أوروبا والمسألة السورية   
السبت 10/5/1436 هـ - الموافق 28/2/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:31 (مكة المكرمة)، 12:31 (غرينتش)
عبد الجليل زيد المرهون

بداية، تبرز الجغرافيا باعتبارها عنصراً تأسيسياً وعامل إدامة ثابتا لارتباط سوريا بالأمن الأوروبي.

والجغرافيا هنا لا تعني فقط الأرض والشواطئ وقياس المسافات، بل هي بالضرورة أكثر من ذلك. إنها ذات صلة بالاجتماع البشري وتفاعل المكونات الاجتماعية، والانسياب المتبادل للفكر والعلوم والثقافة، وأنثروبولوجيا الشعوب، وتطوّر طرق التجارة وتكاملها، ووحدة التحديات أو تقاربها على صعيد الممرات البحرية.

إن ذلك كله يجعل من الجغرافيا عنصراً تأصيلياً في مقاربات الأمن القومي للأمم والشعوب، واستتباعاً بيئةً لعلاقاتها الخارجية. وهذا تحديداً ما ينطبق على المقاربة الأوروبية لسوريا الراهنة، وكذلك التاريخية.

وفي الأصل، تحتل سوريا موقعاً محورياً في المدرك الإستراتيجي الأوروبي، ومعادلة النفوذ الجيوسياسي للقوى الأوروبية، إن في أدوارها التاريخية أو الراهنة.  

فبعد الحرب العالمية الأولى، وانتهاء أربعة قرون من الحقبة العثمانية في بلاد الشام، مثلت سوريا الكبرى مركز النفوذ الأوروبي في الشرق.

وبعد تقسيم سوريا الكبرى إلى أربع دول مشرقية -وفقاً لاتفاقية سايكس بيكو- وُضعت سوريا الحالية رسمياً تحت الانتداب الفرنسي، الذي وُضع تحته أيضاً لبنان.

دامت السيطرة الفرنسية على سوريا نحو ثلاثة عقود بين عاميْ 1918 و1946. ونال السوريون استقلالهم بتضحيات كبرى، برزت بصفة أساسية من ثلاث ثورات، هي ثورة الشيخ صالح العلي التي انطلقت من جبال طرطوس واللاذقية، وثورة الزعيم إبراهيم هنانو في الشمال، ثم الثورة السورية الكبرى عام 1925 بقيادة سلطان باشا الأطرش، وقد انطلقت من جبل العرب لتعم تالياً مختلف المناطق والمدن السورية.

وقبل نحو عام على استقلالها، كانت سوريا على موعد مع حركة شعبية واسعة ضد المستعمر الفرنسي، حدثت بعد مجزرة البرلمان في 29 مايو/أيار 1945، التي ارتكب فيها جنود الجيش الفرنسي إحدى أبشع جرائمهم في التاريخ الحديث.

ويُعتقد أن حركة عام 1945 هي التي وضعت بداية النهاية للانتداب الفرنسي، لتحصل سوريا على استقلالها التام والناجز في 17 أبريل/نيسان من عام 1946.

علاقة سوريا بأوروبا وتفاعلاتها الحضارية معها تمتد في أعماق الزمن بما هو أبعد كثيراً من تاريخ الانتداب الفرنسي. فقد شكلت بلاد الشام الوجهة المشرقية للحضارتين البيزنطية والرومانية، على وجه الخصوص

وبين احتلال جزيرة أرواد عام 1918 وانتزاع السوريين لاستقلالهم الناجز في يوم الجلاء، ثمة مسار كثيف من التفاعلات السياسية والأمنية، وبالضرورة الاقتصادية والثقافية، حدثت بين سوريا وفرنسا. وهذه التفاعلات لا تُعد اليوم مجرد مخزون تاريخي، بل إرثا يفرض نفسه على مقاربة الفرنسيين -والأوروبيين عامة- لسوريا الحديثة.

ولا بد من الإشارة -في الوقت ذاته- إلى أن علاقة سوريا بأوروبا وتفاعلاتها الحضارية معها تمتد في أعماق الزمن بما هو أبعد كثيراً من تاريخ الانتداب الفرنسي. فقد شكلت بلاد الشام الوجهة المشرقية للحضارتين البيزنطية والرومانية، على وجه الخصوص.

هذا المسار التاريخي الطويل من التفاعلات، جعل سوريا الدولة المشرقية الأكثر حضوراً في الآداب والثقافة الأوروبية. فقد كتب عنها البحاثة والمؤرخون الأوروبيون ما لا يُحصى من المؤلفات، كما تغنى شعراء أوروبا بمدنها وأنهارها.

على صعيد الدولة السورية الحالية، تُمكن ملاحظة أن سوريا قد برزت بعد ثورة الثامن من مارس/آذار عام 1963 كقوة جديدة في شرق المتوسط، فتبنت مشروعاً أيديولوجياً عابراً للأقطار، وقالت برؤية خاصة للتغيير الاجتماعي، وبدأت في نسج تحالفاتها مع الكتلة الاشتراكية، وفي المقدمة منها الاتحاد السوفياتي.

وعند هذا المنعطف حدث تطوّران رئيسيان على صعيد موقع سوريا من الأمن الأوروبي: الأول زيادة تفاعلاتها مع دول شرق أوروبا، بما في ذلك روسيا السوفياتية ذاتها. والثاني اصطدامها بالمشروع الأوروبي الأطلسي وتحالفاته الإقليمية التي اعتبرتها دمشق مريبة وشعوبية، ومعادية للعرب.

وفي تلك اللحظة المتحوّلة، لم تبتعد سوريا عن محورية موقعها في المقاربات الأوروبية، بل ازداد حساسية وإن بدا على قدر متزايد من التعقيد، فسوريا أصبحت تمتلك مزيداً من الأوراق في معادلة تحالفاتها الإقليمية والدولية، في حين ضاق هامش المناورة أمام القوى الأطلسية في الشرق الأوسط.

سوريا المتحولة هذه، ازدادت تحوّلاً بعد الحركة التصحيحية التي قادها الرئيس حافظ الأسد في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 1970. وقد جاء هذا التحوّل -بالدرجة الأولى- على مستوى الدور والموقع.

إن سوريا -التي ظلت منشغلة بذاتها منذ عام 1946- اتجهت لأخذ موقعها في الساحة العربية. وكانت رؤية الرئيس حافظ الأسد تقول إن قوة سوريا في انتمائها العربي، وإن تضامن العرب يجب أن يكون في مقدمة أولوياتها، وعليها أن تبادر لا أن تنتظر الآخرين. وأن الصراع العربي الإسرائيلي يفرض عليها بالضرورة هذه المبادرة.

هذه الرؤية، نجحت بعد ثلاثة أعوام في خلق التوافق السوري المصري على الذهاب إلى حرب أكتوبر (1973)، وبناء تضامن عربي كبير داعم لهذه الحرب.

كان التأزم هو الأصل في العلاقات السورية الأوروبية بين الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 وحرب الخليج الثانية عام 1990-1991. وكان الأوروبيون قد فرضوا -في النصف الثاني من الثمانينيات- عقوبات اقتصادية على سوريا

وهنا، بدت سوريا وقد ازدادت ثقلاً في حسابات الأمن الأوروبي. وعلى خلاف ما كان يعتقده الكثيرون، فقد كانت إحدى نتائج حرب أكتوبر شعور أوروبا والغرب عامة بضرورة الاقتراب من سوريا. وهذا الذي حدث بالفعل.

وبعد نحو عقد من الزمن، جاء الغزو الإسرائيلي للبنان، ليضع العلاقات السورية الغربية أمام امتحان جديد، وكان التأزم هو الأصل في العلاقات السورية الأوروبية بين الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 وحرب الخليج الثانية عام 1990-1991. وكان الأوروبيون قد فرضوا -في النصف الثاني من الثمانينيات- عقوبات اقتصادية على سوريا.

ففي عام 1990، جاء الغزو العراقي للكويت ليعيد حسابات الجميع تجاه سوريا، التي بدت هي ذاتها على مفترق طرق دبلوماسية تاريخية وحاسمة.

رأى الرئيس حافظ الأسد أن إسرائيل ستكون الرابح الأول من هذا التطوّر، سواء وقعت الحرب في الخليج أم لم تقع، وأن موازين القوى في الشرق الأوسط سوف تميل بشدة لمصلحتها. وعليه، فلا بد من قطع الطريق أمام هذا المسار، أو لنقل إعادة توجيهه.

وهنا، كانت مشاركة سوريا الرمزية في الحرب بمثابة محاولة لتقليل خسائر العرب، أو الحد من منافع إسرائيل الإستراتيجية المجانية. وعلى أية حال، كانت إحدى النتائج الفرعية لحرب الخليج الثانية انتهاء الاشتباك الغربي السوري في لبنان.

وكما في نتائج حرب أكتوبر، لم يجد الغرب من سبيل سوى التفاهم مع دمشق التي اتسع دورها ونفوذها. وكما يقول باتريك سيل، فإن الغرب لم يكن فيه أحد يُفكر في تخطي الرئيس حافظ الأسد.

وحتى بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، ورغم طوفان الضغوط التي مورست على السوريين، فإن معادلة التسعينيات لم تتغيّر كثيراً، أو لنقل لم تتغيّر من حيث الجوهر.

وفي عام 2011، انفجرت الأزمة في سوريا لتضع أوروبا في موقف لا تحسد عليه أبداً.

مبكراً، أدرك الباحثون الأوروبيون أن انهيار الأمن في سوريا سيكون مقدمة لتسميم الأمن الأوروبي ذاته. ورأى هؤلاء أن فصل الأمن بين ضفتيْ المتوسط ليس سوى ضرب من الخيال، كما تؤكد ذلك كل تجارب التاريخ القريب والبعيد. فكيف إذا كان الأمر يتعلق بدولة ذات موقع ودور محوري في المنطقة، كما هو حال سوريا.

هذا الاستنتاج قال به منذ أكثر من ثلاثة أعوام الباحثون البريطانيون، سابقين بذلك نظراءهم في أوروبا المتوسطية. وما قالت به نخبة الباحثين بالأمس، انتهت للقول به اليوم النخب السياسية في أوروبا.

يدرك الجميع اليوم أن انهيار الدولة في سوريا -إذا حدث- لن يكون سوى باب جهنم الذي سيتطاير منه الشرر في كل اتجاه.

ومما كتبه الباحثون الأوروبيون في هذا المجال، هو أن إطالة الصراع في سوريا ستخلق أزمة لاجئين كبرى في منطقة المتوسط، لن يكون بوسع أوروبا احتواء تداعياتها بأي شكل من الأشكال. وقد حدث هذا الأمر اليوم، ولا حاجة للخوض في حيثياته التي يعرفها الجميع.

بالنسبة للتسوية السياسية للأزمة السورية فإنها لا تُعد ضرورة أخلاقية فحسب، بل هي أيضاً إحدى ضرورات الأمن الأوروبي ذاته. وإن عودة سوريا إلى سابق استقرارها تُمثل مصلحة جيوسياسية أوروبية أكيدة وثابتة

ثانية القضايا التي حذر منها مبكراً الباحثون الأوروبيون هي احتمال سيطرة مجموعات مسلحة غير نظامية على أسلحة نوعية من ترسانة الدولة السورية. وتجري الإشارة هنا -على وجه الخصوص- إلى ترسانة سوريا الصاروخية، التي تُعد بين الأهم من نوعها على صعيد الشرق الأوسط وجواره الأوروبي.

وفي الحقيقة، فإن الباحثين الأميركيين سبقوا نظراءهم في أوروبا -بما في ذلك بريطانيا- في التنبيه إلى خطر سيطرة المجموعات عير النظامية على قدرات صاروخية نوعية من ترسانة الدولة السورية.

ويوجد اليوم عدد كبير من الدراسات الأميركية حول قدرات سوريا الصاروخية، صدر القسم الأكبر منها قبل الأزمة من قبل مؤسسات بحث مرموقة.

وهناك أيضاً دراسات إسرائيلية في هذا المجال، يعود الكثير منها إلى مطلع التسعينيات من القرن العشرين، على الرغم من أن السنوات القليلة الماضية شهدت أيضاً صدور المزيد من الدراسات في هذا الاتجاه.

ثالثة القضايا التي حذر منها الباحثون الأوروبيون هي تلك المتعلقة بانسياب المقاتلين بين أوروبا وسوريا والعكس. وهؤلاء الباحثون لم يخترعوا جديداً فيما قالوه، بل ذكّروا بالتجربة الأفغانية وكيف عانت منها أوروبا. وهذه القضية تحديداً هي اليوم أم القضايا على صعيد الأمن الأوروبي. وكما قال أحد المعلقين البريطانيين، فإن أوروبا قد بلعت سكيناً سورياً.

والخلاصة هي أن أوروبا الرسمية لا تستطيع اليوم سوى أن تأخذ على محمل الجد كل ما حذرها منه باحثوها قبل أكثر من ثلاثة أعوام، وأن تتبنى مقاربة تخدم مصالح الإنسان الأوروبي، الذي يرى فيما يجري في سوريا كابوساً يطارد أمنه واستقراره.

هذه المقاربة -إذا أريد لها النجاح- لا بد أن ترتكز إلى رؤية واقعية للحدث السوري، بعيداً عن الجموح الأيديولوجي، والصورة النمطية المتكلسة، وأن تعترف أوروبا الرسمية بكل وضوح أمام مواطنيها بأن أمنها لا يتحقق بمنأى عن أمن حلب ودمشق.

وهناك طريق واضح لا لبس فيه، هو تشجيع الحوار السوري الداخلي، ومباركة المصالحات المحلية التي تتسع يوماً بعد آخر، والتأكيد على أن المقاربة السياسة للأزمة هي الخيار العقلاني والمنطقي، الذي ينسجم ومخزون سوريا الحضاري، وكذلك فلسفة أوروبا ما بعد وستفاليا، ورسالتها التي بشر بها روادها ومفكروها من أمثال جون لوك ودافيد هيوم وروسو وديكارت وماكس فيبر وحنة آرنت.

على أوروبا الرسمية أن تتذكر حكمة الفيلسوفة جين إيريس ميردوخ، القائلة بأن العنف هو خيبة أمل وضياع للقيم الإنسانية العليا.

لا بد لأوروبا الرسمية من العودة إلى منطق هؤلاء الرواد والفلاسفة، والتأكيد على أن مبدأ التسوية السياسية للأزمات يُعد جزءاً أصيلاً منه.

وبالنسبة للتسوية السياسية للأزمة السورية فإنها لا تُعد ضرورة أخلاقية فحسب، بل هي أيضاً إحدى ضرورات الأمن الأوروبي ذاته. وإن عودة سوريا إلى سابق استقرارها تُمثل مصلحة جيوسياسية أوروبية أكيدة وثابتة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة