اتفاقية سويسرا.. أكثر من افتراض   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم/ إبراهيم أبو الهيجاء

- صانعو الاتفاق
- نصوص الاتفاق
- الزمن السياسي
-
الرفض الأميركي الإسرائيلي الرسمي
-
نظرة في الأفق

لا نعتقد أن هناك جديدا دراماتيكيا على مستوى الأفكار التي صيغت في اتفاقية سويسرا، فهي تراكم لحلول نظرية وابتداعات أكاديمية وأفكار تفاوضية لطالما سمعنا بها. لكن خطورة اتفاقية سويسرا وجوهرها أنها مدرسة تنتمي بالقطع إلى أفكار كلينتون ومفاوضات طابا، حيث صيغت هناك بالضبط الحلول الإبداعية لإشكاليتي القدس واللاجئين اللتين أرقتا المفاوضين في قمة كامب ديفد.

لذا فإن اتفاقية سويسرا هي محاولة بالأساس لصياغة ما أنجز في طابا في وثيقة غير رسمية. والتنازل الجدي -برأينا- لم يكن مطلوبا من الإسرائيليين لأن اتفاقية سويسرا في جوهرها هي صفقة كلينتون التي طرحها باراك ورفضها عرفات في كامب ديفد، والتي ملخصها حصول الفلسطينيين على سيطرة في القدس والأماكن الدينية مقابل تنازلهم عن حق اللاجئين في العودة.

وبالمناسبة فإن الفلسطينيين في صيغة سويسرا يقبلون بسقف أقل من طروحات كلينتون الأخيرة رغم الإبداع اللفظي المستخدم في صياغتها، وقد أكدت تجربة أوسلو أن الصيغ الجميلة تخفي خلفها شياطين كثيرة.


التمثيل الفلسطيني الرسمي في مفاوضات سويسرا يجعل هامش المرونة والتراجع أقل منه في الجانب الإسرائيلي كون الموقعين لا يمثلون توجها رسميا
صانعو الاتفاق

شارك في العمل على صياغة الاتفاق على مدار ثلاث سنوات أكثر من خمسين شخصية فلسطينية وإسرائيلية عملت على أدق التفاصيل، وتوزعت لقاءاتها في رام الله والقدس وعواصم غربية وعربية.

* في الجانب الإسرائيلي: شارك أقطاب سياسيون وعسكريون وأكاديميون من اليسار بمختلف شرائحهم، بمن فيهم أعضاء من حزب "شينوي" الشريك في حكومة شارون الحالية. ومن الأسماء البارزة المشاركة:
- رئيس حركة شاحر حاليا الدكتور يوسي بيلين الذي كان يعد أحد أقطاب حزب العمل وشغل وزارة العدل في حكومة باراك السابقة.

- الرئيس السابق لهيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي أمنون ليبكين شاحاك (حزب العمل).
- الرئيس السابق لحزب العمل عميرام متسناع.
- رئيس الكنيست السابق أفراهام بورغ (حزب العمل).
- عضوا الكنيست إيتي ليفني وإيلان ليبوفيتش (حزب شينوي).
- عضوة الكنيست السابقة نحاما رونين (حزب ليكود).
- البروفيسور مناحين كلاين والدكتور رون بونداك والكاتب عاموس عوز.

* في الجانب الفلسطيني: يقف أيضا وزن أكبر من الرسميين الفلسطينيين الموزعين على صفات أكاديمية ومناصب وزارية وأمنية سابقة وحالية:
- من الوزراء والرسميين الفلسطينيين السابقين والحاليين شارك وزير الإعلام ياسر عبد ربه، ووزير التخطيط نبيل قسيس، ووزير شؤون الأسرى هشام عبد الرازق، ومدير الأمن الوقائي زهير مناصرة، ومدير برنامج الأسرى راضي الجراعي.
- من قيادات حركة فتح الوسيطة والمقربة من مروان البرغوثي شارك عضوا المجلس التشريعي محمد حوراني وقدورة فارس.

ما هو ملاحظ من استعراضنا لطواقم التمثيل من الطرفين أن مستوى التمثيل الفلسطيني رسمي بينما التمثيل الإسرائيلي معنوي، وهذا يعني أن الالتزام الفلسطيني تجاه الوثيقة أقل مرونة وأضيق هامشا من التراجع الإسرائيلي كون الموقعين لا يمثلون فعليا توجها رسميا ولا حتى توجها شعبيا إذ رُفضت اتفاقية سويسرا بأغلبية 60% رغم ما تنطوي عليه من تنازلات فلسطينية، ولا حتى توجها يساريا خالصا إذ رفضها باراك وتحفظ عليها شمعون بيريز.

نصوص الاتفاق
في تشريحنا لبعض النصوص نستطيع ملاحظة التالي:

1- "الدولة ستقام على حدود 1967". والملاحظ إضافة نص ينفيه يقول "إن هناك تعديلات حدودية"، وهذه التعديلات مهما كانت متدنية رقميا فإن الفلسطيني الواقع تحت سندان الاحتلال يدرك أن 2 أو 3% تعني فعليا بقاء 70% من المستوطنين في الضفة الغربية. وفي ضوء تناثر هذه المستوطنات فإن الدولة الفلسطينية ستكون مقطعة في مواصلات ومعابر هشة ستبقى تحت الرحمة الإسرائيلية.

يضاف إلى ذلك اشتراط أن تكون الدولة دون سلاح ثقيل أو تحالفات إستراتيجية، وترابط على حدودها قوة دولية ورقابة إسرائيلية، وأن تكون أجواؤها منتهكة إسرائيليا وأراضيها مخترقة بمحطات الإنذار.

وهنا علينا الانتباه إلى أن نسبة 97% هي فعليا من مساحة الضفة والقطاع و22% فقط من أرض فلسطين التاريخية، وهذا يعني أن الدولة الفلسطينية ستقام على 13 إلى 15% باحتساب جميع الاقتطاعات (القدس والتعديلات والحدود).

2- "من حق اللاجئين تقرير مصيرهم ضمن خيارات خمسة". والملاحظ أن العودة إلى أراضي فلسطين 48 ستنطوي على خيار للفلسطيني ولكن ضمن تقدير إسرائيلي، أي على أنها دولة أجنبية تحدد ما يناسب ظروفها لذلك، وقد يصل القبول الإسرائيلي إلى "صفر" كما قال متسناع مهندس هذه الاتفاقية. بل إن العودة إلى الدولة الفلسطينية محدود أيضا بالإمكانيات والموارد، وفعليا هي لا تستطيع استيعاب أكثر من نصف مليون فلسطيني. إذن فنحن نتحدث فعليا عن مصادرة لحق 95% من اللاجئين بالعودة.

3- "القدس عاصمة لدولتين"، ولكن لذلك مثالب منها:

  • ضرورة تعريف القدس القديمة قبل القبول بالنص الغامض عنها، في ضوء معرفتنا بأن حدودها ومساحتها عدلت أكثر من خمس مرات.
  • الأماكن الدينية الإسلامية والمسيحية ستكون فعليا في عهدة دولية وليس فلسطينية.
  • القبول الفلسطيني ببقاء حزام القدس الاستيطاني يعني أن القدس الشرقية هي عاصمة فلسطينية رمزية، لأن بقاء الحزام يعني انعزالها عن الضفة وغزة.

الزمن السياسي
كان من الممكن أن تبقى مفاوضات سويسرا مدة أطول في الاستجمام والرحلات والجدل العقيم لأن اتفاقية طابا فعليا صاغت جملة هذه التفاهمات. ولكن هناك جملة عوامل سارعت في إنجاز الاتفاق يمكن رصدها على ثلاثة صعد:


يقبل الفلسطينيون في صيغة سويسرا بسقف أقل من طروحات كلينتون الأخيرة رغم الإبداع اللفظي المستخدم في صياغتها

1- فلسطينيا:
رغم بقاء موقف السلطة الرسمي غامضا تجاه اتفاقية سويسرا وصامتا إزاء التسريبات التي تحدثت عن مباركة قيادتها بمن فيهم الرئيس عرفات ورئيس الوزراء السابق أبو مازن والحالي أبو علاء، فإن الثقل الرسمي واضح وجلي في تمثيل الاتفاقية. وهو دون شك يعكس رغبة رسمية به لمحت "إلى أنها راغبة في التوصل إلى اتفاق على هذه الشاكلة"، بل وصرحت أنها تنتظر الرد الإسرائيلي لإتمام مثل هذه التفاهمات.

ولكن في بواطن الموقف الفلسطيني الرسمي فإن التعجيل له عدة دلالات:

  • القرار الإسرائيلي طرد عرفات وما يعنيه من انهيار كامل لمشروع السلطة أو على الأقل استبدالها.
  • التخوف من الانقسامات المتزايدة في حركة فتح، وتصاعد مقابل للمد الإسلامي الفلسطيني، وتعزز لخيار المقاومة الشاملة.
  • الخوف الرسمي من استمرار اليمين الإسرائيلي في الحكم وما ينطوي عليه ذلك من إمكانية تجسيد النظرة تجاه قيادات السلطة الحالية أو فرض تسوية لا يمكنهم تسويقها فلسطينيا.

2- إسرائيليا:
رغم أن القيادات الإسرائيلية اليسارية المشاركة لا تعكس تمثيلا إسرائيليا رسميا فإن خطورة الاتفاق -من وجهة نظر اليمين الإسرائيلي الحاكم- هو أضراره التكتيكية بقدرة إسرائيل التفاوضية على المناورة، والأهم أنه يضعفه "دوليا" مع استمرار الانتفاضة، و"داخليا "مع تراكم الفقر وانعدام الأمن.

أما الذي دفع قيادات اليسار الصهيوني للتعجيل في قبول وإعلان صياغة سويسرا فهو عدة عوامل:

  • الخوف وتداعيات "ما بعد عرفات" واستمرار تأثيرات الانتفاضة الفلسطينية على المجتمع الإسرائيلي.
  • التخوف من التهور اليميني وإبقاء حالة التشابك الديمغرافي والجغرافي مع الفلسطينيين، وهذا بدوره يهدد بنظرهم وجود الدولة اليهودية واندثارها.
  • محاولتهم التأكيد أن اليسار وأفكاره ما زالت قابلة للحياة رغم انقساماته وخسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة.

3- دوليا:
يقف خلف الجهد الأوروبي الواضح وتحديدا البريطاني وجزئيا العربي والأميركي لإنجاز الاتفاق عدة دوافع أهمها:

  • هواجس تأثيرات الصراع المؤكدة لانهيار التسوية وتصاعد المقاومة وتداعيات ذلك إقليميا ودوليا.
  • تأكد غياب وتغيب الدور الأميركي المتورط عراقيا والمشغول انتخابيا والمتحالف نخاعيا مع إسرائيل.
  • تعبئة الفراغ الدولي وتقديم صيغة إنقاذ، وتعزيز تشكيل المنطقة بشكل أقل حدة من الهيمنة الأميركية الطاغية والمندفعة نحو أجندة مختلفة.

الرفض الأميركي الإسرائيلي الرسمي
لقد كان هذا الرفض واضحا وحادا، وهذا ليس فقط بسبب المكونات اليمينية والراديكالية لكلتا القيادتين الأميركية والإسرائيلية حاليا وإنما لعدة أسباب أهمها:

1- إسرائيل:

  • حاجة شارون لاستكمال الجدار والاستيطان وفرض حقائق على الأرض تؤكد إيمانه الراسخ بفرض تسوية انتقالية على الفلسطينيين من واقع الهزيمة العسكرية.
  • يرى شارون في صيغة سويسرا إحياء لنهج أوسلو وإنقاذا لعرفات وبقايا أفكار اليسار الصهيوني.
  • كما ينظر إلى حاجة إسرائيل الإستراتيجية في المنطقة والتي جوهرها ليس إبرام اتفاقات نهائية وإنما هدوء انتقالي يناسب المخططات الأميركية التي تريد وقتا للترتيب وجهدا فاعلا للتخلص من المشاغبين والمهددين، وهذا في نظر شارون سيسمح بتحقيق هيمنة إسرائيلية في المنطقة ويتيح فرصة لن تعوض لاستغلال الاندفاع الأميركي نحوه وبالتالي فرض حلول تسوية أقل ثمنا.

2- الإدارة الأميركية:

  • لا تريد أي جهد دولي التفافي ينتقص من دورها في خارطة الطريق.
  • وبنظرها أن هذه الصيغ تشوش على أولوياتها ومنطقها في إعادة ترتيب المنطقة.
  • وربما تزعج حليفها الإسرائيلي في ضوء علمها بأن اليمين الإسرائيلي هو الأكثر توافقا مع مخططاتها الآن والأكثر قوة في الشارع الإسرائيلي.
  • كما تريد دعم الجالية اليهودية في الولايات المتحدة لولاية بوش الثانية مع قرب هذه الانتخابات وتصاعد الجدل الداخلي هناك إزاء جدوى وصدقية الحرب على العراق.


تنصل إسرائيل من اتفاقية سويسرا مؤقت ويهدف إلى مفاوضة الفلسطينيين من نقاط التنازل في "حق العودة" كمنطلق لتحقيق تنازلات أخرى على صعيد القدس والحدود والمستوطنات

نظرة في الأفق
اتفاقية سويسرا هي بالضبط الاتفاقية الأخطر لسببين:
- لأنها تتعلق بحسم القضايا النهائية وإغلاق كل ملفات الحقوق الفلسطينية.
- حجم الثقل الفلسطيني الرسمي الموقع عليها رغم أنها لا تقيم سوى دولة مقطعة الأوصال لا سيادة لها ولا استقلال, وعليه فالمستفيد الأكبر منها هو إسرائيل والخاسر الأكبر هم اللاجئون وقضيتهم العادلة.

وبرأينا فإن التنصل الإسرائيلي الرسمي مؤقت ويهدف إلى مفاوضة الفلسطينيين من نقاط التنازل الفلسطينية في "حق العودة" كمنطلق لتحقيق تنازلات أخرى على صعيد القدس والحدود والمستوطنات. وهكذا ستصبح صيغة سويسرا ملزمة بما هو أسوأ فلسطينيا وأفضل إسرائيليا.

ولعل التعبير الذكي الذي صرح به شمعون بيريز ينطوي على مفارقة خطيرة عندما وصف اتفاقية سويسرا "بأنها منطلق جيد للتفاوض" ولم يقل "نموذج جيد للتسوية".. وهذه خلاصة الرؤية الإستراتيجية التي يلتقي عندها اليمين واليسار الصهيوني بالتعريف الجديد لكليهما.
____________
* كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة