخرى وغير ذلك من المؤشرات الاقتصادية.

وقس على ذلك في مختلف المجالات التي تعكسها المؤشرات ولكنى أشير خاصة هنا إلى تكاليف التخلف في مجال الجهل الطبي والصحي والدوائي والتخلف في مجال عدم الوعى بقواعد المرور واحترامها، وبهذه المناسبة فإن المقارنة بين ضحايا الطرق والنقل في مصر مثلا حيث يتجاوز العدد مائة ألف، بالإضافة إلى أضعاف هذا العدد من المصابين الذين يحتاجون إلى علاج، كما يؤثرون على الإنتاج إذا كانوا يعملون، وبين دولة متقدمة تحترم فيها قواعد المرور وتطبق القواعد على الجميع فلا تقع حادثة إلا نادرا ومن أشخاص لديهم مشاكل نفسية.

بهذه المناسبة أيضا فإن حالة الاكتئاب القومي التي تصيب الشعب عادة بسبب تدهور الأوضاع تؤثر تأثيرا فادحا على إنتاج الناس وإقبالهم على العمل. أما في مجال الصحة فإن التخلف يعنى نوعية هابطة من الأطباء وغشا في الأدوية وانحدار مستوى الخدمات الحكومية وانتشار الأمراض الضعيفة انتشارا وبائيا وقلة الإمكانيات المادية المخصصة للصحة، مما يؤدى إلى المزيد من الانهيار.

ولكن إذا تمت إدارة الصحة بالوعى والتعليم والإخلاص والرقابة والدقة فإنها تصنع التقدم حتى في بيئة متخلفة. صحيح أن العلاقة بين القطاعات خصوصا التفاعل بينها وقيادة قطاع منها لبقية القطاعات من المسلمات الاقتصادية في علم الاقتصاد، ولكن يجب دراسة فكرة النهوض في قطاعات معينة تخفف من مظاهر التخلف وتمد المجتمع بعناصر نافعة للقطاعات الأخرى.

فلا شك أن ارتفاع معدل الإصابات من الحوادث والتلوث يؤدى إلى المزيد من نسب الإعاقة البشرية في المجتمع، حتى أظن أن القهر السياسي والاقتصادي والاجتماعي والبلاهة السياسية والعجز عن التغيير وإهدار الكرامة عبر أجيال كثيرة يؤدي إلى تخلف جيني لا يبرأ منه المجتمع إلا بعد أجيال من لحظة الوصول إلى الجيل الأول بعد الإصلاح.

ولا نظن أن القهر الأمني وحالة الخوف من الشعب واهتزاز النظام وارتفاع أعداد المعتقلين ووتيرة التعذيب في السجون إلا تكرس مظاهر جديدة للتخلف وخلق النفوس السوداء والأحقاد، وهذا كله له تكاليف اقتصادية هائلة.

يضاف إلى ذلك أن الدولة المتخلفة تعانى من الفساد، وقد تم مقابل الفساد في منظمة الشفافية الدولية والذى يمثل في بعض الدول معظم ميزانيتها. فلو كانت الدولة مدينة بمبلغ معين لا يستطيع الاقتصاد أن يفي به وبخدماته ويشكل ذلك نسبة عالية من الناتج القومي الإجمالي بحيث يصبح حدبة على ظهر الدولة تؤدى به إلى التقوس والعجز ثم الإفلاس، فإن نسبة الفساد تفوق معدل الدين، وهذه حقيقة علمية ثابتة بالإحصائيات.

من الضروري أن يهتم المتخصصون  بإجراء أبحاث مشتركة حول اقتصاديات التخلف والبحث عن أسباب التقدم، لأن خسائر التخلف إذا قورنت بفضائل التقدم فسوف يظهر أن التقدم في ذاته عملية اقتصادية يجب الحرص عليها والسعي لنيلها

وحتى الموروث الثقافي والعادات والقيم السلبية والتقاليد تترتب عليها تكاليف اقتصادية يصعب حصرها، ولكن هذه العادات مثلا في مجال الحفلات والأعياد قد تدخل السرور على القلوب ولكنها تسجل تراجعا مخيفا في المجال الاقتصادي.

وأخيرا فإن التعليم الهابط والإعلام المتدهور والثقافة السطحية تخرج مجتمعا يعانى من العاهات الاجتماعية والثقافية وتنتشر فيه القيم السلبية مثل الخرافات والنصب والاحتيال والمخدرات وكل ما يضر بالصحة ويعتبر أرضا صالحة لازدهار عناصر تتغذى على النفاق والسطحية والخداع مما يؤدى إلى آثار اجتماعية خطيرة وتفكك للأسر وارتفاع معدل التوترات الاجتماعية مما يثقل كاهل الأجهزة الأمنية والقضائية، وتزدهر في هذه البيئة قيم الاستبداد والديكتاتورية والسلوكيات الشكلية المظهرية والأحقاد الطبقية وانحسار قيمة القانون.

أرجو أن يهتم المتخصصون في الاقتصاد والاجتماع والثقافة والأمن والصحة وغيرها بإجراء أبحاث مشتركة حول اقتصاديات التخلف والبحث عن أسباب التقدم، لأن خسائر التخلف إذا قورنت بفضائل التقدم فسوف يظهر أن التقدم في ذاته عملية اقتصادية يجب الحرص عليها والسعي لنيلها.

ويجب أن يهتم البحث بالعلاقات الاقتصادية الدولية وخرافة المعونات الاقتصادية وأن يفحص مدى صحة ما يتردد من أن أسباب تقدم المتقدمين هي نفسها الأسباب التي يحرصون بموجبها على تخلف المتخلفين، لأن الفضاء لا يتسع لكل الدول في سلة واحدة والتبادل والانتفاع المتبادل يحتم وجود التخلف والتقدم.

ويجب أن يشمل البحث أخيرا خرافة حوار الشمال والجنوب التي استمرت عقودا طويلة وانخداع العالم الثالث بما يسمى حوار الجنوب الجنوب، ونحن في العالم العربي إذا صحت هذه المقولة أولى بالحوار لولا أن دولنا واقتصادياتنا تتحدد مصائرها وأقدارها بالبيئة الدولية التي تعيش فيها والتي تفرض عليها أن يكون التقدم والتخلف قرارا سياسيا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة