نتائج الانتخابات الإسرائيلية.. تشدد داخلي وإرباك خارجي   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

شارون يقرأ التوراة أمام حائط البراق عقب فوزه في الانتخابات الماضية (أرشيف)

* داود سليمان محمد داود

أسباب فوز شارون
شارون المنتصر المأزوم
مستقبل التسوية السلمية

لم تأت نتيجة الانتخابات الإسرائيلية مغايرة لاستطلاعات الرأي التي سبقت العملية الانتخابية، غير أن الإعلان عن تلك النتيجة أظهر أن الساحة السياسية في الدولة العبرية مقبلة على تغييرات جديدة في خارطتها الحزبية. كما وضعت تلك الانتخابات دول المنطقة أمام استحقاقات عديدة يتوجب عليها التعامل معها وفق أسس وصيغ جديدة.

أسباب فوز شارون

يمكن القول إن النتيجة التي أسفرت عنها الانتخابات الإسرائيلية كانت منطقية وغير مفاجئة. فعلى العكس من شارون الذي أبدى صلابة في مواجهة الانتفاضة الفلسطينية والتعامل مع السلطة الفلسطينية وعلى رأسها ياسر عرفات، سارع عمرام متسناع بعد انتخابه رئيسا لحزب العمل إلى الإعلان عن نيته المضي قدما في عملية التسوية مع الفلسطينيين، واستعداده للقاء عرفات وإزالة المستوطنات وتقاسم القدس، في ذروة اشتداد الانتفاضة واقتناع الشارع الإسرائيلي بوجوب وقف الخطر الفلسطيني واجتثاثه من جذوره. في حين أن قضايا كالتي تطرق لها متسناع كانت تثير جدلا حادا في الشارع الإسرائيلي، قبل اندلاع الانتفاضة الفلسطينية وميله نحو اليمين.


خلت المعركة الانتخابية من القضايا الجوهرية التي يتنافس الحزبان الرئيسيان في الدولة العبرية حولها، وكانت قضية الخوف من الفلسطينيين والرغبة في توجيه الضربات لهم هي الأبرز والأهم لدى الشارع الإسرائيلي، إلا أن ذلك لم يمنع حزب العمل من محاولة إثارة عدد من القضايا ليلفت اهتمام الشارع الإسرائيلي حولها ويجعلها حوارا للتنافس مع ليكود
وقد خلت المعركة الانتخابية من القضايا الجوهرية التي يتنافس الحزبان الرئيسيان في الدولة العبرية حولها، وكانت قضية الخوف من الفلسطينيين والرغبة في توجيه الضربات لهم هي القضية الأبرز والأهم لدى الشارع الإسرائيلي. إلا أن ذلك لم يمنع حزب العمل من محاولة إثارة عدد من القضايا ليلفت اهتمام الشارع الإسرائيلي حولها، ويجعلها حوارا للتنافس مع ليكود فقد عمد العمل إلى التركيز على أهمية الجدار الفاصل بين الدولة العبرية والتجمعات الفلسطينية، والأزمة الاقتصادية التي يمر فيها المجتمع الإسرائيلي منذ الخمسينيات من القرن الماضي. وكانت آخر تلك المحاولات قضية الفساد التي أثيرت حول شارون وابنيه قبل وقت قصير من الانتخابات. غير أن تلك القضايا لم تفلح في إثارة الرأي العام في إسرائيل، وجعله يهمل الكيفية التي ستتصدى بها أي حكومة قد تمسك زمام السلطة للانتفاضة الفلسطينية.

وهو ما يفسر -حسب عدد من المراقبين- خلو الانتخابات الإسرائيلية لأول مرة من أي وعود انتخابية، والاعتماد على خوف الشارع الإسرائيلي لنيل أكبر عدد من الأصوات وتحقيق الفوز برئاسة الحكومة.

شارون المنتصر المأزوم

حرص شارون منذ الإعلان عن فوزه على التلويح لحزب العمل بإمكانية تقاسم السلطة معه وتشكيل حكومة وحدة وطنية، تساعده في المضي قدما بمشروع التسوية السلمية التي سيجد نفسه مطالبا من قبل الأطراف الخارجية خصوصا الولايات المتحدة على استئنافها.

إلا أن رغبة شارون اصطدمت بعدد من العقبات جعلته يدرك أن صناديق الاقتراع التي أوصلته لسدة الحكم وضعته في الوقت ذاته في مأزق تشكيل حكومة ذات أغلبية، قادرة على التعامل مع الجبهة الداخلية وقمع الانتفاضة الفلسطينية وتكون قادرة في ذات الوقت على المضي قدما في التسوية السلمية.

ويتمثل ذلك المأزق في تعزيز الجناح المتشدد داخل حزب ليكود، حيث تمكن الحزب من مضاعفة قوته داخل الكنيست بحصوله على 37 مقعدا في الكنيست الحالي مقابل 19 مقعدا في السابق، مما عزز ذلك الجناح الذي اتخذ قرارا قبل ثلاثة أشهر ضد قبول إقامة دولة فلسطينية على عكس رغبة شارون، الأمر الذي يجعله يعترض على مشاركة العمل له في الحكومة، ما دام بإمكانه تشكيل تحالف من القوى اليمينية التي حصلت على عدد كاف من المقاعد تمكن ليكود من تشكيل حكومة دون الحاجة إلى حزب العمل.

أرييل شارون وعمرام متسناع
في الوقت ذاته رفض زعيم حزب العمل عمرام متسناع رفضا قاطعا تشكيل حكومة وحدة وطنية مع ليكود، وأن يكون دوره عبارة عن ورقة توت تغطي مساوئ سياسة شارون واليمين.

ويعتمد العمل على رفضه على أن متسناع يريد أن يكون قائد المعارضة في الكنيست، وهو ما قد يدفع شارون عندها للتوجه إلى أحزاب اليمين وتشكيل حكومة بأغلبية يمينية، قد تؤدى إلى أزمة حكومية جديدة تستدعى إجراء انتخابات مبكرة يكون خلالها الشارع الإسرائيلي قد اكتشف مساوي ليكود واليمين معا.

ويبقى أمل شارون بانضمام حزب العمل لحكومة وطنية قائما في حال شنت الولايات المتحدة حربا قريبة على العراق، أو في حال تمكن شارون من إقناع الإدارة الأميركية بالضغط على متسناع للدخول في حكومة كهذه ليسهل عليه المضي في عملية التسوية.

ولكن إذا استمر حزب العمل في رفض تشكيل حكومة وحدة وطنية مع ليكود، فإن شارون سيجد نفسه مدفوعا إلى تشكيل حكومة يمينية لا يتوقع لها الصمود كثيرا، عند بدء الحديث عن التحركات الدبلوماسية ووجوب دفع فاتورة الحرب ضد العراق والتقدم على مسار التسوية السلمية. فشارون يدرك أن تحالفه مع اليمين قد يسبب له توترا في الداخل والخارج، لذا فإنه يدرك عند تشكيله حكومة كهذه فإن عليه الاستعداد إلى إجراء انتخابات جديدة، وهو الأمر الذي دفعه إلى اتخاذ قرار بحل الكنيست بعد انهيار ائتلافه مع حزب العمل.

مستقبل التسوية السلمية


على عكس الموقف الذي اتخذه المعنيون بالعملية السلمية سواء الأوروبيين أو العرب، عند انتخاب شارون قبل عامين تبنى أولئك مواقف جديدة من شارون بعد فوزه في الانتخابات الحالية، وأصبح التعامل معه أمرا لا بد منه، وهو ما سيفرض على تلك الأطراف التعاطي بالتالي مع أطروحاته التي رفضوها سابقا
على عكس الموقف الذي اتخذه المعنيون بالعملية السلمية سواء الأوروبيين أو العرب عند انتخاب شارون قبل عامين، تبنى أولئك مواقف جديدة من شارون بعد فوزه في الانتخابات الحالية وأصبح التعامل معه أمرا لا بد منه، وهو ما سيفرض على تلك الأطراف التعاطي بالتالي مع أطروحات شارون التي رفضوها سابقا.

وعليه فإن خارطة الطريق التي تبنتها الإدارة الأميركية كأساس للمضي في علمية التسوية، قد تكون هي الصيغة التي سيركن إليها شارون عند تعامله مع ملف التسوية السلمية مع بعض التغييرات التي يريدها الجانب الإسرائيلي، وستركز تلك التغييرات على:

- استبدال ياسر عرفات إما باستبعاده نهائيا أو تقليص دوره بحيث لا يعود له دور في أي مفاوضات تجري مع إسرائيل، وتطبيق الإصلاحات في بنية السلطة الفلسطينية.

- وقف كافة أنواع المقاومة للشروع في تطبيق أي صيغة للتوصل إلى حل.

- عدم ربط التقدم بالمفاوضات بجداول زمنية، إنما بالإنجازات التي تنفذ على الأرض.

ولن تواجه الحكومة الإسرائيلية أي اعتراضات على مطالبها تلك. فالولايات المتحدة -وفق ما يقوله مسؤولون في الإدارة الأميركية- ستمنح الدولة العبرية وقتا كافيا قبل الإعلان عن خارطة الطريق بصيغتها النهائية. وتأتى زيارة شارون المرتقبة إلى واشنطن في سياق التفاهم مع الإدارة الأميركية على صيغة تلك الخطة، كما سيسعى شارون إلى إقناع بوش بتحريك العملية السلمية بالتزامن مع الحرب ضد العراق وعدم الانتظار إلى ما بعد الحرب، وذلك حسب ما تقوله الصحف العبرية.

أما عربيا فإن موقف شارون من رفض التعامل مع عرفات ودعوته لإقصائه لن يشكل حجر عثرة في طريق البحث عن إيجاد أرضية مشتركة للتعامل مع شارون، وقد ظهر هذا الموقف بعد تصريح الرئيس المصري من أنه يجب التعاون مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بأسلوب جديد، ودعوة الأخير لزيارة القاهرة.

أما أوروبا فإنها تدرك أن خارطة الطريق لم تصل إلى مرحلة التطبيق، إذ لم تعتمد بشكل رسمي من قبل الإدارة الأميركية. وعليه يمكن القول إن الأوروبيين سيواصلون التزامهم ودعوتهم إلى الالتزام بخارطة الطريق، مع موافقتهم على تدارس سيناريوهات بديلة تقنع الإسرائيليين وتوافق عليها الإدارة الأميركية. ومهما كانت الصيغة النهائية التي سيستقر عليها شكل الحكومة العبرية الجديدة في الكنيست، فإنه لا يمكن الاعتماد على برامج وتوجهات الأحزاب بالدولة العبرية لتحل للفلسطينيين والعرب القضية الفلسطينية، دون اعتمادهم إستراتيجيات وأدوات جديدة في تعاملهم مع نتائج صناديق الانتخابات الإسرائيلية.

* كاتب صحفي فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة