رئاسيات مصر تكشف عجز أحزابها   
الأحد 1435/6/28 هـ - الموافق 27/4/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:33 (مكة المكرمة)، 13:33 (غرينتش)
بشير عبد الفتاح


على غرار سابقتها التي أجريت قبل عامين، تميط الانتخابات الرئاسية المرتقبة في مصر اللثام عن مدى عجز ووهن الأحزاب السياسية حيال ذلك الاستحقاق المصيري بامتياز، على نحو يمكن رصده في ملامح ثلاثة بارزة:

أما أولها، فيتمثل في افتقار تلك الأحزاب إلى الكوادر السياسية التي بمقدورها خوض السباق الرئاسي المرتقب والمنافسة بقوة في فعالياته، إذ لم يكن في وسع أي منها تقديم مرشح رئاسي من بين أعضائه، كما لم يتسن لها مجتمعة الاتفاق على تسمية مرشح رئاسي وحيد يمثلها جميعا في هذا الحدث المشهود.

في الوقت الذي يتمتع فيه قرابة تسعين حزبا سياسيا بحرية العمل على الساحة حاليا، بعدما تم تعديل قانون الأحزاب السياسية بما يساعد على تبديد العوائق القانونية التي كانت تعقد تقنين أوضاع الأحزاب السياسية وتكبل نشاطها.

فقد تم تعديل قانون الأحزاب السياسية على نحو ييسر كثيرا من تأسيسها وإعلانها، إذ يعتمد الحزب الجديد بعد مرور ثلاثين يوما على تقديم إخطار بتأسيس الحزب كتابة للجنة شؤون الأحزاب، مصحوبا بتوقيع خمسة آلاف عضو مؤسس، دون اعتراض اللجنة.

تفتقر أحزاب مصر للكوادر السياسية التي بمقدورها خوض السباق الرئاسي، إذ لم يكن في وسع أي منها تقديم مرشح رئاسي من بين أعضائه، كما لم يتسن لها مجتمعة الاتفاق على تسمية مرشح يمثلها جميعا في هذا السباق

فبعدما تحفظ مرشحان رئاسيان في الانتخابات السابقة هما الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح (رئيس حزب مصر القوية) والناشط الحقوقي خالد علي، على الأجواء السياسية والقانونية التي في ظلها ستجرى الانتخابات الرئاسية المقبلة، والتي اعتبراها كفيلة بدفعهما نحو مقاطعتها، أصر المرشح الرئاسي الناصري السابق حمدين صباحي على خوض المعركة الرئاسية.

غير أن زعيم التيار الشعبي، الذي لا يعد حزبا بالمعنى السياسي والمؤسسي للكلمة كونه يطوي تحت مظلته ناشطين من مشارب سياسية شتى، كما يعد جزءا من جبهة الإنقاذ الوطني، التي تضم هي الأخرى أطيافا سياسية متنوعة من الأحزاب والحركات، لم يحظ حتى الآن بدعم أو مساندة الجبهة له رسميا كمرشح رئاسي، كما لم يكن تفكيره في التراجع عن مواصلة النزال الانتخابي احتجاجا على القانون الجديد المنظم للعملية الانتخابية، مرتكزا على قاعدة حزبية مؤسسية، بقدر ما يعبر عن مزاج سياسي شخصي مضطرب تحت وطأة معركة انتخابية ضارية ضد منافس لا طاقة له به.

أما المرشح الرئاسي المشير عبد الفتاح السيسي، فلا ينتمي لأي حزب سياسي من الأساس، كونه رجلا عسكريا ليس له باع أو سابق خبرة في العمل السياسي، كما رفض تأسيس حزب جديد أو الانضمام إلى أي حزب قائم بالفعل مفضلا أن يكون مرشحا رئاسيا عن المصريين جميعا وليس فصيلا سياسيا بعينه، هذا في الوقت الذي اضطرته الظروف السياسية والأمنية الصعبة التي تجتاح البلاد هذه الأيام فضلا عن انشغاله بترتيب أوضاع القوات المسلحة من الداخل توطئة لاستقالته من وزارة الدفاع، إلى البقاء في منصبه كقائد عام للقوات المسلحة حتى آخر مدى زمني يتيحه له قانون الانتخابات الرئاسية الجديد، ومن ثم بدا الرجل كما لو كان يتمتع بتأييد جماهيري جارف وإن افتقد للظهير السياسي التنظيمي القوي.

ولقد أفسح إحجام المرشحين المدنيين الحزبيين عن تحمل عناء مغامرة الماراثون الرئاسي، واختزال مشاركتهم الرمزية في أكروبات سياسية هزلية كالتلويح بالترشح ثم التراجع عنه قبل فتح الباب رسميا لهذا الغرض، المجال أمام بروز ظاهرة المرشحين ذوي الخلفيات العسكرية.

فبالإضافة إلى المشير السيسي، جاءت إشارات الفريق سامي عنان (رئيس أركان حرب القوات المسلحة السابق) بالترشح ثم العدول قبل فتح الباب رسميا أيضا، ومن بعد ذلك تلميحات المرشح الرئاسي السابق الفريق أحمد شفيق بإمكانية الترشح، حالة امتناع المشير السيسي عن خوض السباق.

بيد أن ما يستحق التأمل، في هذا السياق، أن الأحزاب السياسية، قديمها وحديثها، لم تكتف فقط بالتفريط في حقها الطبيعي وواجبها الأصيل في التقدم بمرشحين رئاسيين، وإنما حرصت قياداتها على نفي أية نيات من هذا القبيل وكأن الأمر سبة أو جريمة تستوجب التبرؤ منها، بل إنها طفقت تتبارى في إظهار دعمها، غير المحدود، للمشير السيسي كمرشح رئاسي حتى قبل إعلانه الترشح رسميا، مؤكدة أنه، دون سواه، هو الأنسب لقيادة البلاد.

وأما الملمح الثاني، فيتجلى في ارتباك مواقف الأحزاب السياسية حيال المرشحين الرئاسيين، وإن اتفقت تقريبا فيما يخص رفض مواد بعينها ضمن القانون المنظم للانتخابات.
 
ففيما أكدت أحزاب الوفد والمؤتمر والتجمع دعمها لترشح المشير السيسي، لم تحسم أحزاب أخرى موقفها في هذا المضمار. بل إن الخلاف قد ضرب أطنابه داخل الحزب الواحد بعد أن تباينت الآراء ما بين تأييد ترشح المشير السيسي أم بقائه وزيرا للدفاع وصمام أمان في مرحلة بالغة الحرج من تاريخ البلاد.

أما إعلان حمدين صباحي رسميا خوضه انتخابات الرئاسة، فقد ارتآه بعض الناشطين الحزبيين فرصة لإضفاء التنافسية والتعددية على انتخابات ما برحت تبحث عن الشرعية والنزاهة، فيما رأى بعض آخر أن صباحي قد أخطأ في حق نفسه وبني وطنه.

لم تكتف الأحزاب المصرية بالتفريط في حقها الطبيعي وواجبها الأصيل في التقدم بمرشحين رئاسيين، وإنما حرصت قياداتها على نفي أية نيات من هذا القبيل وكأن الأمر سبة أو جريمة تستوجب التبرؤ منها
وفي حين أعلن حزب الدستور دعم صباحي، ترك الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي الحرية لأعضائه في اختيار مرشحهم في الانتخابات القادمة.

وما انفك حزب النور والدعوة السلفية منقسمين بشأن دعم المشير السيسي أو أي مرشح رئاسي آخر. فبينما ترى القيادات أن السيسي هو رجل المرحلة والأنسب لرئاسة مصر، علاوة على أنه ليس معاديا للشريعة الإسلامية، تعتقد القواعد الشعبية غير ذلك وتريد مرشحا ذا خلفية إسلامية.

ورغم إعلان رئيس حزب الوفد العتيق تأييد المشير السيسي كمرشح رئاسي قبل إعلان الأخير ترشحه رسميا، لوّح شباب عدد من اللجان النوعية بالاستقالة من الحزب استياء من سلبيته حيال الانتخابات الرئاسية وغضبا لقبول عضوية عدد من قيادات وأعضاء الحزب الوطني المنحل، بمن فيهم أولئك الذين يحاكمون في قضايا قتل المتظاهرين أثناء ثورة يناير/كانون الثاني 2011.

وبدورها، لم تسلم الحركات السياسية الجديدة غير الحزبية من الأسقام ذاتها التي ألمت بالأحزاب السياسية إبان التعاطي مع الاستحقاق الرئاسي، إذ يبدو أن البنية التنظيمية والسياسية لحركة تمرد لم تكن على المستوى الذي يخولها الصمود أمام أول تحديات ما بعد الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين، حيث وقعت الحركة في براثن الانقسام حول مرشحي الرئاسة.

فقبل فتح الباب رسميا أمام راغبي الترشح، أقدم بعض مؤسسيها من أمثال محمد عبد العزيز (مسؤول الاتصال السياسي للحركة) وحسن شاهين (المتحدث باسمها) إضافة إلى خمسين من أعضائها الأساسيين، على إعلان دعم الحركة لترشح صباحي، بينما أعلن محمود بدر (القيادي المؤسس بالحركة) تأييده للمشير السيسي، رافضا دعم بعض كوادر الحركة لصباحي، الذي اتهمه برفض التوقيع على استمارة تمرد في بداية ظهور الحركة في مايو/أيار الماضي بأحد المؤتمرات الجماهيرية التي عقدتها بقرية كمشيش بالمنوفية.

وبغير تسامح سياسي أو قبول للاختلاف الفكري، لم يتردد بدر في إعلان تجميد عضوية كل من عبد العزيز وشاهين، على خلفية تحدثهما باسم الحركة حينما أعلنا دعمهما لترشح صباحي، بما يخالف بيانها الصادر في 23 ديسمبر/كانون الأول الماضي، والذي تم تأكيده في 7 فبراير/شباط الماضي بإجماع الحركة على دعم ترشح المشير السيسي للرئاسة، وهو التصعيد الذي ردت عليه قواعد الحركة في الإسكندرية والبحيرة ومطروح بسحب الثقة من محمود بدر، بعد فصله مؤسسين بالحركة بقرار فردي، وإعلان دعم السيسي في الانتخابات الرئاسية دون الرجوع إليهم.

وهو الأمر الذي من شأنه أن يطرح تساؤلات بالغة الدلالة حول جاهزية الحركة لمواصلة دورها مستقبلا بوصفها تنظيما سياسيا يفترض أن يمارس بداخله الديمقراطية التي من أجلها التأم وانتفض، وبها يتشبث على الملأ.

وفى تباين مواقفها وعدم اتفاقها حول قانون الانتخابات الرئاسية الجديد، أطل برأسه الملمح الثالث من ملامح عجز الأحزاب السياسية المصرية إزاء تلك الانتخابات. فبعدما عبر العديد منها عن استيائه بجريرة استبعاده من لقاء الرئيس لمناقشة القانون، هرع بعض آخر ممن حضر النقاش لإبداء تفهمه للمواد الخلافية لاسيما تلك المتعلقة بتحصين اللجنة العليا للانتخابات، بينما جنح البعض الآخر للتحفظ عليها متهما إياها بتجريد الانتخابات المزمعة من النزاهة والشفافية.

خلافا لمثيلاتها ببلدان عالم ثالثية، ما فتئت تعيش مراحل التحول الديمقراطي في بلدانها، أبت الأحزاب المصرية إلا الاستمرار في الاضطلاع بدور المتفرج أو المراقب
وهكذا، بدت الأحزاب السياسية المصرية عاجزة عن الاضطلاع بالدور المنوط بها من حيث الارتقاء إلى مستوى الحدث الثوري وما تمخض عنه من استحقاقات انتخابية تتوق إلى التنافسية وتنشد النزاهة، أو مواكبة تطلعات جماهيرية عريضة عبر تربية وإعداد الكوادر السياسية القادرة على الولوج للبرلمان، والعروج إلى سدة الرئاسة، توطئة لاستكمال بناء نظام سياسي أفضل حالا من ذي قبل، وإنجاح عملية التحول الديمقراطي المتعثرة، بما يفضي في نهاية المطاف إلى بلوغ التنمية الشاملة والمستدامة.

فعلى خلاف مثيلاتها ببلدان عالم ثالثية شتى ما فتئت تعيش مراحل التحول الديمقراطي كبلدان أوروبا الشرقية، التي عرفت أحزابا ناشئة أخذت على عاتقها استكمال مهام البناء الديمقراطي، وبلدان أميركا اللاتينية التي شهدت أحزابا يسارية ويمينية ناضلت ضد الديكتاتورية وأسهمت في تدشين نظم ديمقراطية، أبت الأحزاب المصرية إلا الاستمرار في الاضطلاع بدور المتفرج أو المراقب.

وفي حين جاءت تلبيتها دعوة الرئاسة لمناقشة قانون الانتخابات الرئاسية المثير للجدل كمن ينخرط في أمر لا ناقة له فيه ولا جمل، أبت الأحزاب السياسية إلا العزوف عن بلورة حزمة من الأولويات التي يتعين على الرئيس المقبل وضعها نصب عينيه كتحقيق أهداف ثورة يناير 2011 والالتزام بمدنية الدولة وعدم التراجع عن تطبيق الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

وهي بذلك تكون قد تركت الأبواب مفتوحة على مصاريعها أمام نخب بديلة، عسكرية كانت أم دينية، فضلا عن فاعلين سياسيين جدد على شاكلة أولئك الذين تجشموا عناء الاحتجاج على قانون التظاهر مؤخرا، يتطلعون لملء الفراغ وتصدر المشهد السياسي، من دون السير في الطرق التي دأبت الوسائط السياسية التقليدية على التعثر والتيه في ثناياها ونتوءاتها.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة