اللامعقول في مصر   
الأحد 26/3/1435 هـ - الموافق 26/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:58 (مكة المكرمة)، 12:58 (غرينتش)
عبد الستار قاسم

 

بين تونس ومصر
ملاحقة الإخوان
الإخوان والإرهاب
بين الاستئثار والكيدية
القومية والروح الناصرية

أتابع الأحداث في مصر باهتمام شديد منذ أن بدأ الحراك العربي المصري ضد نظام حسني مبارك الاستبدادي والعميل للقوى الغربية وإسرائيل.

وكما هو الحال بالنسبة لملايين العرب، كنت وما زلت أترقب نتائج عظيمة تسهم في إعادة بناء الأمة العربية ونهضتها وتطوير قدراتها للإسهام في الحضارة الإنسانية وتعزيز قدراتها في الاعتماد على الذات، ذلك لما لمصر من شأن عظيم في نفسي ونفوس هذه الملايين.

لقد ورثنا مقولات العزة العربية عن آبائنا وأجدادنا الذين طالما ربطوها بعزة مصر وكبريائها، لكن مجريات الأمور لا تؤكد ما كنا قد اقتنعنا به، وتدفعنا إلى التشكيك بكل المقولات التقليدية السائدة.

تشير هذه المجريات إلى أن القيادات المصرية الحالية ليست على قدر التوقعات، وأنها أعجز بكثير عن قيادة بلادها إلى بر الأمان، وأنها في غاية السذاجة والضحالة حيث إنها تقود البلاد إلى المجهول.

تختلف مصر إلى حد كبير عن تونس، وفيها العديد من الذين يُفترض أنهم من المفكرين والمحنكين سياسيا الذين لا يدفعون باتجاه الاقتتال والاحتراب وتدمير الدولة المصرية

وإذا كان لهذه القيادات السياسية والفكرية والثقافية والدينية أن تدفع بمصر إلى الغموض والهوان، فالأفضل ألا تأخذ معها الأمة العربية ككل.

القيادات المصرية مخيبة للآمال، ولا يوجد على السطح ما يدفعنا إلى الظن بأن ما يجري في مصر مجرد سحابة ستتلاشى، بل يبدو أن الليل المصري طويل وسيطول.

بين تونس ومصر
واضح من تطورات الأمور في كل من مصر وتونس أن القيادات التونسية متفوقة جدا على نظيرتها المصرية ثقافة وفي الفن السياسي وقيادة البلاد.

هناك من يدفع بتونس إلى الهاوية، لكن هناك عناصر أكثر تُصر على بقاء تونس ببر الأمان، وترفض توتير الأوضاع بطريقة تكلف أهل تونس الغالي والنفيس. استطاعت القيادات السياسية التونسية أن تطوق المتطرفين والمعتوهين من كل الأطراف، وأن تبقي مشاكلها داخل غرف الحوار مع إصرار على ضرورة إيجاد حلول وسطية تجنب البلاد نزيف الدماء.

أما مصر فمختلفة إلى حد كبير، وفيها العديد من الذين يُفترض أنهم من المفكرين والمحنكين سياسيا الذين لا يدفعون باتجاه الاقتتال والاحتراب وتدمير الدولة المصرية.

وهناك إعلاميون مجرمون جدا لا يتقون الله في مصر، وشغلهم الشاغل التحريض والتأليب والإفساد.
وهنا تخطر في بالي إعلامية مصرية عندما أجابت من اتهمها بالدموية قائلة إن هذا شرف لا تدعيه، لقد اعتبرت هذه الإعلامية أن الدموية عبارة عن شرف لم تصله بعد.

وأنا أتابع أحيانا فضائية مصرية اسمها "صدى البلد"، ودائما أرى أن هذه المحطة تملك طاقة هائلة لإفساد عدة دول وليس مصر فقط، وهي متخصصة في بث الأحقاد والضغائن والافتراءات.

أما العقلية العلمية فغائبة إلى حد كبير عن كبار ضيوفها الذين كنت أقرأ لهم في السابق، ولا أدري ماذا جرى لعقولهم الآن، إنهم يتحدثون بلا تروٍّ وبلا هدف، وكأنهم فقط يبحثون عن إشباع غليل متفاقم.

ملاحقة الإخوان
يقوم الجيش المصري بحملة ضد حكم الإخوان في مصر، ويقبض على رئيس الجمهورية، ويوجه له الإهانات والتهم، ويعمل على محاكمته، ثم يقوم الأمن المصري بملاحقة عناصر الإخوان المسلمين ومنع مظاهراتهم، وفض اعتصاماتهم بالقوة، ويقوم بأعمال كثيرة لمنع حرية التعبير، ويغلق ميادين في وجه مؤيدي الإخوان، ويتهم الرئيس المصري بتهمة سخيفة عنوانها التخابر مع حماس، وغير ذلك، ثم يتوّج كل ما يقوم به باعتباره جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية.

من الإرهابي حقيقة؟ والمطلوب بعد كل هذه الإجراءات من الإخوان المسلمين أن يلتزموا الصمت ويستسلموا للأمر الواقع.

ألا يوجد في مصر مفكر سياسي واحد يبلغ المسؤولين الحكوميين أن الضغط يولد الانفجار، وأن كل الإجراءات ضد الإخوان المسلمين لن تولد سوى المزيد من التوتر والخصومات والبغضاء والكراهية؟

أين المعقول في هذه المطاردات التي يطلب المسؤولون المصريون إتمامها دون رد فعل من قبل الإخوان المسلمين؟

من المتوقع أن يدافع الحيوان عن حياضه، وإن حُشر القط انقلب أسدا، فماذا يمكن أن تفعل جماعة موجودة على الساحة المصرية منذ عام 1928؟ وهي أكبر جماعة إسلامية عالميا، وموجودة في كل بقاع الأرض

من المتوقع أن يدافع الحيوان عن حياضه، وإن حُشر القط انقلب أسدا، فماذا يمكن أن تفعل جماعة موجودة على الساحة المصرية منذ عام 1928؟ علما بأنها أكبر جماعة إسلامية على الساحة العالمية، وهي موجودة في كل بقاع الأرض.

هناك قصر نظر في التفكير والأداء، وهناك عقلية منغلقة لا تفهم لغة الحراك السياسي للشعوب والأحزاب والتنظيمات والجماعات الإنسانية.

في المعركة، يفتح القائد الفذ منفذا لعدوه للخروج من أجل تقليل الخسائر في الطرفين، لكن هذه المسألة غائبة عن أفذاذ مصر الحاليين، وهم يتصرفون وكأن الطرف الآخر قد مُسح من الوجود، وأن الميدان أصبح خاليا إلا من فريق واحد.

الإخوان والإرهاب
الإخوان المسلمون معروفون على الساحة العربية منذ زمن بعيد، وهم يحتكون مع كل فئات الناس، ومن خلال نشاطاتهم المتعددة وصلوا للأغلبية الساحقة من جماهير العرب والمسلمين.

ووفق دراساتي للفئات الإسلامية، فالإخوان المسلمون جماعة دعوية بالأساس وليست جماعة جهادية، وهم لا يؤمنون بالصدام الدموي، ويفضلون سياسة الشد والرخي: إن شدوا (أي الخصوم) نرخي، وإن رخوا نشد.

وندَر أن لجؤوا إلى استعمال السلاح والمتفجرات وقتل الناس بالجملة أو المفرق. وإن مارسوا بعض الإرهاب الفكري أحيانا، وكنت أحد ضحاياهم في هذا المجال يوما.

قلت ذات يوم إن على الفلسطينيين أن يوفروا الأموال التي ينفقونها في مواسم الحج لإنفاقها في أعمال الجهاد لأن الجهاد أولى من الحج في الحال الفلسطينية، قاموا ضدي وشتموني على المنابر في الضفة الغربية عام 1981 وأنا في المسجد في صلاة الجمعة.

لكنهم اقتنعوا بما قلت بعدما أصدر القرضاوي كتابا بعنون العلم والإيمان قال فيه إن أعمال الجهاد أولى من أعمال الحج.

طبعا هذا ينم عن ضيق أفق وضحالة في فهم الدين، لكن الملاحظ أن جماعة الإخوان المسلمين تأخذ ملاحظات الآخرين في الحسبان وتحاول تعديل مواقفها وآرائها بحيث لا تسيء للإسلام والمسلمين.

وقد خبرت أيضا كيف يحرض بعض عناصر الإخوان ضد أصحاب الديانات الأخرى والمذاهب وخاصة المسيحيين والشيعة، لكنه من الممكن التأثير عليهم للابتعاد عن مثل هذه الأعمال.

قادة مصر يصفون الإخوان بأنهم جماعة إرهابية، ونحن نريد إثباتات على ذلك، فبيانات الأجهزة الأمنية المصرية لا تكفي، ولا يكفي القول إن بعض العناصر الإخوانية قد تدربت على السلاح، أو إنها تضع برامج إعداد المتفجرات على أجهزتها الإلكترونية.

هذه مقولات غير مقنعة، وهناك عشرات الملايين العرب الذين تدربوا على السلاح ويستطيعون صنع المتفجرات بسهولة.

مهارات التدريب والتصنيع موجودة على الشبكة الإلكترونية ومن السهل جدا اكتسابها، وهذا لا يجعل من الشخص المعني إرهابيا.

الإخوان المسلمون موجودون في كل أنحاء العالم، ولم نجد دولا غاضبة من هذه الجماعة أو تلاحقها غير مصر الآن.

كانت بعض الأنظمة العربية تحاصر الجماعة بين الحين والآخر، لكن لأسباب الخصومات السياسية وليس لأسباب إرهابية.

وعلى الرغم من أن القيادة المصرية ترى في المتظاهر إرهابيا، فهي تقول إن المتظاهرين الذين خرجوا في 30 يونيو/حزيران هم الذين أتوا بها إلى الحكم.

كل الموضوع سخيف ونتيجته في النهاية توتير الأوضاع بالمزيد من الإساءة لمصر وحريات الشعب المصري.

بين الاستئثار والكيدية
ارتكب الإخوان المسلمون إبان حكم مرسي أخطاء كبيرة، وهي ناجمة عن عقلية التعصب التي يتميزون بها، الإخوان المسلمون ككل الفئات الإسلامية جماعة متعصبة ولا ترى الحقيقة إلا من خلال ذاتها.

أسمع قادة مصريين يتحدثون عن صيانة الدولة المصرية، وأراهم يهدمونها بإصرار، تصرفات القيادات المصرية الآن ليست متزنة، وتنم عن تصرفات مراهقة وليس عن نضج وحكمة
استعدادها لقبول الآخر ضعيف، ورغبتها في التفاعل مع الناس على اتساع المجتمع محدودة جدا، وربما هذا ما يفسر عجز الفئات الإسلامية بمن فيها جماعة الإخوان عن إدارة دفة الحكم بصورة ناجحة.

هذا التعصب والانغلاق يدفع الجماعة إلى الاستئثار بالحكم، وهذا ما عملت عليه إبان حكم مرسي.

وقد سبق أن كتب كثيرون في هذا المجال، وكنت أحدهم، وحذرت الإخوان من الوقوع في هذا الخطأ التاريخي. وكالعادة، التيارات الإسلامية لا تقبل نصيحة من غير عناصرها. ركب مرسي رأسه، وآلت الأمور إلى ما نراه اليوم.

جماعة الإخوان استئثارية، لكن جماعة القائمين على مصر الآن -وفق تحليلي لما أراه وأسمعه- انتقاميون وكيديون، وهؤلاء أشد خطورة على مصر من مرسي.

مرسي وضع مصر في مأزق وحاول إرضاء الإسرائيليين والأميركيين لكن القائمين الآن يجرون مصر جرا إلى الهاوية.

الحكم القائم على الانتقام والكيدية يتحول إلى الإجرام والظلامية ولا يستطيع التمييز بين الخبيث والطيب، وهو حكم يتربص ولا يؤمن إلا بالقوة والحلول الأمنية.

هذه هي سمة الطغاة العرب الذين جروا الأمة العربية في النهاية إلى هذا النزيف الدموي. وكيف لا ومثل هذا الحكم يصر على إفساد البلاد والعباد، وبث البغضاء والكراهية بين الناس، وصنع الثارات الدموية التي تأتي على الوحدة القومية والوطنية.

أنا أسمع قادة مصريين من كل الأصناف يتحدثون عن صيانة الدولة المصرية، وأراهم يهدمون مصر بإصرار.

تصرفات القيادات المصرية الآن ليست تصرفات متزنة، وهي تنم عن تصرفات مراهقة وليس عن نضج وحكمة، تصرفات هذه القيادة -ومن والاها من المثقفين والمفكرين والإعلاميين- لا تساهم في تمتين الوحدة الوطنية المصرية، بل -على العكس- تنذر بأخطار كبيرة يمكن أن تحل على مصر. إنها تستدعي الإرهاب والتفجيرات، وتضع المصريين جميعا أمام مرحلة تاريخية سوداء.

القومية والروح الناصرية
لا يكفي الحديث عن ولادة عبد الناصر الجديد بثوب السيسي لأن الوقائع تقول عكس ما نسمع. القيادة المصرية الجديدة لم تتلفظ بكلمة واحدة ضد اتفاقية كامب ديفد حتى الآن، ولم تقل شيئا عن السيادة المصرية المنتقصة على سيناء.

مرسي أمد إسرائيل بالغاز، والسيسي يفعل ذلك الآن، مرسي لم يحاصر المقاومة الفلسطينية في غزة إلا قليلا، أما مصر بالقيادة الحالية فتشكل أكبر عون لإسرائيل ضد المقاومة الفلسطينية.

قيادة مصر الآن أبعد ما تكون عن سياسة عبد الناصر، حيث إنها تدمر أنفاق غزة وتقفل معبر رفح، وتجهد في منع تهريب المال والسلاح إلى غزة.

مصر الآن تدور في معسكر آخر لا علاقة له بعزة العرب وكرامتهم وتحرير فلسطين، ولا يحق لقياداتها الادعاء بلبس الثوب الوحدوي القومي.

مصر الآن تدور في معسكر آخر لا علاقة له بعزة العرب وكرامتهم وتحرير فلسطين، ولا يحق لقياداتها الادعاء بلبس الثوب الوحدوي القومي
وإذا كان هناك نوع من التوتر بين حماس -كجزء من الإخوان المسلمين- والقيادة المصرية الحالية، فإن هذا يجب ألا ينعكس على جهود المقاومة في تسليح نفسها ضد إسرائيل، كل جهد تقوم به جهة عربية لعرقلة المقاومة هو جهد لدعم إسرائيل، واستمرار غطرستها واحتلالها للأرض والمقدسات.

وفي الجانب الآخر، يفترض أننا تعلمنا الدروس من الأحداث المريرة التي تجري على الساحة العربية. لقد أتى الاستبداديون والطغاة العرب بالغزاة الغربيين الذين دمروا البلاد والعباد، وبسبب الظلم والطغيان نشأت فئات متطرفة مجرمة لا همَّ لها إلا الانتقام من الظالمين الاستبداديين.

قادة مصر الآن يمارسون القمع والظلم والاستبداد، ويمارسون ما ثاروا بسببه ضد مبارك، إنهم يستدعون المتطرفين، ويستقدمون الفئات المجرمة لتعمل متفجراتها في جسد مصر والمصريين، ولا يحق لمستبد أن يلقي باللائمة على الآخرين لأنه هو الذي يمهد الطريق للإجرام وسفك الدماء.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة