الولايات المتحدة تعزز قدراتها في المتوسط   
الأحد 23/10/1433 هـ - الموافق 9/9/2012 م (آخر تحديث) الساعة 11:56 (مكة المكرمة)، 8:56 (غرينتش)
عبد الجليل زيد المرهون

 

إستراتيجية بحرية ذات بُعد كوني
المتوسط وتحولات السياسة الأميركية
القدرات الأميركية في المتوسط وجواره
فلسفة السفن الحربية في البحر المتوسط

ما هي الملامح الراهنة للإستراتيجية الأميركية في منطقة البحر الأبيض المتوسط؟ ما هي أبرز التحوّلات التي طرأت عليها؟ وأين يكمن موقعها في منظومة الخيارات الخارجية للولايات المتحدة؟

إستراتيجية بحرية ذات بُعد كوني
شهدت الإستراتيجية البحرية للولايات المتحدة تطوّرات كبيرة في الفترة التالية للحرب العالمية الثانية، وخاصة في العقدين السادس والسابع. وقد مثل الانتشار حول العالم ركناً ثابتاً في هذه الإستراتيجية.

وجرى خلال ذلك التأكيد على الربط بين القوة البحرية والتطلعات الجيوسياسية للدولة العظمى، الأمر الذي أولد إصراراً على المضي في تنمية هذه القوة بمعزل عن أية تحديات مالية، قد تفرض نفسها على البلاد.

ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، ركزت الخطط الأميركية، بصورة خاصة، على البحر الأبيض المتوسط والمحيطين الهادي والأطلسي. أما التواجد الدائم في المحيط الهندي فقد حدث في سنوات لاحقة.

وكرست الولايات المتحدة جهودها، منذ ثمانينيات القرن العشرين، للسيطرة على الممرات البحرية الستة عشر الأساسية في العالم، على النحو الذي يضمن لها محاصرة القوى البحرية المعادية أو المنافسة، وإغلاق الملاحة في وجه الدول الأخرى في زمن الحرب.

كرست الولايات المتحدة جهودها، منذ ثمانينيات القرن العشرين، للسيطرة على الممرات البحرية الستة عشر الأساسية في العالم، على النحو الذي يضمن لها محاصرة القوى البحرية المعادية أو المنافسة

وفي مداخلة قدمها في "مؤتمر شؤون الأمن القومي" في يوليو/تموز من العام 1981، طوّر وزير الدفاع الأميركي حينها كاسبر واينبرغر مبدأ التفوق البحري للولايات المتحدة بالقول "يجب علينا أن نسيطر على البحار لضمان إمكانية الوصول إلى حلفائنا وإلى الموارد الطبيعية. وكذلك من أجل نقل قواتنا إلى مناطق المواجهة المحتملة".

وفي آخر مراجعة دفاعية لها، أعلنت الولايات المتحدة أنها ستحافظ خلال العقد القادم على وجود 11 حاملة طائرات لإدامة تفوقها البحري. وعارض الرئيس الأميركي، باراك أوباما، أي خفض في هذا الأسطول، بسبب ما اعتبره حاجة إلى وجود ما يكفي من قوة أميركية في المحيط الهادي، تكون بمثابة ثقل موازن للصين.

وهذا بالطبع فضلاً عن الحسابات التي تفرضها الأوضاع السائدة في الشرق الأوسط على الإستراتيجية الكونية للولايات المتحدة.

ويبلغ عدد السفن الحربية لدى الولايات المتحدة في الوقت الراهن 2384 سفينة، بينها 11 حاملة طائرات، كما سبقت الإشارة، و59 مدمرة و75 غواصة و30 فرقاطة و14 كاسحة ألغام.

وهناك فقط تسع دول في العالم تمتلك حاملات طائرات، هي: الولايات المتحدة وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا وبريطانيا وروسيا والبرازيل وتايلاند والهند.

وباستثناء الولايات المتحدة التي تمتلك 11 حاملة طائرات، وإيطاليا وإسبانيا، التي تمتلك كل منهما حاملتين، فإن أيًّا من الدول الست المتبقية لا يمتلك سوى حاملة طائرات واحدة.

المتوسط وتحولات السياسة الأميركية
في الإطار الكلي للمقاربة، شهدت الخيارات الخارجية للولايات المتحدة ثلاثة تحوّلات كبرى منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى يومنا هذا، فبعد تلك الحرب وضعت أوروبا في قمة أولويات الأمن القومي الأميركي. وبعد تفكك الاتحاد السوفياتي انتقل التركيز على منطقة الشرق الأوسط، مدعوماً بالغزو العراقي للكويت. وشهد العقد التالي تزايد التورط الأميركي في هذا الشرق، وبلغ ذروته بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول عام 2001، وحرب العراق عام 2003.

الموجة الرئيسة الثالثة من التحوّلات، أتت بعد الانسحاب الأميركي من العراق، إذ جرى وضع أوروبا والشرق الأوسط في مكان أبعد ضمن دائرة الاهتمامات الأميركية، لمصلحة ما عرف "بحقبة آسيا"، التي قصد بها تركيز الاهتمام الأميركي على منطقتي آسيا الباسفيك والإقيانوس، إضافة للهند.
وعلى الرغم من ذلك، فإن الولايات المتحدة حرصت على التأكيد على استمرار دورها في أوروبا والشرق الأوسط، وأن هذا الدور جزء أصيل من مقاربة أمنها القومي.

تقليدياً، أولت الولايات المتحدة أهمية خاصة لمنطقة البحر الأبيض المتوسط لخصوصية بنيتها الجيوسياسية والحضارية، وارتباطها الوثيق بالأمن الأوروبي

وبالنسبة للشرق الأوسط، على وجه التحديد، فإن الولايات المتحدة ستضطر، دون ريب، للتعامل مع أزمات مختلفة في هذا الإقليم، الذي يشهد جناحه المتوسطي اليوم إحدى أكثر فتراته غلياناً، أو لنقل توتراً.

ونقصد بالجناح المتوسطي الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط.

وتقليدياً، أولت الولايات المتحدة أهمية خاصة لمنطقة البحر الأبيض المتوسط لخصوصية بنيتها الجيوسياسية والحضارية، وارتباطها الوثيق بالأمن الأوروبي.

وجغرافياً، يتصل البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي عن طريق مضيق جبل طارق، وبالبحر الأسود وبحر أزوف عن طريق مضيق الدردنيل وبحر مرمرة والبسفور، وبالبحر الأحمر عن طريق قناة السويس. وتصنف جميع هذه المضايق باعتبارها شرايين حيوية للملاحة الدولية، وموضع اهتمام تقليدي للإستراتيجية البحرية للولايات المتحدة.

القدرات الأميركية في المتوسط وجواره
وقد شهدت السنوات الأخيرة تطوّرين رئيسيين في الإستراتيجية الأميركية في البحر الأبيض المتوسط: تمثل الأول في انخراط الولايات المتحدة في عملية المراقبة الدائمة للمرات البحرية الحيوية، خاصة من خلال ما يعرف بعملية "أكتيف أنديفور".

وتمثل الثاني في تعزيز القدرة الاستطلاعية والهجومية الأميركية في المنطقة. وقد تم ذلك من خلال مسارين: بناء علاقات عسكرية جديدة مع دول شمال شرق المتوسط، التي انضمت ثلاث منها إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهي ألبانيا وكرواتيا وسلوفينيا. وعقد اتفاقات خاصة بتشييد قواعد عسكرية متقدمة في دول واقعة على تخوم المتوسط، وتحديداً في بلغاريا ورومانيا.

على صعيد عملية "أكتيف أنديفور"، التي يقودها الناتو، اتخذت هذه العملية في البدء طابعاً مدنياً، حيث أعلن بأنها تهدف لحماية الممرات التجارية في البحر الأبيض المتوسط، الذي تمر عبره نحو 30% من حركة الملاحة البحرية الدولية، ونحو 65% من النفط والغاز المستهلك في غرب أوروبا.

وقد شملت عملية "أكتيف أنديفور" الحوضين الرئيسيين للمتوسط، الشرقي والغربي. وكذلك البحار الإقليمية المتصلة به. وهي ليجوريا وتيرانا والأدرياتيكي وإيجة.

وبدأت عملية "أكتيف أنديفور" في العام 2003 بحراسة 300 باخرة تعبر يومياً مضيق جبل طارق. وفي وقت لاحق من العام ذاته، وافق الحلف على إجراءات خاصة تسمح للقوات المسلحة باعتلاء البواخر المختلفة، بما في ذلك المدنية منها. وفي العام 2004 وسّع الحلف من تفويض العملية، فبسط سيطرته على كامل البحر الأبيض المتوسط، وزاد من جهوده لجمع وتحليل المعلومات الاستخباراتية حول حركة الملاحة الإقليمية.

واليوم، يطالب بعض خبراء الحلف بنشر ما يُعرف بمجموعات المساعدة الأمنية، المصممة خصيصاً لدعم دولة (أو عدة دول)، بحيث يتضمن ذلك تعزيز الدوريات البحرية والجوية، وتفعيل شبكات الاتصالات، وتقديم المساعدة إلى جهود مواجهة الكوارث عبر آليات خطط الطوارئ.

على مستوى الشق الثاني من تعزيز الحضور العسكري الأميركي في منطقة المتوسط، يُمكن أن نلحظ أن تطوراً هاماً قد حدث في روابط الولايات المتحدة مع كل من الجبل الأسود وسلوفينيا وألبانيا وكرواتيا. وحيث أصبحت الدول الثلاث الأخيرة أعضاء في الناتو. ومثلت ألبانيا بموقعها الجيوسياسي الفائق الأهمية مكسباً إستراتيجياً كبيراً للحلف.

وعلى الرغم من ذلك كله، فإن الأهم في حسابات الأمن القومي الأميركي هو ما جرى على تخوم المتوسط، حيث نجحت الولايات المتحدة في توقيع اتفاقيتين دفاعيتين مع كل من رومانيا وبلغاريا، في العامين 2005 و2006 على التوالي.

وقد سمحت الاتفاقية المبرمة مع صوفيا بانتشار 2500 جندي أميركي لمدة عشرة أعوام، يزداد عددهم إلى خمسة آلاف بعد مضي شهر على توقيع الاتفاقية. كما تضمنت الاتفاقية الموافقة على إنشاء ثلاث قواعد عسكرية أميركية في الأراضي البلغارية.

ومن ناحيتها، قدمت الاتفاقية الموقعة مع بوخارست تسهيلات عسكرية مختلفة للولايات المتحدة، وسمحت بنشر قوة أميركية قوامها 1500 جندي في قاعدة "ميخائيل كوغالنيتشيانو" على البحر الأسود، واستخدام المطار العسكري قرب ميناء كونستنزا، وقاعدة "باباداغ"، ومركزي التدريب "تشينكو" و"سماردان" في دلتا الدانوب.

الأهم في حسابات الأمن القومي الأميركي هو ما جرى على تخوم المتوسط، حيث نجحت الولايات المتحدة في توقيع اتفاقيتين دفاعيتين مع كل من رومانيا وبلغاريا

وتعطي هذه الاتفاقية القوات الأميركية حق مهاجمة أي بلد انطلاقاً من الأراضي الرومانية، دون استئذان السلطات الحاكمة. كما لا تلزم الجانب الأميركي بإحاطة بوخارست علماً بماهية الأسلحة وحجم القوات التي يضعها البنتاغون في القواعد المزمع استخدامها داخل البلاد، ولا تخضع المعدات العسكرية فيها لرقابة السلطات الرومانية.

والأهم في كل ذلك، أن قاعدة للصواريخ الاعتراضية ستقام في رومانيا (إضافة لقاعدة أخرى في بولندا) بحلول العام 2018، في إطار الدرع الصاروخي الأميركي الأطلسي المشترك، الذي يتضمن أيضاً نشر رادار في تركيا، ومرفأ في إسبانيا، لمدمرات مزودة بأنظمة (AEGIS) لمعالجة النيران، وصواريخ اعتراضية قياسية من طراز "أس أم 3" (SM-3).

وكانت الولايات المتحدة قد أبرمت في العام 1953 اتفاقية عسكرية واقتصادية مع إسبانيا لمدة عشرة أعوام، حصلت بموجبها على حق إنشاء قواعد عسكرية، اعتبرت الأهم من نوعها على صعيد منطقة البحر الأبيض المتوسط عامة. وقد تم تجديد هذه الاتفاقية لفترات أقصر منذ ذلك الحين.

فلسفة السفن الحربية في البحر المتوسط
وإضافة للقواعد ونقاط الارتكاز الثابتة، تحتفظ الولايات المتحدة، على مدار العام، بعدد من السفن الحربية في حوضي المتوسط الشرقي والغربي. تنهض هذه السفن بمهام لوجستية واستطلاعية متقدمة. وتكمن فلسفتها الدفاعية الأساسية في كونها أداة توازن وردع في معادلة القوة المتوسطية.

وعلى سبيل المثال، تستطيع سفينة مزودة بأنظمة (AEGIS) وصواريخ  "أس أم 3" (SM-3) الاعتراضية، تتمركز في شرق البحر الأبيض المتوسط، أن تتعامل مع ظروف حرب صاروخية ضمن رقعة تغطي جنوب تركيا ولبنان وإسرائيل وشمال مصر.

وتُعد تلك الصواريخ المطوّرة ذات معدلات تسارع عالية، لديها ارتفاع اعتراض يفوق 1000 كيلومتر. وقد اختُبرت هذه الصواريخ بنجاح، كسلاح مضاد للأقمار الصناعية. وهذا يعني أن لديها القدرة على مواجهة الصواريخ الباليستية، بما فيها تلك العابرة للقارات (ICBMs). وكذلك الصواريخ الجوالة، التي تُطلق من الغواصات.

وعلى الرغم من ذلك، فإن المشكلة التقنية التي لا تزال قائمة تكمن في أن السفينة الواحدة لا تحمل أكثر من 24 من صواريخ "أس أم 3" (SM-3)، تقدر تكلفتها بعشرة ملايين دولار.

وتزود السفن الحربية الأميركية إجمالاً بأنظمة دفاع جوي للمديين القريب والمتوسط. والسفن الكبرى منها مزودة بثلاثة مستويات من أنظمة الدفاع الجوي، إذا أضفنا الدفاع للمدى البعيد.

وفي إطار مقاربتها المتوسطية ذاتها، بحثت الولايات المتحدة مع إسرائيل، قبل بضعة أعوام، في إمكانية وضع سفن مزودة بصواريخ "أس أم 3" (SM-3) قبالة السواحل الإسرائيلية، بيد أن الإسرائيليين رفضوا هذا الخيار، خشية تقييد قراراتهم العسكرية. واكتفوا بالعرض الخاص بنصب رادار من نوع (AN/TPY-2)، يدار بصورة مشتركة مع الأميركيين.

ويقوم الرادار (AN/TPY-2) بتتبع الأهداف في مراحل الانطلاق، وفي منتصف الرحلة وفي نهايتها. وهو قادر على اكتشاف الصواريخ قبل ألفي كيلومتر من وصولها إلى الهدف، الأمر الذي يمنح منظومات الدفاع ما بين 60 إلى 70 ثانية إضافية، للتصدي للصاروخ المهاجم.

منذ انتهاء حرب صيف العام 2006، تم تحويل المسؤولية عن العمليات العسكرية الأميركية المتصلة بالوضع في لبنان من القيادة الأميركية المركزية (السنتكوم) إلى القيادة الأميركية الأوروبية

ويعتمد الإنذار الإسرائيلي، في الوقت الراهن، على التقاط إشارات من قمر صناعي أميركي، يرصد انطلاق الصاروخ، ولكنه لا يوفر معلومات حول مساره ومكانه، بينما يحدد نظام (JTAGS )، الذي سيرتبط به الرادار (AN/TPY-2)، مكان الصاروخ، ويتيح توجيه الصواريخ الاعتراضية إليه، في مرحلة مبكرة من تحليقه.

وفي السياق، تم منذ انتهاء حرب صيف العام 2006، تحويل المسؤولية عن العمليات العسكرية الأميركية المتصلة بالوضع في لبنان من القيادة الأميركية المركزية (السنتكوم) إلى القيادة الأميركية الأوروبية.

واعتباراً من 23 أغسطس/آب 2006، استبدل فريق العمل 59 التابع للقيادة المركزية بالفريق المشترك لبنان التابع للقيادة الأوروبية. وضم فريق العمل المشترك، الذي وضع يومها تحت إشراف جون ستافلبيم، قائد الأسطول السادس، 2400 عسكري، وبوارج وطائرات على أهبة الاستعداد.

وفي جانب منه، عكس قرار نقل المسؤولية جهود التحوّل العسكري الدائر في كل من وزارة الدفاع الأميركية وحلف الناتو. وهناك سبب آخر للتحول هو المساهمات الأوروبية الإضافية، التي تقررت لقوات الأمم المتحدة لحفظ السلام في جنوب لبنان (اليونيفيل).

يبقى التطوّر الأحدث على الصعيد المتوسطي، هو ذلك المرتبط بنصب رادار من (AN/TPY-2) في جنوب شرق تركيا، في إطار الدرع الأميركي الأطلسي المشترك ضد الصواريخ الباليستية. وتقع محطة الرادار هذه في منطقة "كورسيك" (Kürecik) على بعد 435 كيلومتراً من الحدود الإيرانية.

وما يُمكن قوله خلاصة، هو أن الإستراتيجية الأميركية في منطقة المتوسط قد دخلت مرحلة نوعية على صعيد قدراتها الدفاعية والردعية. وبات لديها من المقومات ما لم تعثر عليه منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة