الشارع اللبناني ولحظة قتال شارعين   
الخميس 1426/1/16 هـ - الموافق 24/2/2005 م (آخر تحديث) الساعة 19:27 (مكة المكرمة)، 16:27 (غرينتش)


عماد فوزي شعيبي

 

مما لاشك فيه أن لحظة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري قد وضعت المنطقة (سوريا-لبنان) أمام وضع مأزقي  يتجلى في تنامي احتمالات تدويل الوضع اللبناني، أو دفع لبنان إلى انفجار بين المعارضة والسلطة من ناحية، أو المعارضة والتيار الآخر المختلف عنها وهو تيار ربما لا يقل وزناً، بل ربما يشكل أكثرية عددية بحكم أكثرية الشيعة فيه.

 

وبين التدويل أو المواجهة، بشقيها، يدخل لبنان بالدرجة الأولى في نفق مأزقي، خصوصاً وأن المعارضة قد بدأت في رسم خطة لاستدعاء النموذج الأوكراني إلى لبنان في محاولة لإسقاط السلطة اللبنانية الحالية والاستفادة من الحملة التي قادتها على السلطة وسوريا لتحقيق إنجاز انتخابي يضمن نسبة أعلى من الحضور البرلماني يسمح بفرض خيارات لاحقة على لبنان وسوريا معاً مستفيدة من التصعيد الذي افتعلته مع مقتل الحريري، بمحاولة الاستفادة من كل الملاحظات على الأداء في لبنان لتحميل سوريا –وبالتالي- السلطة المسؤولية.

 

"
معادلة الوجود السوري في لبنان مرتبطة فعلياً بمسألتين، سورياً بمسألة حل الصراع مع إسرائيل وأميركياً بمسألة حلّ حزب الله
"
والواقع أن المعارضة التي تطالب أحياناً بالتطبيق الكامل لاتفاقية الطائف أو لتجاوز الطائف لمرحلة ما بعد اغتيال الحريري، تقع في إشكالية مزدوجة؛ فهي من ناحية أكثر الفئات رغبة في (الانتقائية) في تطبيق الطائف؛ لأن المعارضة لا تتحدث عن إلغاء الطائفية السياسية بل وترفض هي بالذات هذا الإلغاء.

 

لقد كانت محاولة السلطة اللبنانية تشريع قانون انتخابي يعتمد القضاء دائرة انتخابية تصالحاً مع هذه المعارضة بشقيها المسيحي –قرنة شهوان، والدرزي– وليد جنبلاط، وهو ما يكرس الطائفية السياسية أي تكريس؛ أي أن السلطة التي أرادت  قبل اغتيال الحريري مد الجسور نحو المعارضة كانت تتراجع عملياً عن مشروع الطائف لخلق دولة للجميع، في تسوية مرة من أجل قبول حلّ وسط تم إسقاطه من المعارضة نفسها تحت وقع اغتيال الحريري.

 

وذلك يأتي في محاولة للاستفادة من مناخ التدويل لتحقيق عملية سحق للسلطة وإخراج للقوات السورية دون الأخذ بعين الاعتبار أن معادلة الوجود السوري مرتبطة فعلياً بمسألتين: سورياً بمسألة حل الصراع مع إسرائيل وأميركياً وهذا لا منفعة فيه أو مسؤولية لسوريا بمسألة حلّ حزب الله، وهو أيضاً المطلب الإسرائيلي، أي أن المعارضة اللبنانية ترتكب بحسابات مبسطة خطأً إستراتيجياً بهذا الخصوص.

 

وهنالك خطأ آخر يتم استدعاؤه بالرمزية الشكلية (الشكل الحالي لاستخدام الجموع البشرية أو حتى ترميز الشارع المستخدم) بالسحب الميكانيكي للنموذج الأوكراني على الحالة اللبنانية، التي سيعني الانتقال بها من المأزق إلى الصدام وربما إلى انهيار مشروع الدولة والعودة إلى الاقتتال.

 

فعندما تلجأ المعارضة إلى التصعيد والاعتصام والتدرج نحو العصيان المدني، تدفع الدولة إلى الاصطدام معها في الشارع، ملتحفةً بالشرعية الدستورية والقانونية لأنها حكومة مُقرة من برلمان ديمقراطي، ومدعومة بقوة القانون لحفظ الأمن ومنع إلغاء الدولة، هذا الاصطدام لا يجد مقابله المعارضون أية شرعية قانونية إلا شرعية (التحليق) السياسي والاحتقان السياسي دفعاً نحو المطالبة بمطالب كالسيادة وسيادة القانون (في  موضوع اغتيال) وهي مطالب لا يمكن الحصول عليها بإلغاء هيبة الدولة.

 

الأهم في هذا إذا ما استدعى الأمر مواجهة أكثر تعقيداً بين الدولة والسلطة وتم استخدام الجيش اللبناني في هذه المهمة، فإن وضع الجيش في مواجهة جزء من الشارع سيكون عملاً فيه انقسام للمجتمع، وفيه أيضاً مخاطر انقسام الجيش.

 

 وفي هذه اللحظة أي لحظة انقسام الجيش فإن معيار استمرارية الدولة، لا السلطة، سيكون في أدنى درجاته، الأمر الذي سيفتح المعادلة على عودة الاقتتال إلى الشارع اللبناني؛ لأن غياب الدولة ستملؤه القوى على الأرض، مما يعني أن الذين يطالبون بحماية دولية وصولاً إلى الانتداب، سيدفعون القوى الدولية إلى لبنان.

 

"
مستوى العمل السياسي لحل الأزمات لا يكون بالشوارع التي تسعَر المواقف الغريزية وتدفع نحو انقسام البلاد
"
وسيتحول لبنان إلى ساحة عمليات دولية داخلية من ناحية أو بالحد الأدنى سيكونون قوى داخلية تعكس تجاذبات دولية – إقليمية- داخلية، وهو الاحتمال الأقل ترجيحاً في ظل المعادلة الدولية التي يراد لها أن تعمم باللغة السياسية الأميركية الحالية التي تؤمن بحسم الصراعات بالتدويل وبالقوة.

 

الاحتمال الثاني في معادلة اصطدام القوى في لبنان أن تتجنب الدولة- السلطة الصدام وتحاول الاحتماء بالشرعية القانونية الديمقراطية، بما يدفع القوى الأخرى في الصف الأخر لقبول المنازلة الشعبية وعرض القوة في مقابل عرض قوة الاعتراض، الأمر الذي يفسح المجال أمام الأكثرية أن تفرز على مستوى آخر مما سيعني دفع الصدام إلى مستوى شعبي لا يمكن أن يكون مجالاً للمقارنة مع النموذج الأوكراني؛ لأن الأخير سيكون كاريكاتيراً لدراما يمكن ان تحدث عندئذٍ في لبنان.

 

الاحتكام إلى الشارع هو ما حذر منه زعيم حزب الله حسن نصر الله لما فيه من مخاطر الصدام بين الشارعين، وهو موقف حكيم لأنه يعكس نظرة عميقة إلى أن مستوى العمل السياسي لحل الأزمات لا يكون بالشوارع التي تسعَر المواقف الغريزية وتدفع نحو انقسام البلاد.

 

في مستوى التحليل الأكاديمي فإن التحليل النفسي يؤكد على أن الإنسان تحكمه غريزتان: غريزة الحب (Libido) وغريزة الموت. وفي كلتا الحالتين: الحياة – الولادة أو الموت يكون السلوك الغريزي هو الذي يتحكم بالبشر.

 

ومع تقديرنا السياسي للمكانة الكبيرة لرفيق الحريري وتعاطفنا الإنساني مع كل المشاعر التي رافقت التعامل مع هذا الحدث الجلل، فإن إبقاء المسألة في حدود الموقف الغريزي (مع ضرورة عدم التحسس من هذا التعبير لأنه أكاديمي صرف)، لا يعني أبداً أن السياسة ستقاد بالحكمة أو بالعقل خصوصاً أن المستوى الغريزي الذي يحرض عملياً من غريزة فردية إلى تشكيل جماعي (جمعي حسب فرويد) يستحيل في هذه الحالة إلى القطيعة التي تتعارض مع كل موقف عقلاني وتدفع إلى الاصطدام وإلى دائرة من العنف والعنف الرمزي تجعل دورتها اللاعقلانية غير قابلة للانقطاع العقلاني، مما قد يدخل لبنان, في هذه الحالة في دائرة من الصعب الخروج منها تماماً كما كانت حالة بداية واستمرارية الحرب الأهلية آنذاك.

 

 صحيح أن التجاذبات الدولية والإقليمية لن تكون كما كانت في الماضي، وعلى الأغلب ستتحيَد لصالح ما هو دولي، إلا أن هذا لا يعني مع دخول العامل الفلسطيني في المعادلة أن دورة الصدام ستتوقف، إذ أن أصعب الدورات في دورة العنف حلاً، هي تلك التي لا تغذيها عوامل خارجية أو إقليمية، فهي تبقى في دورة غريزية – قطيعية تصبح فيها كل دعوة نحو الحوار والتعقل كمن ينادي في وادٍ، لأن طبيعة التشكيلات سابقة الذكر أنها لا عقلانية ولا تستمع لنداء العقلانية.

 

ومع تقديرنا لإرث الحرب الأهلية العقلاني لدى بعض السياسيين في المعادلة اللبنانية، فإن رهان بعض المعارضة قد يكون معتمدا على تدخل دولي إثر الصدام المحتمل لحسم الموقف داخلياً على الطريقة العراقية، ولإتمام معادلة تفكيك حزب الله خارجياً، وفرض التوطين على الفلسطينيين كجزء مكمل لمعادلة المسار الفلسطيني الحالية.

 

هذا الرهان يحسب خطاً المعادلة؛ لأن  شقي المعادلة الدوليين الظاهرين فرنسا والولايات المتحدة ليسا متفقين على تدخل دولي- عسكري في لبنان، ولا مصلحة لفرنسا في مثل هذا لمستقبل مكانتها في لبنان خشية استعادة نوستالجية لتاريخها الاستعماري في مواجهة ثقافة سائدة ومعمِّرة في المنطقة معيارها أنها مناهضة للاحتلال.

 

 والأهم أن المعاجلة الداخلية اللبنانية لا تحتمل في شقها الآخر قبول هذا الخيار بدون صدام أتعب إسرائيل فأخرجها، وهذا يعني صداماً لا يتوقف.

 

"
رهان بعض المعارضة قد يكون على تدخل دولي إثر الصدام المحتمل لحسم الموقف داخلياً على الطريقة العراقية، ولإتمام معادلة تفكيك حزب الله وفرض التوطين على الفلسطينيين كجزء مكمل لمعادلة المسار الفلسطيني الحالية
"
ونعتقد أن تخفيف اللهجة الأميركية حيال الوضع في لبنان بعد التسريع على خلفية اغتيال الحريري، كان نتاجاً طبيعياً لحسابات من نوع عدم الرغبة بالتورط في صراع ليس هذا هو توقيته مع المنطقة في حقبة بوش الثانية بوجهها المحافظ الجديد- التمامي المسيحي الأيديولوجي للغاية.

 

إن التصعيد الذي تشهده الساحة اللبنانية يعني دفع لبنان إلى ساحة تتجاوز الصراع السياسي إلى المجابهة فالصدام فالانفجار.

 

صحيح أن من حق المعارضة في الدول الديمقراطية الدفع باتجاه استثمار البعد القطيعي (مع الاعتذار مرة ثانية) للحالة الجماهيرية للوصول إلى السلطة ثم تقيم عقلانية سياسية تقطع مع اللاعقلانية القطيعية، إلا أن الحالة اللبنانية ستدفع إلى صدام شارعين أي حالة ليست من الفرز السياسي بشيء إنما هي حالة انقطاع وفصل وتقسيم للشارع اللبناني الواحد.

 

وإذا كانت الأصوات العقلانية ترتفع اليوم مُنادية بالحوار، فإن رفض المعارضة لذلك  متذرعة برفض السلطة وقطع الطريق معها حتى تخرج القوات السورية وتتكشف ملابسات اغتيال الحريري و...الخ، إنما يعني  إقامة سلطة ترفض الآخر الذي ليس مجرد سلطة هنا إنما هو وزن شارع مضاد.

 

والخطر كل الخطر ليس من صدام يمكن تجنبه بين شارع وسلطة، بل مما لا يمكن تجنبه بين شارعين.

__________________

كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة