رؤية إيرانية مرتبكة لثورة مصر   
الأحد 1432/4/2 هـ - الموافق 6/3/2011 م (آخر تحديث) الساعة 10:54 (مكة المكرمة)، 7:54 (غرينتش)
محمد عباس ناجي


دلالات مهمة
رؤى مختلفة لمستقبل النظام
سيناريوهات مفتوحة


كان تزامن حلول الذكرى الثانية والثلاثين لقيام الثورة الإسلامية الإيرانية مع انتصار الثورة المصرية بتنحي الرئيس المصري السابق حسني مبارك عن منصبه في 11 فبراير/شباط 2011، مصادفة لافتة، أنتجت حالة من "النشوة" و"التباهي" في ردود فعل المسؤولين الإيرانيين تجاه "الانتفاضة" التي أنهت حكما دام نحو ثلاثين عاما.

لكنها في المقابل فرضت تحديات مهمة أمام نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فقد بدا هذا النظام في موقف متناقض بين تأييده العلني -وعلى لسان المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي- للمظاهرات المصرية واعتبارها أحد "تجليات" الثورة الإيرانية، وبين موقفه المتشدد في المقابل تجاه المطالب التي رفعتها حركة الاعتراض على نتائج الانتخابات الرئاسية التي أجريت في يونيو/حزيران 2009، وتحيزه الشديد لموقف الرئيس أحمدي نجاد الذي شككت هذه الحركة في شرعية فوزه بالانتخابات.

من هنا سارعت هذه الحركة لالتقاط الخيط واستثمار هذه الحالة من التناقض في موقف النظام لإحراجه، وفرض بدائل ضيقة أمامه، ربما تجعله يستجيب نسبيا لبعض المطالب التي طرحتها.

ولذا استغلت حلول الذكرى الثانية والثلاثين لقيام الثورة لإعادة تجديد مطالبها مرة أخرى، ورغم الإجراءات التي اتخذتها السلطات لمنع الحركة من تنظيم مظاهرات سواء للاحتفال بذكرى الثورة أو لتأييد انتفاضتيْ مصر وتونس، فإن ذلك لم يفلح في منع المتظاهرين من التجمع في "آزادي" (الحرية)، وهو ما أدى إلى حدوث اشتباكات أسفرت عن وقوع عدد من القتلى والجرحى في صفوف المعارضة.

دلالات مهمة
"
إعادة تجدد الأزمة داخل إيران مرة أخرى تطرح دلالة مهمة لما يمكن أن تشهده إيران في المرحلة القادمة، أولها أن الأزمة أصبحت تتجاوز إلى حد بعيد مجرد التشكيك في شرعية الرئيس أحمدي نجاد
"
إعادة تجدد الأزمة داخل إيران مرة أخرى تطرح مجموعة من الدلالات المهمة التي يمكن أن تقدم مؤشرات لما يمكن أن تشهده إيران في المرحلة القادمة، منها:

أولا، أن الأزمة أصبحت تتجاوز إلى حد بعيد مجرد التشكيك في شرعية الرئيس أحمدي نجاد.
فقد أدرك قادة الحركة أن رفضهم لنتائج الانتخابات الرئاسية لم يعد يجدي نفعا، خصوصا بعد اقتراب الفترة الرئاسية الثانية لأحمدي نجاد من عامها الثاني، وبداية ظهور مؤشرات تكشف عن استعدادات مبكرة لكثير من القوى السياسية الإيرانية للانتخابات الرئاسية المقبلة التي سوف تجري بعد عامين، بل إن "بورصة" الأسماء المرشحة للتنافس في الانتخابات بدأت في الظهور خلال الفترة القليلة الماضية، منها مدير مكتب الرئيس ومبعوثه إلى الشرق الأوسط إسفنديار رحيم مشائي وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي سعيد جليلي وهم حلفاء الرئيس أحمدي نجاد، ورئيس بلدية طهران محمد باقر قاليباف ورئيس مجلس الشورى علي لاريجاني الذين يوجهون انتقادات حادة للسياسة المتشددة التي تنتهجها الحكومة.

هذا الإدراك عكسه الرئيس السابق محمد خاتمي عندما ألمح إلى أن الإصلاحيين مستعدون للمشاركة في الاستحقاقات القادمة، مثل انتخابات الدورة التاسعة لمجلس الشورى الإسلامي التي سوف تجري في عام 2012، وانتخابات الدورة الحادية عشرة لرئاسة الجمهورية التي سوف تجري في عام 2013، إذا توافرت فيها شروط النزاهة والشفافية، مما يعني أن المعتدلين راغبون في العودة مرة أخرى إلى السلطة وتجديد التحدي أمام نظام الجمهورية الإسلامية ومنع انفراد المحافظين المتشددين بالسيطرة على أدوات صنع القرار.

ومعنى ذلك أن سقف المطالب التي تبناها المعتدلون أصبح يتجاوز -إلى حد كبير- مجرد التشكيك في شرعية الرئيس لينتقل إلى آفاق أوسع وأشمل، مثل فرض رقابة على صلاحيات المرشد الأعلى للجمهورية بل والتشكيك في شرعيته، لاسيما بعد موقفه المتحيز للرئيس والرافض بشدة للاستجابة لأي من مطالب حركة المعارضة، وقد كان ظهور شعار "مرك بر دكتاتور" (الموت للدكتاتور)، في إشارة إلى خامنئي، خلال المظاهرات التي جرت منذ يوم 14 فبراير/شباط 2011، مؤشرا إلى أن المكانة المرموقة التي يحظى بها موقع المرشد الأعلى للجمهورية بدأت تتعرض للاهتزاز ولم تعد كما كانت من قبل، وعلى أن الشرخ الذي أحدثته الأزمة السياسية داخل بنية النظام السياسي لا يمكن ترميمه بسهولة.

رؤى مختلفة لمستقبل النظام
وثانيا، أن الأزمة التي تواجهها إيران منذ حوالي عام ونصف لم تنتج عن صراع على السلطة، بل عن صراع على تحديد مستقبل إيران، الذي يخضع لحالة من الشد والجذب بين تيارات عديدة، يأتي على رأسها تياران أساسيان:
أولهما، يرى أن الحاجة أصبحت ماسة لفرض إصلاحات عميقة داخل النظام، وأن نظام الجمهورية الإسلامية فشل، بسبب نزعته إلى البقاء وعدائه للتغيير، في تنفيذ برامجه وطروحاته التي وصل بها إلى السلطة على أنقاض نظام الشاه في عام 1979.

أما ثانيهما، فيدعم نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ويؤكد أن الإنجازات التي حققها على الساحتين الداخلية والخارجية تمنحه شرعية البقاء والاستمرار، ومن ثم فإنه يرى أن المطالبة بإجراء إصلاحات ما هي إلا "مؤامرة" تحاك ضد إيران بتدبير قوى خارجية ومشاركة أطراف داخلية.

"
النظام الإيراني يعتقد أن الإنجازات التي حققها على الساحتين الداخلية والخارجية تمنحه شرعية البقاء والاستمرار، ومن ثم فإنه يرى أن المطالبة بإجراء إصلاحات ما هي إلا "مؤامرة" تحاك ضد إيران بتدبير قوى خارجية 
"
وعلي ضوء ذلك، طالب هذا الاتجاه باتخاذ إجراءات مشددة تجاه قادة الحركة، حيث ألمح المدعي العام غلام حسين محسني إيجئي إلى احتمال ملاحقة زعيميْ المعارضة مير حسين موسوي ومهدي كروبي، كما وقع 220 نائبا في مجلس الشورى، وهم من الأصوليين المحسوبين على تيار الرئيس أحمدي نجاد، على بيان يطالب السلطات باتخاذ خطوات حاسمة تجاه قادة الحركة، في إشارة إلى إمكانية تقديمهم للمحاكمة.

لكن إقدام النظام على خيار اعتقال قادة المعارضة كفيل بتجديد الأزمة التي عاشتها إيران على مدى عام ونصف، ومن ثم وضع صانع القرار الإيراني أمام بدائل ضيقة في وقت يواجه فيه تحديات خارجية حرجة بسبب التحركات التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية، بدعم من الدول الكبرى وإسرائيل، لفرض مزيد من الضغوط والعقوبات الدولية على إيران بسبب تشددها في الملف النووي، ورفضها الاستجابة لمطالب المجتمع الدولي الخاصة بوقف عمليات تخصيب اليورانيوم.

سيناريوهات مفتوحة
ومع ذلك، فإن التحديات التي يفرضها تجدد الاحتجاجات داخل إيران مرة أخرى لا تعني بالضرورة تكرار السيناريو المصري في إيران، وإن ظل احتمالا مطروحا، وذلك لاعتبارات عديدة:

أولها، أن ثمة "فروقا" جوهرية في الحالتين المصرية والإيرانية.
فقد كان لافتا أن الاحتجاجات التي نشبت في مصر جرت بدون قائد أو زعيم، حيث تجاوزت إلى حد كبير حدود الاستقطاب السياسي الموجود على الساحة بين أربعة اتجاهات رئيسية: قوميين، وماركسيين، وليبراليين، وإسلاميين، وكان ذلك مكمن القوة الذي أدى في النهاية إلى انتصار المحتجين الذين اجتمعوا على مطالب شكلت إطارا عاما حكم تفاعلاتهم مع مواقف الدولة، ومنعت تحول المظاهرات إلى فوضى كان يمكن أن تنتج تداعيات سلبية عديدة.

أما في حالة إيران، فالأمر مختلف، إذ إن العنوان الرئيسي للأزمة كان الاعتراض على نتائج الانتخابات الرئاسية التي أجريت في عام 2009، وليس الاحتجاج على أوضاع سياسية واقتصادية تعيشها الدولة حتى قبل نجاح الثورة، فضلا عن أن وجود أكثر من قائد أو زعيم للاحتجاجات كان عاملا سلبيا أكثر منه إيجابيا، قلل إلى حد ما من حالة الأهمية والزخم التي حظيت بها الحركة داخليا وخارجيا في بداية الأزمة.

فمع مرور الوقت اتسعت الفجوة تدريجيا بين قادة المظاهرات حول عدد من القضايا المحورية، على رأسها الموقف من نظام الجمهورية الإسلامية وقاعدته الأساسية المتمثلة في "ولاية الفقيه". وكان تباين رؤى وطروحات كل من مهدي كروبي رئيس مجلس الشورى السابق زعيم حزب "اعتماد ملي" (الثقة الوطنية)، ومير حسين موسوي -آخر رئيس وزراء في إيران (قبل أن يلغى المنصب دستوريا 1989)- أبرز مثال على ذلك.

إذ إن انتماء كروبي إلى قوى اليسار الإصلاحي (التي يمثلها الإصلاحيون المتدينون الذين يعملون من داخل النظام) دفعه إلى الدعوة للإصلاح في إطار النظام القائم، وبذل جهود مضنية حتى لا ينحرف مسار الإصلاحات.

أما موسوي فرأى أن الإصلاحات تغيير وتطوير واجب الحدوث في بنية النظام ومؤسساته، ومن ثم دعا إلى تقييد الصلاحيات الواسعة التي يحظى بها الولي الفقيه، مقابل توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية الممثلة في رئيس الجمهورية والحكومة.

وثانيها، أن نظام الجمهورية الإسلامية في إيران -رغم ما يواجهه من تحديات- ما زال يتمتع بقاعدة شعبية، ويحظى بولاء كامل من جانب الحرس الثوري وقوات التعبئة، التي تلتزم بسقف أيديولوجي وضعه النظام لها، وترى في رؤى وطروحات الإصلاحيين مؤامرة تحاك ليس فقط ضد النظام الذي أرسته الثورة، وإنما -وربما يكون ذلك هو الأهم- ضد مصالحها ودورها الواسع في إدارة الدولة.

وعلى ضوء ذلك لعب "الباسدران" و"الباسيج" دورا مهما في احتواء الأزمة السياسية التي أنتجتها الانتخابات الرئاسية وتقييد تحركات قادة وأنصار حركة الاعتراض على نتائج الانتخابات.

وثالثها، أن النظام سجل نجاحا نسبيا في تفتيت أركان المعارضة وإضعافها، من خلال إقناع بعض مؤيديها بالعودة إلى عباءة النظام من جديد، مثلما حدث مع رئيس مجلس الخبراء رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني، حيث اتخذت الدولة خطوات عديدة في هذا السبيل، منها اتجاه المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي إلى منح الضوء الأخضر لتقليص حدة الحملة الشرسة التي استهدفت رفسنجاني وأسرته من جانب المحافظين المتشددين وأجهزة الإعلام المحسوبة عليهم، مثل موقع "رجانيوز" القريب من الرئيس أحمدي نجاد، وبدا ذلك جليا في الحضور المتكرر لرفسنجاني في المناسبات السياسية والدينية السنوية في إيران، بعد أن عزف عنها طيلة أكثر من عام منذ دخوله في صدام مع المرشد والرئيس عقب إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية، على خلفية دعمه لمطالب حركة الاعتراض على نتائج الانتخابات.

لكن الأهم من ذلك هو تغير موقف رفسنجاني تجاه المعارضة، وهو ما عكسه تأييده للبيان الأخير الذي صدر عن مجلس الخبراء في 15 فبراير/شباط 2011 والذي أدان ما أسماه "قادة الفتنة"، وقال إن "الاضطرابات أثبتت بوضوح الآن أن المسألة هي مسألة ثورة وثورة مضادة، وأن تحديد الموقف من الثورة المضادة هو واجب ديني وسياسي وثوري".

أما رابعها وأهمها، فيتمثل في أن إيران من الدول الغنية بالموارد الطبيعية، لاسيما النفط والغاز، مما منحها "وفورات" مالية هائلة، وهو ما تتميز به عن مصر، حيث يبلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي نحو 338 مليار دولار، كما يصل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى 11.2 ألف دولار، فيما يبلغ معدل النمو 3%.

وقد هيأت هذه الثروة فرصة مهمة للدولة لمواجهة مطالب المعارضة والمواطنين من خلال استخدام ما يسمى "الرشوة السياسية"، فيما يشبه عقدا اجتماعيا تلعب فيها الدولة دور "دولة الرفاه الاجتماعي"، في مقابل عزوف مواطنيها عن المطالبة بحقوق سياسية أو اقتصادية أو غيرها.

"
التحديات التي يفرضها تجدد الاحتجاجات داخل إيران مرة أخرى لا تعني بالضرورة تكرار السيناريو المصري في إيران، بسبب الفروق الجوهرية بين الحالتين، وإن ظل ذلك احتمالا مطروحا
"
لكن ذلك لم يحدث في إيران، كما حدث في الدول النفطية الأخرى، لاعتبارات عديدة أهمها ارتفاع حجم السكان في إيران بالمقارنة بمثيلاتها من الدول النفطية، ليصل إلى حوالي 77 مليون نسمة، وانشغال النظام بتنفيذ برامج ورؤى متعددة حازت قدرا كبيرا من الدخل القومي.

صحيح أن إيران حققت من خلال ذلك نجاحات مهمة لاسيما على الصعيد الخارجي، حيث تمكنت من استثمار "العثرات" الأميركية في الشرق الأوسط، لتصبح رقما مهما في معظم الملفات الإقليمية إن لم يكن في مجملها، كما نجحت حتى الآن في مواصلة برنامجها النووي الطموح رغم كل ما تتعرض له من ضغوط وتهديدات، لكن الصحيح أيضا هو أن تلك النجاحات كانت لها انعكاسات داخلية، بشكل أدى في النهاية إلى تعرض الدولة لأزمات اقتصادية متتالية بسبب ارتفاع معدل البطالة (14.6%) ومعدل التضخم (11.8%)، وتعرض الدولة لعقوبات دولية متتالية، وربما يفسر ذلك الانتقادات المتزايدة من جانب العديد من القوى السياسية، حتى تلك القريبة من النظام، لبعض أبعاد الدور الخارجي الذي تقوم به الدولة لدعم بعض الجماعات والمنظمات الخارجية في الوقت الذي يعاني فيه الداخل من مشكلات اقتصادية مزمنة.

ما سبق يعني في مجمله أن الأزمة التي تواجهها إيران في الوقت الحالي ليست جديدة ولكنها متجددة، وربما يفسر ذلك أسباب الانتقال السريع لـ"عدوى" الثورة من مصر إلى إيران التي تقول المؤشرات إنها مقبلة على مفترق طرق مصيري سوف ترسم نهايته حدود واتجاهات الصراع السياسي الدائر الآن بين الثورة والثورة المضادة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة