إستراتيجية الفلسطينيين بعد النجاح الجزئي بالأمم المتحدة   
الاثنين 1434/1/26 هـ - الموافق 10/12/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:31 (مكة المكرمة)، 11:31 (غرينتش)
نبيل السهلي


 
الحق الفلسطيني والقوة الناعمة الأميركية
واقع ما بعد الاعتراف
حماية القدس أولاً
فلسطين والخطوات التالية

بكل المقاييس والمعاني يعتبر يوم الخميس 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2012 يوماً تاريخياً في حياة الشعب الفلسطيني في الداخل الفلسطيني ومناطق اللجوء في الشتات حيث أصبحت فلسطين دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة.

وقد صوت إلى جانب الحق الفلسطيني 138 دولة، في حين صوتت تسع دول ضده، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وكندا، وامتنعت عن التصويت 41 دولة منها بريطانيا.

ويمكن الجزم بأن نضالات الشعب الفلسطيني وتضحياته هي التي أدت إلى هذا النصر السياسي والدبلوماسي الجزئي.

فقد مثل الاعتراف الدولي الكبير بالدولة الفلسطينية اعترافاً بالحق الفلسطيني وبالتالي الظلم الذي لحق بالفلسطينيين منذ النكبة الكبرى التي حلت بهم قبل أكثر من 64 عاماً. لكن في مقابل النجاح الجزئي الذي حققه الفلسطينيون في الأمم المتحدة يبرز سؤال هام حول إستراتيجيتهم القادمة لنيل الحرية والاستقلال بالمعنى الحقيقي للكلمة.

الحق الفلسطيني والقوة الناعمة الأميركية
يلحظ المتابع لعلاقات الولايات المتحدة الأميركية مع دول العالم تراجع قوتها الناعمة التي كانت على الدوام سبباً لخضوع دول عديدة في العالم لسياساتها ومواقفها في إطار العلاقات الدولية.

واللافت أن الولايات المتحدة الأميركية فشلت في إقناع دول الاتحاد الأوروبي ككتلة في رفض الطلب الفلسطيني في الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث صوتت إلى جانب الحق الفلسطيني دول لها وزنها السياسي والاقتصادي النسبي في الاتحاد الأوروبي مثل فرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا.

يمكن الجزم بأن نضالات الشعب الفلسطيني وتضحياته هي التي أدت إلى هذا النصر السياسي والدبلوماسي الجزئي

كما بات واضحاً أن الضغوط الأميركية السياسية والاقتصادية على الفلسطينيين لم تفلح بإقناعهم بعدم الذهاب إلى الأمم المتحدة.

وقد كان لانطلاقة الربيع العربي وانتصار الثورات في أكثر من دولة عربية آثاراً مباشرة على ارتفاع حساسية أي موقف أميركي من قضية معينة من قضايا المنطقة وفي المقدمة منها القضية الفلسطينية التي تعتبر جوهر القضايا العربية.

وفي حال تمت ضغوط كبيرة على الفلسطينيين من قبل الولايات المتحدة الأميركية بعد نيل فلسطين عضوية مراقب في الأمم المتحدة من أجل إخضاعها للمواقف الإسرائيلية، فإن واشنطن ستواجه عزلة دولية وعربية في آن، نظراً لتراجع القوة الناعمة الأميركية والتي توضحت معالمها بعد التصويت الكبير في المنظمة الدولية إلى جانب الحق الفلسطيني.

واقع ما بعد الاعتراف
بات من شبه المؤكد أن انتزاع الاعتراف بفلسطين دولة مراقب غير عضو سيجعل الفلسطينيين يغيرون قواعد اللعبة السياسية خاصة بعد موافقة أكثرية أعضاء الأمم المتحدة على نيل حق من حقوقهم.

ولهذا فإن مبدأ التفاوض إن تم فسيكون محكوما بمرجعيات القانون الدولي التي تمنع المتغيرات الجغرافية والديمغرافية في الدولة المحتلة أرضها، ونقصد هنا الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس أيضاً، حيث اعتبرت قرارات دولية عديدة النشاطات الاستيطانية وفرض الديمغرافيا اليهودية من الأعمال الإسرائيلية الباطلة واللاغية وبشكل خاص في مدينة القدس والخليل.

وقد يعزز هذا التوجه والمرجعية في آن قبول فلسطين كعضو في المنظمات والمؤسسات الدولية المرتبطة بالمنظمة الدولية الأم كالمحكمة الجنائية الدولية، ومحكمة العدل الدولية، ومنظمة العفو الدولية وغيرها.

وقد تهيئ الظروف الناشئة بعد قبول فلسطين عضوا مراقبا في الأمم المتحدة لرفع دعاوى ضد مجرمي الحرب في إسرائيل وكذلك المستوطنين، ومن ثم اقتيادهم إلى المحاكم الدولية ومعاقبتهم بعد تجريمهم في ارتكاب مجازر، ومنها على سبيل المثال المجازر المتكررة في باحات الأقصى المبارك ومجزرة جنين في عام 2002، والعدوان على قطاع غزة في نهاية عام 2008 وبداية عام 2009، وكذلك العدوان على غزة في شهر نوفمبر/تشرين الثاني المنصرم.

يكفي اليهودي الآتي من دول العالم المختلفة أن يعلن نية القدوم إلى فلسطين حتى يصبح مواطناً في القدس

بعد نيل الفلسطينيين لدولة بصفة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة يجب تغيير قواعد اللعبة بكل تأكيد، سيتم التركيز على تطبيق القرارات الدولية الخاصة بفلسطين، وبشكل خاص تلك الداعية إلى تفكيك المستوطنات وعددها نحو 151 مستوطنة في الضفة الغربية إضافة إلى 21 مستوطنة تلف القدس من جميع الجهات، هذا فضلاً عن المطالبة بترحيل المستوطنين الذين يصل عددهم إلى نحو 500 ألف مستوطن في الضفة الغربية بما فيها القدس.

وثمة قرارات دولية أخرى يجب العمل على تطبيقها، ومنها تلك الداعية إلى ضرورة إعادة سيادة الفلسطينيين على مواردهم المائية التي تسيطر السلطات الإسرائيلية على نحو 81% منها، ناهيك عن ضرورة المطالبة بتطبيق القرارات الدولية الداعية إلى عودة النازحين الفلسطينيين الذين هجروا من الضفة الغربية وقطاع غزة خلال عدوان يونيو/حزيران 1967 وبعده، حيث يقدر مجموعهم خلال العام الحالي 2012 بنحو 1.6 مليون نازح فلسطيني، والقسم الأكبر منهم يتركز في الأردن.

حماية القدس أولاً
من الناحية العملية وضعت مخططات إسرائيلية تستهدف جعل اليهود أكثرية ساحقة في القدس الشرقية المحتلة عام 1967، بحيث ستعتمد الزيادة المقترحة لليهود في المدينة على استيعاب اليهود القادمين من الخارج عبر محاولات فتح قنوات للهجرة اليهودية الكثيفة بعد تراجعها من الدول الأوروبية، فضلاً عن الإعلان عن مغريات إسرائيلية لرفع عدد الولادات للمرأة اليهودية المستوطنة في القدس وذلك بغية الرفع من معدلات الزيادة الطبيعية لليهود.

وفي نفس الوقت ستواكب هذه الزيادة لليهود في مدينة القدس لدى المخططات الإسرائيلية سياسات إجلائية مبرمجة إزاء العرب المقدسيين لترحيلهم بصمت عنها عبر إبطال شرعية إقامتهم في مدينتهم من خلال اتباع الإجراءات التالية: إذا عاش الفلسطيني خارج القدس سبع سنوات متتالية، أو إذا حصل على جنسية أخرى، أو إذا سجل إقامته في بلد آخر.

وتبعاً لهذه الحالات فإن المصادر الإسرائيلية تقدر عدد العرب في القدس المعرضين لفقدان بطاقة الهوية العائدة لهم بنحو خمسين إلى ستين ألف عربي، وهذا يعني ترحيلهم من مدينة القدس أو إبقاءهم خارجها.

واللافت للنظر أن كافة الإجراءات الإسرائيلية لترحيل عرب القدس وضعت وفق ما يسمى أحكام القانون الإسرائيلي الدقيق والمخططة سلفاً فصاحب الأرض -وفقاً لنسق تطور الملكية والسكان- معرض في أي لحظة لسلب حقه وإقامته.

في المقابل، يكفي اليهودي الآتي من دول العالم المختلفة أن يعلن نية القدوم إلى فلسطين حتى يصبح مواطناً في القدس، ولا يفقدها حتى لو غاب سبع سنوات أو سبعين سنة أو حمل جنسية أخرى، على عكس العربي صاحب الأرض الذي يفرض عليه قوانين إسرائيلية جائرة، لاستلاب أرضه وتهويدها بكافة الوسائل، وخاصة عبر مصادرة مزيد من الأراضي في القدس وبناء المستوطنات عليها لتلف المدينة من كافة الاتجاهات وتعزلها عن باقي المدن والقرى الفلسطينية في الضفة.

ويتطلب هذا الأمر جعل قضية وقف النشاط الاستيطاني في القدس لدى الفلسطينيين أولوية بعد نيل فلسطين صفة عضو مراقب في الأمم المتحدة.

تعتبر دعوة الأميركيين لتسريع المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين التفافاً على القرار الذي نالت بموجبه فلسطين صفة عضو مراقب في الأمم المتحدة

فلسطين والخطوات التالية
لم يخف الإسرائيليون امتعاضهم وغضبهم من القرار الأممي الذي نالت بموجبه فلسطين عضوية مراقب في الأمم المتحدة حيث أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أن الوضع الجديد لن يغير شيئاً على الأرض، وذهب العديد من وزرائه إلى أبعد من ذلك حيث أشاروا إلى ضرورة محاصرة الفلسطينيين بمزيد من المستوطنات عبر تكثيف النشاط الاستيطاني وخاصة في مدينة القدس وحولها لفرض الأمر الواقع الإسرائيلي على الأرض.

وفي نفس السياق تعتبر دعوة الأميركيين لتسريع المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين التفافاً على القرار الذي نالت بموجبه فلسطين صفة عضو مراقب في الأمم المتحدة.

في مقابل التوجهات الإسرائيلية والأميركية لمحاصرة التطلعات الفلسطينية لجهة دولة مستقلة في نهاية المطاف، يجب تركيز الجهود الفلسطينية من أجل خطوات سياسية مدروسة لجهة اعتراف دولي بدولة فلسطينية ذات سيادة.

وهذا يتطلب بطبيعة الحال الاتفاق على إستراتيجية وطنية شاملة تأخذ بعين الاعتبار التمسك بالثوابت الفلسطينية.

وقد تعزز عملية التسريع بالمصالحة الفلسطينية وإنهاء الانقسام -بعد المشهد السياسي الفلسطيني الذي ساد لرد العدوان الإسرائيلي على القطاع- من فرص الفلسطينيين في رسم إستراتيجيتهم، وكذلك تهيئة الظروف والمناخات السياسية الصحيحة لبناء علاقات دولية جيدة مع دول العالم، مما يدفع إلى الاعتقاد بأن الفلسطينيين باتجاه دولة فلسطينية ذات سيادة بعد نيلهم صفة مراقب غير عضو في 29 نوفمبر/تشرين الثاني المنصرم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة