ماذا وراء الحملة الأميركية على السعودية؟   
الأحد 19/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم/ محمد بن المختار الشنقيطي


- علاقة مستترة ترى النور
- استغلال جديد لمعلومات قديمة
- حماية الأميركيين أم خدمة الإسرائيليين؟!
- هموم الداخل ومناوشات الخارج

نسب الكاتب والجاسوس البريطاني بيتر رايت في كتابه "صائد الجواسيس" إلى أحد رؤساء وكالة المخابرات المركزية الأميركية قوله "إن السعودية هي أعظم غنيمة في تاريخ البشرية"!!

وقد ظل العديد من الأميركيين ينظرون إلى السعودية هذه النظرة الدونية التي تشتمل على قدر لا بأس به من الازدراء، وتَعتبر العلاقة بها شرا ليس منه بدّ وغنيمة لا يحسن التفريط فيها.

وبالمثل ظلت القيادة السعودية تعتبر علاقتها بأميركا شرا لابد منه، واستظهارا لا غنى عنه ضد النزعات الثورية التي عصفت بعروش عديدة في المنطقة العربية.


المواطن السعودي يدرك اليوم أن العلاقة بأميركا بدأت تحدد مضمون خطبة الجمعة في مسجده والكتاب الذي يدرُسه أبناؤه في المدرسة والصورة التي ينظر بها الآخرون إليه

علاقة مستترة ترى النور
لم تنبن العلاقات السعودية الأميركية على اشتراك في المبادئ أو تقارب في القيم بين الشعبين، بل ظل الخطاب الأخلاقي في الدولتين يصف الدولة الأخرى بشتى الأوصاف المشينة رغم المجاملات في العلاقات السياسية الظاهرة بين السلطتين.

فقد ظلت السعودية دائما في عيون الأميركيين دولة "متزمتة" تنتمي إلى عصر الانحطاط والبداوة، وتقيم على ثروة ساقتها الأقدار إليها وهي لا تستحقها! ولولا نفطها لما كان لمصادقتها معنى، فهي تصلح "محطة بنزين عملاقة" لا صديقا مقربا من الولايات المتحدة، وهي "مملكة سحرية" -كما يصفها الصحفي توماس فريدمان– تنتمي إلى عالم ألف ليلة وليلة، لا دولة من دول العصر الحديث.

كما ظلت أميركا في أعين السعوديين دولة فساد أخلاقي وتحلل اجتماعي وميول صليبية وأهواء صهيونية، تتبنى سياسات جائرة ضد قضايا كل الشعوب الإسلامية وأولها قضية فلسطين، وعقيدة الولاء والبراء تقتضي التبرؤ منها إن لم يكن منازلتها ومحاربتها.

لكن حاجز البعد الجغرافي وسياسة التستر التي اعتمدتها الأسرة السعودية والإدارات الأميركية المتعاقبة في علاقاتهما، سهلت هضم تلك العلاقة على الشعبين السعودي والأميركي، وجعلتها أقرب إلى "العلاقات غير الشرعية" المستترة، أو "الشأن الخارجي" الذي لا يهم أغلب المواطنين في البلدين ولا يؤثر على طريقة حياتهم اليومية.

بيد أن هجمات 11 سبتمبر/ أيلول عرَّضت تلك العلاقة للنور وقدمتها للفحص والتمحيص، فالمواطن الأميركي يعتقد اليوم أن السعودية –لا نفطها فقط- جزء من عوامل مؤثرة على الطريقة التي يحيا. والمواطن السعودي يدرك اليوم أن العلاقة بأميركا بدأت تحدد مضمون خطبة الجمعة في مسجده، والكتاب الذي يدرُسه أبناؤه في المدرسة، والصورة التي ينظر بها الآخرون إليه، والطريقة التي يعاملونه بها في المطارات.


المعلومات التي تسربت من التقرير إلى الصحافة الأميركية استغلال جديد لأحداث قديمة قدم التحقيق في أسباب الهجمات
استغلال جديد لمعلومات قديمة

وقد أثار تقرير الكونغرس الذي صدر مؤخرا عن أسباب وملابسات أحداث 11 سبتمبر/ أيلول إشكالا جديدا في العلاقات الأميركية السعودية، إذ حجبت الإدارة الأميركية 28 صفحة من التقرير عن الظهور ورد فيها اتهام السلطة السعودية بالضلوع غير المباشر في تلك الهجمات.

ومن خلال المعلومات التي تسربت عن مضمون الصفحات المحجوبة من التقرير إلى وسائل الإعلام الأميركية، لا يبدو أن فحوى هذه الصفحات يتضمن الكثير من المعطيات الجديدة بقدر ما هو استغلال جديد لمعلومات قديمة. وأهم هذه المعلومات عنصران:

  • أولهما- أن السعودي عمر البيومي استقبل اثنين من الخاطفين الذين نفذوا الهجمات وهما خالد المحضار ونواف الحازمي، ودفع إيجار بيتهما الذي أقاما فيه بمدينة سان دييغو بولاية كاليفورنيا خلال شهر إقامتهما الأول. وما يجعل قضية البيومي حساسة جدا، هو أن (CIA) علمت بعلاقة المحضار والحازمي بالقاعدة وصورت اجتماعا للتنظيم حضراه في كوالالمبور قبل الهجمات بعام تقريبا. ومع ذلك حصلا على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة، ولم يستطع مكتب التحقيقات الاتحادي تعقبهما بسبب ضعف التنسيق بينه وبين وكالة المخابرات المركزية. فليس من الواضح ما إذا كان الإلحاح على قضية البيومي مبنيا على شكوك جدية أم مجرد محاولة من السي آي إي لتحويل الأنظار عن تقصيرها في قضية الحازمي والمحضار.
  • أما ثانيهما- فهو دفع الأميرة هيفاء الفيصل زوجة السفير السعودي لدى واشنطن بندر بن سلطان، مبالغ مالية لبعض الطلاب والشباب السعوديين المقيمين في الولايات المتحدة تتهمهم السلطات الأميركية بالتعاطف مع أسامة بن لادن والقاعدة. وأشهر قضية في هذا المضمار هي قضية صك مصرفي بعشرة آلاف دولار أهدته الأميرة للطالب السعودي أسامة باسنان. وقد وصف تقرير الكونغرس هذا الطالب بأنه "متطرف ومتعاطف مع أسامة بن لادن".

ونسبت بعض الصحف الأميركية إلى مطلعين على الفقرة التي تم حجبها من التقرير قولهم إن التقرير أشار إلى أن البيومي وباسنان كانا يعملان لصالح المخابرات السعودية، وأن صلات ربطتهما ببعض الخاطفين وبالسفارة السعودية في ذات الوقت. لكن ليس من الواضح ما إذا كان رجلا المخابرات السعودية هذان –إن صح عنهما ذلك- كانا يتجسسان على الخاطفين أو يعملان معهم حسب صحيفة شيكاغو تريبيون 2 أغسطس/ آب 2003.

على أن هذه المعلومات التي تسربت من التقرير إلى الصحافة الأميركية ليست بالجديدة على الإطلاق، وإنما هي قديمة قدم التحقيق في هجمات 11 سبتمبر/ أيلول، وقد تردد الحديث عنها أكثر من مرة من قبل. ثم إن استقبال طالب عربي لطالب آخر من دولته أو مساعدته في دفع إيجار شقته أمر معتاد في أميركا، كما أن دفع أحد أفراد الأسرة السعودية مساعدة مالية لأحد الطلاب المحتاجين ليس بالمستغرب.


الحملة الحالية على السعودية في الكونغرس وعبر صفحات التقرير لا تهدف إلى حماية أرواح الأميركيين، وإنما هي جهد منسق لدفع الرياض إلى التطبيع مع إسرائيل في ساعة ضعف وحرج سياسي
حماية الأميركيين أم خدمة الإسرائيليين؟!

وقد فتح التقرير الباب لحملة إعلامية جديدة على السعودية. وفي سابقة غريبة في العلاقات الدبلوماسية دعا أحد أعضاء الكونغرس -وهو تشارلز سكامر من نيويورك- في رسالة إلى السفير السعودي بواشنطن لعزل وزير الداخلية السعودي الأمير نايف بن عبد العزيز من منصبه بحجة "فشله في وقف تمويل الإرهاب".

لكن المطلعين على بواطن الأمور يدركون أن الدعوة إلى إقالة وزير الداخلية السعودي لها خلفية أخرى، وهي أن اليهود الأميركيين المتنفذين في الكونغرس لم يغفروا للأمير نايف قوله بعد 11 سبتمبر/ أيلول "إن الإسرائيليين هم الذين دبروا تلك الهجمات". ولذلك تتركز دعاية الكونغرس ضد السعودية على الأمير نايف وتتهمه بدعم الحركات الأصولية!!

فالدعوة إلى إقالة وزير الداخلية السعودي جزء من الثمن الذي لا يزال عليه دفعه بسبب ارتكابه محظورا يصل حد الموبقات في عرف السياسة الأميركية، وإلا فإن الرجل غير متهم بالمودة للإسلاميين أو بالتساهل مع القاعدة. وتلك مفارقة من مفارقات عالم ما بعد 11 سبتمبر/ أيلول: اتهام رؤوس الحِراب ضد القاعدة بدعمها.

وليس غريبا أن يكون من بين المتحدثين الرئيسيين في جلسة الكونغرس حول السعودية بعد صدور التقرير سفير إسرائيل السابق في الأمم المتحدة دوري غولد، صاحب كتاب "مملكة الحقد.. كيف تدعم السعودية الإرهاب الدولي الجديد".

على أن رأس الأمير نايف لن يكون كافيا لوقف الحملة، فاليهود الأميركيون لا يرون كفارة لما قاله الأمير أقل من الاعتراف الكامل من السعودية بالدولة اليهودية، مستغلين ساعة الحرج التي تعيشها الأسرة المالكة في علاقتها بواشنطن.

ومن أبلغ الأمثلة على سعيهم ذاك دور الصحفي الشهير توماس فريدمان في استصدار "مبادرة الأمير عبد الله" للاعتراف بإسرائيل. ففي كتابه "تطلعات ومواقف.. استكشاف العالم بعد 11 سبتمبر" يذكر فريدمان في الصفحة 188 أنه جاء إلى السعودية متألما "إن ما آلمني حقا هو أن 15 مواطنا سعوديا جاؤوا إلى بلدي واشتركوا في قتل ثلاثة آلاف أميركي". لكن فريدمان خرج من السعودية مبتهجا بإنجاز لا علاقة له بحقن دماء الأميركيين، فكتب يقول في الصفحة 348 "أما أنا فيكفيني أني ساعدت على استصدار إعلان من قائد المملكة العربية السعودية –أهم دولة مسلمة في العالم– يعبر فيه لأول مرة عن استعداده لتطبيع العلاقات مع الدولة اليهودية".

فالحملة الحالية على السعودية من على منابر الكونغرس أو عبر صفحات التقرير لا تهدف بالضرورة إلى حماية أرواح الأميركيين، وإنما هي جهد منسق لدفعها إلى التطبيع مع إسرائيل في ساعة ضعف وحرج سياسي.


ليس من حام للسلطة السعودية في علاقات الشد والجذب مع واشنطن سوى كسب قلوب شعبها بمزيد من الانفتاح السياسي والعدل الاجتماعي وبناء شرعية سياسية جديدة تحل فيها المشاركة محل الوصاية

هموم الداخل ومناوشات الخارج
لم يشفع للأسرة السعودية تشديدها على التيار الإسلامي خلال الشهور السابقة على إصدار تقرير الكونغرس، بما في ذلك توقيف أكثر من ألف إمام عن الخطابة حتى تتم "إعادة تأهيلهم"!! واقتحام عدة أماكن في مكة المكرمة والمدينة المنورة والقصيم -ومنها مساجد- لقتل بعض الشباب فيها ممن تتهمهم السلطة السعودية بعلاقتهم بالقاعدة. وبقدر ما تزيد السلطة السعودية من هذه الإجراءات فتخاطر بنقل المعركة إلى قلب المملكة –كما تشير تفجيرات الرياض الأخيرة– فإن الكونغرس الأميركي يتمادى في اتهام الأسرة السعودية وإحراجها.

فهل المطلوب هو نقل المعركة إلى السعودية تخفيفا للضغط على الولايات المتحدة، أم اعتراف صريح وغير مشروط من السعودية بالدولة اليهودية، أم تغيير ثقافي واجتماعي وسياسي عميق في بنية المجتمع السعودي طبقا لخارطة "الشرق الأوسط الجديد"؟

يبدو أن القيادة السعودية تعمل على جبهات عدة للخروج من الحرج أمام واشنطن، منها: تشديد القبضة على العمل الإسلامي داخل المملكة، والتعبير المبدئي عن الاستعداد للاعتراف بالدولة اليهودية، وتنظيم حملات إعلامية وحملات علاقات عامة داخل أميركا لتحسين صورة السعودية وقيادتها.

وليس هناك ما يدل على أن القيادة السعودية ستنجح في هذا المسعى، أو أن نجاحها فيه سيحل الإشكال الرئيسي في العلاقات السعودية الأميركية:

  • فتشديد القبضة على العمل الإسلامي في مجتمع عميق التدين معتاد على الثقافة الجهادية كالمجتمع السعودي، يوشك أن يدفع البلد إلى انفجار غير محسوب.
  • والاعتراف بالدولة اليهودية سيعمق المأزق الداخلي ويؤدي إلى تآكل الشرعية التاريخية التي قامت عليها الدولة السعودية، وهي شرعية إسلامية.
  • والحملات الإعلامية داخل أميركا لصالح السعودية –على فائدتها– لا تكافئ الإعلام اليهودي في الولايات المتحدة.

وهكذا تبدو القيادة السعودية اليوم في وضع لا تحسد عليه، وهو وضع يحتاج منها ذكاء سياسيا ومرونة تكتيكية لم تعتدهما. وربما يكون ما تحتاجه هذه القيادة على الجبهة الداخلية أهم وأكثر إلحاحا مما يشغلها اليوم من مناوشات إعلامية في الخارج.

إن "الشرعية هي قوة الضعفاء" كما قال بحق الرئيس التشيكي والكاتب فاتسلاف هافل. وليس من حام للسلطة السعودية في علاقات الشد والجذب مع واشنطن سوى كسب قلوب شعبها بمزيد من الانفتاح السياسي والعدل الاجتماعي، وكسر احتكار الأمراء للأمر، وبناء شرعية سياسية جديدة تحل فيها المشاركة محل الوصاية. فالخطر الحقيقي على الدولة السعودية هو استمرار الانسداد والاحتقان السياسي، وليس حملات التشهير والابتزاز من وراء البحار.

إن الانفتاح السياسي هو الحصن الحصين، في حين أن القمع يضعف الجبهة الداخلية أمام تحديات مستقبلية مفتوحة على كل الاحتمالات.. وما خبر العراق منا ببعيد!!
__________________
كاتب موريتاني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة