إصلاح السلطة بين الطموح الفلسطيني والشروط الإسرائيلية   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم: داود سليمان داود*

- الفلسطينيون: إصلاح متأخر
- عرفات واحتراف المناورة

- رفض أميركي وإسرائيلي

أسهمت الانتفاضة الفلسطينية في تغيير العديد من ظروف وأوضاع المنطقة السياسية، ومازالت تتفاعل تلك التغييرات حتى الآن لتفضي إلى ترتيب وضع جديد في فلسطين والمنطقة بأسرها. ولكن يبدو أن السلطة الفلسطينية لم يدر في خلدها أن أمواج الانتفاضة ستصل إليها وهي التي ظنت أنها ستتمكن من ركوب تلك الأمواج لتحقق بعضا من المكاسب كما فعلت مع الانتفاضة الأولى التي تمكنت من ركوب أمواجها لتوصلها إلى شواطئ غزة إيذانا ببدء عصر فلسطيني جديد.

وعلى عكس سابقتها فقد عملت الانتفاضة الثانية على إجبار السلطة على إعادة النظر في تشكيلها بعد الانتقادات الحادة التي وجهها لها الشعب الفلسطيني وحتى أعضاؤها أنفسهم والخاضعة في الوقت نفسه للإملاءات الأميركية والشروط الإسرائيلية بضرورة إصلاح السلطة حتى تتمكن من القيام بواجباتها، ولتكون شريكا حقيقيا لشارون ومن يأتي بعده، وابنا بارا لعملية التسوية التي أنجبتها.

الفلسطينيون: إصلاح متأخر


يجمع العديد من المراقبين على أن عرفات ليس بارعا في الإستراتيجية، ولكنه بارع في المناورة والتكتيك، ففي كل مرة يزداد فيها الخناق عليه كان ينجح في الإفلات والظهور مجددا على ساحة العمل السياسي
لم تكن الانتقادات أو دعوات الإصلاح التي وجهت إلى السلطة الفلسطينية جديدة فمنذ عام 1997 بدأت الانتقادات توجه إلى مجلس الوزراء الفلسطيني، وذلك بعد إصدار المجلس التشريعي ملفا عن الفساد دعا فيه إلى محاسبة الوزراء المسؤولين عن الفساد. ولكن السلطة الفلسطينية لم تعر الموضوع أدنى اهتمام ولم تتعامل معه بجدية بل عمدت إلى الالتفاف على ذلك التقرير عبر تعيين عضو المجلس التشريعي ورئيس اللجنة التي أصدرت التقرير حكمت زيد وزيرا للزراعة بعد إقصاء وزير الزراعة في ذلك الحين عبد الجواد صالح لانتقاده أداء السلطة والفساد فيها.

وعلى الرغم من أن مجلس وزراء السلطة الفلسطينية لا يتمتع بصلاحيات حقيقية، إذ يعد مجلسا لتسيير الأمور المدنية في المناطق الفلسطينية الخاضعة للسلطة، فإن دعوات الإصلاح استمرت وبدأت بالبروز مجددا في أعقاب اجتياح قوات الاحتلال للمدن الفلسطينية وحصار مقر الرئيس عرفات في رام الله. وجاءت كلمة عرفات في المجلس التشريعي بعد إطلاق سراحه لتبعث بعض الأمل لدى الشارع الفلسطيني بإحداث تغييرات حقيقية في بنية السلطة تمكن الشارع الفلسطيني من الإبقاء على جذوة الانتفاضة مشتعلة لتحقيق الحلم الفلسطيني بزوال الاحتلال.

وجاء تزامن حديث عرفات عن الإصلاحات مع إطلاق سراحه والتفاهمات التي تم التوصل إليها بشأن كنيسة المهد واعتقال أعضاء الجبهة الشعبية المتهمين باغتيال وزير السياحة الإسرائيلي رحبعام زئيفي، ليشير بوضوح إلى أن توجه عرفات نحو إصلاح بنية السلطة كان توجها نابعا من اتفاق قد تم التوصل إليه مع الإسرائيليين.

استبدال الجياد

بتعيينه لليحيى وزيرا للداخلية يكون عرفات قد نجح في تلبية المطلب الأميركي بضرورة أن يكون وزير الداخلية في السلطة مسؤولا عن الأجهزة الأمنية، كما نجح أيضا في إبقاء سيطرته على الأجهزة الأمنية إذ لا يستطيع اليحيى فرض توجهاته على قادة الأجهزة الأمنية
يؤثر عن الرئيس الفلسطيني قوله "لا أستبدل الجياد في المعركة" وهو ما حدث عند الكشف عن أسماء أعضاء مجلس الوزراء الجديد للسلطة الفلسطينية، إذ بعد مرور قرابة شهر على إعلان عرفات نيته إحداث تغييرات في السلطة جاء الإعلان عن تشكيل مجلس الوزراء الجديد ليظهر أن التغيير الذي حدث لم يأت بجديد، إذ لا يشكل تقليص عدد أعضاء المجلس من 32 إلى 21 وزيرا أو دمج بعض الوزارات وإلغاء بعضها تغييرا حقيقيا لأن الخلل والانتقاد كان يوجه إلى أداء الوزراء ولم يكن موجها إلى عددهم.

ويلاحظ من التغييرات أن الوزراء الذين تم توجيه الانتقادات إليهم واتهموا بالفساد قد بقوا في مواقعهم وأن التغيير شمل أولئك الذين لا يتمتعون بأي ثقل حقيقي في داخل المجلس أو غير المقربين من رئيس السلطة.

ولعل الأمر البارز في التغيير الوزاري هو تنازل عرفات عن حقيبة الداخلية للواء عبد الرزاق اليحيى، وهي الوزارة التي استأثر بها وبوزارة التربية منذ تشكيل السلطة، كما أنها المرة الأولى التي تجمع فيها الأجهزة الأمنية تحت مظلة واحدة هي وزارة الداخلية ليكون اليحيى هو المسؤول عن جميع الأجهزة الأمنية الفلسطينية، إضافة إلى وزارة المالية التي أسندت إلى الخبير المالي الدولي سلام فياض.

عرفات واحتراف المناورة

يجمع العديد من المراقبين على أن عرفات غير بارع في الإستراتيجية ولكنه بارع في المناورة والتكتيك، إذ في كل مرة يزداد فيها الخناق عليه كان ينجح في الإفلات والظهور مجددا على ساحة العمل السياسي. فقد تمكن من الخروج من حصار بيروت عام 1982 والذي فرضه عليه شارون في ذلك الحين والتوجه إلى تونس، كما تمكن من العودة بعد تغيير موقفه من حرب الخليج الثانية.

وبعد حصار رام الله أدرك عرفات أنه لم يعد مرغوبا فيه من قبل الأميركان أو الإسرائيليين وحتى العرب وأن مسألة بقائه على رأس السلطة الفلسطينية مسألة وقت لا أكثر، خصوصا بعد بروز مدير جهاز الأمن الوقائي في قطاع غزة محمد دحلان ومحمد رشيد المستشار الاقتصادي لعرفات ودورهما البارز في مفاوضات كنيسة المهد ومحاكمة أعضاء الجبهة الشعبية ووجود قبول أميركي لهما.

محمد دحلان
وترافقت مخاوف عرفات مع تصريحات بعض القادة العرب وفي مقدمتهم الرئيس المصري حسني مبارك عن قبول مبدأ تغيير رئيس السلطة نفسه إذ صرح مبارك لصحيفة نيويورك تايمز "أنه يمكن تغيير عرفات بعد عام من الآن، لأنه لا بديل عنه لتنفيذ الإصلاحات وإطلاق التسوية".

هذه التطورات دفعت عرفات إلى ممارسة المناورة للتخلص من كل هذه الضغوط والإبقاء على منصبة دون مساس.

وقد جاءت التغييرات التي أحدثها عرفات ببنية السلطة لتعبر عن محاولة عرفات التخلص من الضغوطات الأميركية والشروط الإسرائيلية للإبقاء على موقعه في العملية السلمية.


بعد حصار رام الله أدرك عرفات أنه لم يعد مرغوبا فيه وأن بقاءه على رأس السلطة مسألة وقت، خصوصا بعد بروز محمد دحلان ومحمد رشيد ودورهما في مفاوضات كنيسة المهد ومحاكمة أعضاء الجبهة الشعبية ووجود قبول أميركي بهما
وأقدم عرفات على تحجيم دور دحلان بتعيينه مستشارا أمنيا له بعد أن كانت التكهنات تشير إلى أن دحلان سيكون المسؤول عن الأجهزة الأمنية، ويكون بذلك قد ضمن إبقاء دحلان بعيدا عن مسؤولية أي جهاز أمني وتحجيم دوره قدر الإمكان. كما عمل على إبقاء جبريل الرجوب الذي وجهت إليه انتقادات عديدة من قبل القوى الفلسطينية والشارع الفلسطيني وظهر خلافه مع دحلان ورشيد إلى السطح بعد تبادل الطرفين الاتهامات بالتقصير فيما تفاوضوا عليه مع الإسرائيليين أثناء الاجتياح الإسرائيلي للضفة الغربية، وهي الخطوة التي تشير إلى أن عرفات يعمل على إبقاء التوازن داخل المؤسسة الأمنية حتى يتسنى له السيطرة عليها.

وجاء تعيين اللواء عبد الرزاق اليحيى وزيرا للداخلية مفاجأة للجميع حتى لليحيى نفسه إذ بعد أن تم تعيينه مسؤولا عن الأجهزة الأمنية تفاجأ اليحيى والمقربون من عرفات عندما قدمه أمام الملحق الاقتصادي الفرنسي على أنه وزير الداخلية الفلسطيني الجديد.

جبريل الرجوب
وبتعيينه لليحيى وزيرا للداخلية يكون عرفات قد نجح في أمرين أولهما تلبية المطلب الأميركي الذي يتحدث بالحنجرة الإسرائيلية بضرورة أن يكون وزير الداخلية في السلطة الفلسطينية مسؤولا عن الأجهزة الأمنية، وفي ذات الوقت إبقاء سيطرته على الأجهزة الأمنية إذ يعد اليحيى شخصا يصعب عليه فرض توجهاته على قادة الأجهزة الأمنية والسيطرة عليهم.

ولإظهار إتمام عملية الإصلاح التي طالبت بها الولايات المتحدة وإسرائيل عمد عرفات في الوقت نفسه إلى تعيين سلام فياض وزيرا للمالية، إذ كان أحد الشروط الإسرائيلية هو السيطرة على الموارد المالية للسلطة الفلسطينية بعد الدعم المالي الذي تلقته حركة فتح وقيام فؤاد الشوبكي بتمويل شحنة الأسلحة في سفينة كارين إيه.

وبهذه التغييرات اعتبر عرفات أنه قد تمكن من التخلص من الضغوط التي تمارس عليه دون تهديد مكانته كرئيس للسلطة الفلسطينية يحتفظ بكل الصلاحيات التي تمكنه من الاحتفاظ بمفاتيح أي حل سيتم التوصل إليه مع الجانب الإسرائيلي.

رفض أميركي وإسرائيلي

سعى عرفات لضمان قبول تغييراته التي أحدثها في بنية السلطة الفلسطينية، غير أن إصلاحاته تلك لم يقبلها الشارع الفلسطيني وقواه السياسية التي رأت أنها لم تحقق الحد الأدنى من طموحات الشعب الذي كان يأمل أن تكون الإصلاحات بداية تغيير جذري قائم على مقاومة الاحتلال وترتيب البيت الفلسطيني الداخلي.

كما لم تلق الإصلاحات الوزارية قبولا لدى الأميركيين والإسرائيليين إذ رغم حرص عرفات على مشاورة القيادة المصرية في تشكيل المجلس الوزاري وإدخال التعديلات على بنية السلطة وخصوصا الأمنية لمساعدته في التخلص من الضغوط الأميركية والمطالب الإسرائيلية في ذات الوقت، فإن الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية اللتين اعتبرتا أن تلك الإصلاحات ما هي إلا ذر للرماد في العيون وأنها لم تقدم جديدا على صعيد التغييرات المنشودة ومكافحة حركات المقاومة المسلحة. وجاء الرد الإسرائيلي على إصلاحات عرفات بمحاصرة مقره مرة أخرى واجتياح المدن الفلسطينية.

ضغوط ومزيد من التنازل
سعى رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون لإقصاء عرفات عن قيادة السلطة الفلسطينية وإيجاد بديل له من داخل السلطة ليتولى زمام الأمور، إلا أن الرفض الأميركي لخطط شارون دفعه إلى المطالبة بإحداث تغييرات شاملة في بنية السلطة تهدف إلى إضعاف سلطات عرفات وتهميش دوره.

وقد ساندت الإدارة الأميركية تلك الرؤية لكونها تضمن صيغة ترضي الدول العربية التي لا تريد رحيل عرفات الآن على الأقل، كما ترضي الجانب الإسرائيلي الذي لا يرى في عرفات "شريكا حقيقيا للسلام".

إضافة إلى ذلك فإن الإدارة الأميركية تدرك أنه من غير الممكن التعاون مع شخصيات فلسطينية أخرى غير عرفات حاليا، إذ ليس هناك من يستطيع أن يقود السلطة الفلسطينية في هذا الوقت على الأقل ويفاوض من أي موقع يسمح له بتقديم تنازلات سيكون ثمنها باهظا فلسطينيا وعربيا، وهي نفس الرسالة التي قد يكون نقلها الرئيس المصري حسني مبارك في زيارته الأخيرة إلى واشنطن.


واشنطن تدرك أنه من غير الممكن التعاون حاليا مع شخصيات فلسطينية غير عرفات إذ ليس هناك من يستطيع أن يقود السلطة في هذا الوقت على الأقل ويفاوض من أي موقع يسمح له بتقديم تنازلات سيكون ثمنها باهظا فلسطينيا وعربيا

وتسعى إسرائيل من وراء محاصرتها مجددا لمقر عرفات واجتياحها للمدن الفلسطينية مرة أخرى لمزيد من الضغوط على الرئيس الفلسطيني ليقدم تنازلات جديدة ويحجم دوره القيادي في السلطة الفلسطينية، فقد لاحظ الجانب الإسرائيلي أنه كلما مارس المزيد من الضغط على القيادة الفلسطينية تجاوبت تلك القيادة مع ما يطلب منها تنفيذه.

وتعمل حكومة شارون أيضا على إنزال سقف التوقعات الفلسطينية والعربية إذا ما تم استئناف المسار السياسي. ومن شأن تخفيض تلك التوقعات أن تدفع السلطة الفلسطينية والعرب إلى القبول بحل مرحلي دون تحديد سقف زمني لقيام الدولة الفلسطينية التي يدرك الإسرائيليون أن أي مفاوضات لصيغة تلك الدولة ستدفعهم إلى تقديم تنازلات كبيرة من وجهة نظرهم وهو ما لا يقبلون به.

ومهما كانت التغيرات والإصلاحات التي قامت وستقوم بها السلطة الفلسطينية التي ستكون مشبعة بغبار الدبابات الإسرائيلية، فإن أي حل ستتوصل إليه أي سلطة فلسطينية مع الجانب الإسرائيلي لا يلبي أساسيات طموحات الفلسطينيين، لن يتمكن من الصمود في وجه الشارع الفلسطيني.

_______________
* صحفي وكاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة