إيران وأميركا.. من استوعب درس العراق؟   
الخميس 16/3/1433 هـ - الموافق 9/2/2012 م (آخر تحديث) الساعة 8:04 (مكة المكرمة)، 5:04 (غرينتش)
فارس الخطاب

المتابع للشأن الإيراني يلاحظ تصعيدا إيرانيا متناغما مع ما يجري في المنطقة من أحداث وما يعني سقوط أو تداعي النظام الإقليمي برمته لصالح المصالح الغربية والدول المرتبطة بها، ولعل ما أطلق من تصريحات وتهديدات لقادة إيرانيين سياسيين وعسكريين خلال وبعد مناورات مضيق هرمز المثيرة للجدل يوحي بما لا يقبل الشك بسعي إيران لجر الغرب ودول المنطقة إلى زوايا تريدها هي في إدارة الصراع.
 
"
صحيح أن إيران من الناحية العملية والفعلية ترضخ تحت ضغوط ما يسمى بـ"الحرب الناعمة" كما حدث مع العراق, إلا أن الوضع في إيران أعقد وأصعب وأخطر كثيرا مما كان عليه الوضع في العراق
"
وليس خافيا أن جزءا مهما من القيادة الإيرانية يتحرك الآن وفق فلسفة تقول: "إيران لن تنتظر كما فعل صدام حسين" ، ويجب أن تتحرك لدرء الخطر الأميركي الإسرائيلي ونذر التعرض العسكري لمفاعلاتها النووية أو ما يطلق عليه الربيع الإيراني المتوقع خلال الانتخابات النيابية الإيرانية مطلع مارس/آذار المقبل.
 
إن القيادة الإيرانية درست خلال عقد من الزمن السلوك الأميركي والغربي عموما فيما يخص تحديد ساعة الصفر للانقضاض على العراق وإسقاط حكومته، كما حللت بشكل تفصيلي بالرؤية والوثائق تراخي النظام العراقي في الاستعداد للغزو الأميركي لبلاده واستسلامه للأسلوب الغربي في إضعاف قدرات العراق العسكرية والاقتصادية والنفسية عبر إشغاله بحصار مقيت امتد أكثر من ثلاث عشرة سنة، وبالتالي فهي تعلم علم اليقين أن من أخطاء صدام حسين القاتلة له ولنظامه أنه ترك الباب على مصراعيه للأميركان في موضوع تحديد يوم وأسلوب ومكان الهجوم على العراق واحتلال أراضيه بشكل كامل.
 
صحيح أن إيران من الناحية العملية والفعلية ترضخ تحت ضغوط ما يسمى بـ"الحرب الناعمة" التي هي عبارة عن "مجموعة من التدابير السياسية والاقتصادية والمصرفية والإعلامية والاستخبارية يجري استخدامها بشكل منسق لغرض اختراق النظام السياسي للدولة المستهدفة وإضعافها اقتصاديا واجتماعيا بغية كسر إرادتها وقدرتها على الصمود والمواجهة"، وهذا بالتحديد ما حدث للعراق، جار إيران اللدود إبان حكم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين. ولا تريد إيران بالطبع أن تؤول أمورها إلى ما آلت إليه أمور العراق، إلا أن الوضع في إيران أعقد وأصعب وأخطر كثيرا مما كان عليه الوضع في العراق.
 
لهذا فإن الولايات المتحدة خلال إداراتها المتعاقبة وبمساعدة الغرب عموما لها وبعض دول الإقليم تعمل على إدارة "الحرب الناعمة" على إيران بطريقة فيها الكثير من التخطيط والدقة في اختيار الخطوات تجاهها وخاصة فيما يتعلق بالعقوبات، ذاك أن سيطرة إيران على الموقف الرسمي للعراق ونفوذها المسلح الطائفي فيه، وكذلك تغلغلها في جسد بعض دول مجلس التعاون الخليجي من خلال ما يعرف بالخلايا النائمة وغير النائمة هناك، بالإضافة إلى وجود (سوريا) حليفها الإستراتيجي في المنطقة وحزب الله في لبنان، كل هذه العوامل تجعل من الحكمة الغربية أن تعتمد أسلوبا أنجع وآمن للتعامل مع الملف الإيراني برمته.
 
"
أميركا وإسرائيل والغرب يعلمون جميعا أن العقوبات السياسية والاقتصادية، أثرت بشكل أو بآخر على بنية إيران اقتصاديا ، لكنها أخفقت جميعها في تعطيل برنامجها النووي
"
إن الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب يعلمون جميعا أن العقوبات السياسية والاقتصادية، التي فرضت على إيران أثرت بشكل أو بآخر على بنية هذه الدولة الاقتصادية وعلى مستوى الرضا لدى الجمهور عن أداء حكومته، لكنها أخفقت جميعها في تعطيل برنامجها النووي، وأنها بصدد امتلاك سلاح نووي خلال أقل من عام بحسب آخر تصريح لوزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا، لذلك يبقى رهان الولايات المتحدة على الانتخابات الإيرانية المزمع إجراؤها في الثاني من مارس/آذار المقبل، وتحفيز الشارع الإيراني للانتفاضة ضد حكم الملالي من خلال ما يطلق عليه "الربيع الإيراني"، ومن خلال الدعم اللوجستي الاستخباري الغربي في داخل إيران، ومع مساعدة الإعلام الدولي والإقليمي، يتم الضغط على ساسة إيران المعتدلين وتمكينهم من الوثوب نحو قلب الأوضاع داخل المؤسسة الحاكمة في إيران، وهو ما سيجنب الغرب والإقليم مخاطر ضربة عسكرية ربما لا تحمد عقباها أو لا يمكن لأحد أن يحسب مدى تشظيها بشكل دقيق.
 
إيران تفهم هذا المخطط جيدا، وهي تعلم أنها يمكن أن لا تستطيع السيطرة على أمطار "الربيع الإيراني" المقبل، لذا قررت أن تهرب منه إلى الأمام، من خلال الضغط على محور النفط المهم عالميا، وتوقيت إثارة أزمة مضيق هرمز، فالعالم يموج تحت وطأة أزمة اقتصادية جعلت معظم دول أوروبا وكذلك الولايات المتحدة مشغولة بمحاولات الخروج منها، وجميع هذه المحاولات خلّفت وتخلف حالة من عدم الرضا الشعبي بسبب تفشي البطالة وتوقف أنشطة اقتصادية كثيرة ورفع الدعم عن كثير من السلع والحاجات الضرورية للناس هناك.
 
كما يسعى الرئيس الأميركي باراك أوباما للفوز بولاية رئاسية ثانية، وقرار الحرب قد يكون من الصعب جدا اتخاذه بما يعنيه للأميركان تحديدا من كم هائل من الخسائر البشرية والمادية الباهظة، بحسب تجربة العراق، كما أن السكوت عن تهديدات إيران ووقاحتها (بحسب الرؤية الأميركية) لن يشكل عامل حسم جيد لصالح أوباما ويظهره ضعيفا جدا أمام الناخبين الأميركيين.
 
إن تأخر حسم موضوع سوريا زاد من فرص إيران في كسب الجولة الحالية من إدارة الصراع مع الولايات المتحدة وحلفائها، حيث إن أي حرب تقع بتوقيت إيراني تعني توسيع دائرة الصراع لتشمل سوريا وحزب الله في لبنان وربما العراق، وستكون حدود هذه الدائرة ممتدة من أفغانستان وحتى الحدود المصرية الإسرائيلية، وعلينا أن نتصور حجم الضغط الذي توقعه إيران في سباق الإرادات وصراعها مع الغرب من جهة وإسرائيل التي تخشى أن يفضي هذا الضغط إلى تأجيل الولايات المتحدة لعمليات عسكرية محتملة ضد أهداف إيرانية تشكل مصدر قلق وخوف دائم لها ولأمنها القومي. 
 
"
المنطقة مقبلة على أوقات عصيبة قد تدمر ما بني فيها من إنجازات خلال أكثر من عقد من الزمن ، ولن تكون إيران المتضرر الرئيسي بالطبع
"
إن المراقبين للأوضاع في المنطقة يعتقدون أن إيران المهتمة بتصدير ثورتها الإسلامية منذ أكثر من ثلاثين عاما لن تترك فرصة امتلاكها السلاح النووي -التي باتت قريبة جدا منها وما تعنيه من قدرة وقوة على التحكم في مقدرات الشرق الأوسط  وربما العالم- تفلت من يدها خاصة أنها ترى أنها استطاعت طيلة السنوات الماضية أن تكسب المناورات السياسية، كما تظن أنها قادرة على كسب الجولة الأخيرة لصالحها إما بفرض التوقيت والمكان المناسبين للعمليات العسكرية مع الغرب أو بفرض احترام قدراتها وقوتها ومكانتها في المنطقة وبالتالي ضرورة التعامل معها من قبل الغرب باعتبارها شريكا له في المصالح وليست عدوًّا له.
 
إيران تمضي قدما في خطأ لا يمكن غفرانه، فهناك حقا خط أحمر لا يمكن للغرب ولا لإسرائيل تحديدا قبوله ألا وهو "تطوير سلاح نووي"، وهو ما تؤكد مصادر الاستخبارات الغربية حدوثه في إيران، لذا فإن المنطقة مقبلة على أوقات عصيبة قد تدمر ما بني فيها من إنجازات خلال أكثر من عقد من الزمن، ولن تكون إيران المتضرر الرئيسي فيها بالطبع، بل ستتضرر دول منطقة الخليج العربي برمتها وربما سوريا ولبنان والعراق، إلا إذا حدث ما يفاجئ الإدارة الإيرانية، ويقلب المعادلة السياسية في طهران لصالح الشعب الإيراني الذي يواجه تحديات مؤلمة في حياته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية اليومية، والذي يقول عنه رئيسه أحمدي نجاد "إن الشعب الإيراني حسيني وعاشورائي ومن المستحيل أن يتراجع قيد أنملة عن حقه المشروع".
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة