الطريق إلى فلسطين.. ما العمل؟   
السبت 1432/10/12 هـ - الموافق 10/9/2011 م (آخر تحديث) الساعة 15:24 (مكة المكرمة)، 12:24 (غرينتش)
زياد منى

 
مع اقتراب تاريخ إعلان سلطة رام الله قيام دويلتها العتيدة هذا الشهر، للمرة العاشرة بعد الألف العاشرة، تبدو فلسطين أبعد في هذه الأيام، وأن الاقتراب منها كمن يقترب من الأفق.. والأفق، كلنا يعرف، خط وهمي يرسمه الناظر، كلما اقترب منه ابتعد عنه.

واقع الأمر، أن هذا العمل، إن تم حقًا، ومعظم قرارات تلك القيادة هي وعيد أكثر منه وعود، فسيلحق أضرارًا إضافية بالقضية لأنه يكشف تعري سلطة رام الله من آخر أوراق التوت التي كانت تدعي التمسك والإمساك بها، بتخليها عن "حق العودة"، وكالعادة، من دون مقابل.
وإزاء حالة الإحباط الفلسطينية المحيطة، وكون "الربيع العربي" محاصرًا الآن بين برودة شتاء قارس وعاصف ولهيب صيف وجفافه، ثمة حاجة ماسة لإيلاء قضية العرب المركزية، قضية فلسطين، انتباهًا خاصًا ومنحها ما تحتاج إليه من رعاية وعناية، بعيدًا من الاتكال على الغير ومقولة "الحتمية التاريخية، لكننا سنعود إلى هذه لاحقًا.
 
ما العمل؟، يسأل كثيرون.
لا شك في أن الطريق إلى فلسطين الجديدة، الحرة حقًا، مليء بكثير من الألغام وبصعوبات جمة، بل قد يبدو للبعض أنه مغلق بسبب رجحان كفة القوى "الظاهري" المعادية لهذا الهدف الوطني والقومي.

عند دراسة تجربة الحركة الوطنية الفلسطينية منذ عام 1965، وتحديدًا بعد "الخروج" من الأردن والانتقال إلى لبنان ونبذ طريق الثورة والانغماس في "عملية التسوية"، يتأكد المرء من أن أسباب الهزيمة لم تكمن أبدًا في تقصير الشعبين الفلسطيني (واللبناني)، بل وكل شعوب أمتنا العربية وامتناعهم عن العطاء من أجل القضية (تفاني الفدائيين في معركة الكرامة عام 1968 أثار حماسة عربية جارفة حتى دفع أميرين من الكويت لترك الحياة الراغدة في بلادهما وقصورهما وانضما إلى فتح)، ولا في كون العدو كلي القدرة حيث أذله مقاتلو حزب الله في جنوبي لبنان عام 2006.

"
السبب الأول للهزائم المتتالية التي لحقت بنا كمن في أن القيادة تقليدية قاصرة وغير مؤمنة لا بشعب ولا بكفاح مسلح، همها الأول والأخير المحافظة على مواقعها "القيادية" أيًا كان الثمن
"
السبب الأول للهزائم المتتالية التي لحقت بنا كمن في أن القيادة تقليدية قاصرة وغير مؤمنة لا بشعب ولا بكفاح مسلح، همها الأول والأخير المحافظة على مواقعها "القيادية" أيًا كان الثمن. قيادة ابتلي بها شعبنا المغلوب على أمره، على درجة من النرجسية وجنون العظمة منقطعتي النظير.

إن ابتعاد القيادة عن الإيمان بالشعب وبمقدراته الهائلة، التي تتجلى في أيامنا هذه بأبهى صورها في انتفاضات شوارع مدننا وقرانا العربية، جعلها لا تترك طريقًا للهزيمة إلا واندفعت فيه بحماسة جنونية، وتجنبت طرق أبواب طريق نصر واعد. بل إنها منعت الغير من خوضه فكفّرت معارضيها وخونتهم، وكانت التهمة جاهزة دومًا: عميل لسوريا، عميل لليبيا، عميل للعراق (لكن الأمر انتهى بها إلى التحالف معه، ذيليًا، في مغامرته الجنونية الظالمة في الكويت التي لم تجلب للعرب سوى الكوارث)، لكنها لم تتهم أحدا يوما ما بـ"العمالة" لنظام كامب ديفيد وغيرها من الأنظمة المستسلمة.
 
الطريق الأقصر المؤدي إلى فلسطين يبدأ بالاعتراف بأننا الآن في مرحلة الهزيمة، مهما حاول البعض إظهار على العكس. ووجب أيضًا الاعتراف بما ارتكبناه من أخطاء أوصلتنا إلى ما نحن فيه من ضياع. ويلي ذلك تعريف تلك الأخطاء كي نتجنبها.

ذروة الفشل والهزيمة الفلسطينية كان عام 1974 عندما تبنت الحركة الوطنية ما سمي "البرنامج المرحلي/ برنامج الحد الأدنى"، أي كونه مرحلة على طريق تحرير فلسطين. هذا تحول، بديهيًا، إلى برنامج الحد الأقصى، أما الحد الأدنى الذي تقبل به قيادة الهزائم فلا قاع له.
قيل: من يتنازل عن حبة تراب من وطنه فإنه على استعداد للتنازل عنه كله.

انطلاقًا من هذا، فإن أي عمل يجب ألا يحيد عن الهدف الوطني وهو تحرير فلسطين وإقامة الدولة العربية الحرة فعلاً، أي التي يتساوى فيها سكانها في الحقوق والواجبات.
 
التحول من برنامج "الحد الأدنى" إلى "الحد الأقصى" سببه عدم تعليل أسباب الأخذ به. حقيقة الأمر أن تبني القيادة الفلسطينية للبرنامج تم استجابة لسياسة التسوية التي فرضها أنور السادات، والقيادة الفلسطينية كانت ولهة به إلى أن استبدلت واشنطن وتل أبيب به.

لقد حذرت شخصيات وطنية فلسطينية في الماضي من انحراف القيادة، لكن عصبيتنا الجماعية منعتنا وقتها من الإنصات بهدوء لكل التحذيرات التي كانت تطلق، إلى أن وقعت الكارثة الوطنية المعاصرة، وعدنا بنضالنا عقودا إلى الوراء.

القائد العام قال أمام وفد فلسطيني: الدولة في جيبي. عندها خاطبه الراحل إدوارد سعيد: أرنا إياها!.
وقيل إنه قال، ردًا على جورج حبش الذي اتهمه بأنه يريد دولة (ولو على مزبلة في أريحا): عاوز دولة ولو على ظهر حمار!.
 
أي تحرك جديد للشعب الفلسطيني عليه الاستفادة من التجارب النظرية والتطبيقية، وتفادي الخوض في نقاشات إشكالية عقيمة، وأولها الفكرية. لذا وجب الاتصال بمن تبقى من شخصيات فلسطينية شاركت في صناعة مشروع الثورة (فتح وغيرها) والاستماع جيدًا إلى ما لديها (التجارب المكتوبة معظمها بقلم قادة الهزيمة ولذا فإنها أكاذيب وتضليل ومديح للذات).

قلنا: "مشروع ثورة" لأنه لم تكن هناك ثورة فلسطينية إطلاقًا. حتى عام 70/1971 كان هناك مشروع ثورة، وما تلي ذلك "أكذوبة فلسطينية اسمها ثورة"، من دون أن يعني هذا التقليل بأي حال من الأحوال من تضحيات شعبنا الجسام، التي استغلتها القيادة للهرولة في طريق التخلي عن فلسطين.
 
"
أي تحرك جديد للشعب الفلسطيني عليه الاستفادة من التجارب النظرية والتطبيقية، وتفادي الخوض في نقاشات إشكالية عقيمة، وأولها الفكرية
"
كما أهملت القيادة الفلسطينية، وعن وعي وسبق إصرار و"ترصد"، الحركات الوطنية في العالم العربي، وفي الأردن على نحو خاص، حيث عملت معها بعقلية الهيمنة؛ القيادة الفلسطينية مارست تلك العقلية في تعاملها مع كل الحركات الشعبية ومنها على سبيل المثال تجربة "الجبهة العربية المشاركة للثورة الفلسطينية" التي قادها القائد العربي الراحل كمال جنبلاط، حيث حولتها إلى "الجبهة العربية المساندة . ."، ثم ألحقت بها شعار "يا وحدنا" لتسويغ استسلامها، و"القرار الوطني الفلسطيني المستقل" والذي ثبت أنه مستقل فقط عن إرادة الشعب الفلسطيني وأبناء الحركة.
 
المطلوب إذًا الالتحام العضوي بين أي حركة وطنية فلسطينية جديدة مع الحركة الوطنية في الأردن (أو الحركة الوطنية الأردنية إن شاء البعض). هذا أمر طبيعي لأسباب تاريخية وجغرافية بديهية ليس ثمة من حاجة إلى تأكيدها هنا.
والمطلوب أيضًا توحيد العمل الوطني الفلسطيني في كل من فلسطين المحتلة عام 1948 وعام 1967 وفي الأردن. توحيد العمل المشترك، مع الأخذ في الاعتبار، الظروف المختلفة في كل منطقة جغرافية. القيادة الفلسطينية، أهملت شعبنا في "إسرائيل"، ولم تتذكره إلا مرة واحدة عندما سعت لدفعه للتصويت إلى هذا الحزب الصهيوني أو ذاك.
 
ووجب الاتصال بالقوى اليهودية المعادية للصهيونية في فلسطين المحتلة وخارجها والسعي للتنسيق معها، ونقصد في المقام الأول اليهود العرب (المزراحيم)، ولكن ليس هم فقط. نقول هذا عالمين بعصبيتهم الحالية ومعاداتهم المحمومة لنا، لكنهم يحملون في داخلهم عواطف وجذورا عربية وجب مخاطبتها ومحاولة استمالتها، مهما بدا ذلك صعبًا الآن.

الهدف تشكيل جبهة عريضة معادية للصهيونية العنصرية التي هي عقيدة أوروبية "أشكناز" في المقام الأول. والظن بأن تحرير فلسطين من دون مشاركة المزراحيم والقوى اليهودية المعادية للصهيونية ضار.
 
والمطلوب أيضًا اللقاء مع القوى والشخصيات اليهودية و"الإسرائيلية" المعادية للصهيونية، أي التي تتبنى برنامج قيام فلسطين الحرة مكان الكيان الصهيوني، سواء من منطلق فكري أو ديني أو غير ذلك.
وجب دراسة تجارب تلك القوى والشخصيات والتعلم منها والتعامل معها على أنها شريكة في عملية التحرير، وليس من منطلق انتهازي، لأن فلسطين الجديدة ستكون في نهاية المطاف مختلطة السكان من فلسطينيين مسلمين ومسيحيين ويهود عرب استعادوا هوياتهم القومية.

نعم، لقد طرحت القيادة الفلسطينية مبدأ الاتصال بالقوى اليهودية المعادية للصهيونية في برامجها، لكن من باب الالتفاف على قرار حظر الاتصال بالقوى الصهيونية حيث تحول ذلك المبدأ إلى (الاتصال والتنسيق مع القوى الصهيونية فقط).

لا شك في وجود مداخل وطرق كثيرة أخرى للنضال الوطني سيتعرفها المشاركون في ولادة حركة وطنية فلسطينية جديدة، من أجل فلسطين جديدة، وكل ما طرحناه هنا أفكار رئيسة ليس أكثر.

إن وجود شعبنا الثابت في الوطن المحتل، وتجاربه النضالية الكبرى في الانتفاضتين، وانكشاف القوى الفلسطينية المستسلمة، داخل سلطة رام الله وخارجها، عوامل تشكل جميعها معينًا لا ينضب ودروسًا تاريخية وجب الاستفادة منها لتحويل الهزيمة إلى نصر، والتخاذل إلى نضال.
 
نحن نتحدث هنا عن تحرير فلسطين من منطلق "الحتمية التاريخية"، لكن ليس من خلال وهم وجود شيء بالاسم، ولكن من إدراك أنه (ما ضاع حق وراءه مُطالِب).

الحتمية التاريخية تحصل عندما يعمل صاحب الحق بجد وأمانة ونكران ذات من أجل تحصيله أو استعادته. لقد أبيدت شعوب من قبل وتمزقت أمم وهَزَمَ الباطل الحق في مختلف بقاع العالم، لأنه لم يوجد من يعمل من أجل إحقاقه "أو لأنه لم يمتلك القوة المطلوب توافرها لمواجهة التحديات".
 
لكن تمكن شعوب أمتنا العربية من تحطيم جدار الخوف في كثير من بلادنا وأوطاننا المظلومة واعد، ودليل على حيوية هذه الأمة العتيقة الضاربة جذورها في أعماق أراضينا.

قد تبدو هذه الأفكار مثالية أو خيالية، ولكن التغيير يبدأ دومًا بحلم جميل نقي وطاهر.
 
لنتذكر أن الغزو الاستعماري الحالي ليس بالأول. فلقد جاء إلى وطننا العربي كثير من الغزاة والمغامرين والطامعين وجحافل القتلة وقطعانهم، وفي كل مرة هزمناهم وطردناهم. فقد مر على بلادنا المحتل الفارسي المجوسي والغزاة الإغريق والرومان بالإضافة إلى الفرتيين الوثنيين، ثم جاءت بيزنطة والصليبيون الفرنج وقطعان التتر والمغول، ومن بعدهم جاء المستعمر الغربي الإنجليزي والفرنسي والإيطالي والإسباني والبرتغالي، ثم جرب الأميركيون حظوظهم، وكان على كل من وطئت قدماه أرض بلادنا ورغب في البقاء فيها، التمثل والانصهار في الحضارة العربية الإسلامية، ومن لم يرق له هذا كان عليه الرحيل، طردًا.
 
"
مهمة استعادة بلادنا العزيزة إلى قلب كل عربي، تحتاج إلى قيادة وطنية جديدة، مبادِرة، تتجنب خطيئة تكرار تجاربنا العقيمة ومتحررة من عُقَدِنا وآلامنا التي لم تنجب سوى المرارة
"
مهمة استعادة بلادنا العزيزة إلى قلب كل عربي، وتأسيس فلسطين الجديدة، الحرة حقًا، تحتاج إلى قيادة وطنية جديدة، مبادِرة، تتجنب خطيئة تكرار تجاربنا العقيمة ومتحررة من عُقَدِنا وآلامنا التي لم تنجب سوى المرارة من تجربة واعدة كانت تتهاوى أمام أعيننا، وهزيمة تطاردنا عند كل مفترق طرق نضالي، ولم نكن قادرين على وقفها أو حتى إبطائها.

كل ما حصل من محاولات في الماضي كان ردات فعل وليس أفعالا، قادها أشخاص ملوثون بكل سلبيات الحركة الوطنية الفلسطينية، وكثر منهم كان محركهم وهمهم المنصب والظهور لا غير. أغلبهم غلبوا مصالحهم الخاصة على الوطني العام، فكانت الهزيمة النتيجة الحتمية.
 
السعي لتأسيس حركة وطنية فلسطينية جديدة يجب أن يستفيد من ثغرات كثيرة في أجساد الأعداء، وجعل نقاط ضعفهم مصادر قوة للتغيير من أجل مستقبل أفضل لكل سكان وطننا. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة