ضرب الحركة الإسلامية في إسرائيل.. الإرهاصات والدلالات   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم/ إبراهيم أبو الهيجاء*

- إجراءات ضد فلسطينيي 48
- سياسات متباينة

- من سياسة الدمج إلى المواجهة

- الحركة الإسلامية والنشأة الأولى

- إجراءات متسارعة

- آفاق الصراع

يبدو أن إسرائيل اختارت مناسبة وذكرى النكبة الفلسطينية لتكون فرصة للاستعراض حيث اليد الأمنية تطال أعداءها أو أولئك المشككين بوجودها، واختارت هدفا طالما توعدته.. وباعتقال أكثر من عشرة قياديين في الحركة الإسلامية التي يتزعمها الشيخ رائد صلاح في فلسطين 48 تكون إسرائيل قد دشنت مرحلة جديدة من الصراع الصامت بينها وبين الحركة الإسلامية.

لقد ظلت الحركة الإسلامية تتحرك بما توفر من هوامش ديمقراطية متوفرة لتعزيز قناعاتها الإسلامية والوطنية، وبالمقابل تحركت إسرائيل ضمن موازناتها الداخلية ورؤاها الإستراتيجية واستغلت كل مساحة للقانون لملاحقة الحركة وجمعت استخباريا كل ما يؤيد دعواها، وبعد هذه الاعتقالات تكون إسرائيل قد انتقلت من مرحلة القبضة اللينة إلى القبضة الحديدية، ومن التصريحات إلى الأفعال.

إجراءات ضد فلسطينيي 48


مع نجاح إسرائيل في إخماد العواطف الفلسطينية لدى فلسطينيي 48 مدة من الزمن تصاعدت الوطنية المختزنة بعد الانتفاضة الأولى وتصاعد التيار الإسلامي هناك وسيطرته على العديد من مقاعد البلديات العربية
ما يحدث وسيحدث ضد الحركة الإسلامية ليس منفصلا عما يحدث من إجراءات ضد الفلسطينيين في مناطق 48 بشكل عام والتي تمثلت مؤخرا بما يلي:

  1. مصادرة الأراضي ومحاولة إزالة مساجد أو آثار إسلامية قديمة، وتحديدا في المثلث والجليل الفلسطيني.
  2. مصادرة المواطنة الإسرائيلية من العديد من الفلسطينيين تحت ذريعة القرابة لمتهمين مقاومين أو لمساعدين لأنشطة المقاومة الفلسطينية في الضفة وغزة.
  3. حملات تحريض ضد العرب الفلسطينيين مع كل عملية اعتقال لأحد فلسطينيي 48 متهم أو له علاقة بالعمل المسلح بشكل مباشر أو غير مباشر.
  4. اعتداءات بالضرب وتقييد الحركة وملاحقات قانونية لعرب أعضاء في الكنيست ووصلت إلى حد منع بعضهم من الترشح مثل عزمي بشارة وأحمد الطيبي لاتهامات بتأييد المقاومة الفلسطينية.
  5. استخدام مفرط للقوة والرصاص الحي في انتفاضة الجليل (أكتوبر/ تشرين الأول 2000) المساندة لانتفاضة الأقصى والتي استشهد فيها أكثر من 13 وجرح المئات. وقبلها كانت انتفاضة قد جرت قرب مثلث أم الفحم احتجاجا على مصادرة أرض قرية معاوية القريبة منها وجرح فيها أكثر من 400 لاستخدام الرصاص الحي والمطاطي والغاز.
  6. حملات اعتقال وتحقيق لمجرد الاشتباه كما جرى مع العشرات من الأشخاص الذين تربطهم قرابة بفلسطينيين من الضفة أو غزة لهم فعاليات مقاومة ضد إسرائيل.

وهذه الإجراءات تضاف إلى السياسات الكلاسيكية ضد فلسطينيي 48 منذ الاحتلال والتي تمثلت فيما يلي:

  1. سياسة التمييز في كل المجالات القانونية والتوظيفية والتعليمية والاجتماعية والسياسية.
  2. سياسة الدمج والأسرلة ومحاولة تحويل الأقلية الفلسطينية العربية إلى مدمج في الوطنية الإسرائيلية -وبالتالي الظن بإنهاء الارتباطات العاطفية والتاريخية بالقضية الفلسطينية- عبر منح بعض المميزات المادية والحقوق السياسية التي بقيت في حدها الأدنى من الدرجة اليهودية.

سياسات متباينة

وهكذا بقيت سياسة الدمج والتمييز ميزتين تغلب إحداهما الأخرى حسب الظروف السياسية وتقلباتها. ومع نجاح إسرائيل بإخماد العواطف الفلسطينية لدى فلسطينيي 48 مدة من الزمن إبان السبعينيات والثمانينيات، انتهى ذلك بتصاعد الوطنية المختزنة بعد الانتفاضة الأولى وتصاعد التيار الإسلامي هناك وسيطرته على العديد من مقاعد البلديات العربية.

وكانت اتفاقية أوسلو سببت نكسة لهذه المشاعر لأنها لم تتحدث عن فلسطينيي 48 أبدا، ثم عادت هذه المشاعر بشكل متجذر ومفاجئ لدوائر القرار الصهيوني بعد انتفاضة الأقصى الحالية، خاصة أن الأمر يتعلق بجيل فلسطيني جديد افترضت فيه الدوائر الإسرائيلية أنه أقرب إلى حب الحياة بالطريقة الإسرائيلية حيث مستوى الخدمات متطور. وعولت حكومات إسرائيلية من قبل كثيرا على مثل هذا الجيل إذ أسندت حكومة باراك إلى بعض فلسينيي 48 العديد من المناصب الهامة في الوزارات وحتى بعض اللجان الأمنية، وحاولت الترويج لموضوع تجنيد العرب الفلسطينيين في الجيش الإسرائيلي، ولكن انتفاضة الأقصى قضت على أحلام الأجهزة الإسرائيلية في الدمج وتراجعت هذه السياسة إلى مستوى محاولات الاستيعاب كما جرى حتى العام الماضي، ولكنها الآن بدأت بسياسة القبضة الحديدية والضغط.

من سياسة الدمج إلى المواجهة

فلسطينيو 48 يشكلون قنبلة ديمغرافية تتنامى بشكل مطرد وستؤدي في العشرين سنة القادمة إلى تساوي عددهم مع عدد الإسرائيليين

لقد تحولت السياسة الإسرائيلية تجاه فلسطينيي 48 من التكيف والملاءمة إلى الكبح والمواجهة وبشكل متسارع، ويعود ذلك إلى أسباب أعمق من الاتهامات والإشاعات المروجة ومنها:

  1. اعتبار العرب الفلسطينيين قنبلة ديمغرافية تتنامى بشكل مطرد، وستؤدي في العشرين سنة القادمة إلى تساوي عدد العرب والإسرائيليين في مناطق الخط الأخضر، مما سيعني أن وجود إسرائيل كدولة يهودية سيكون مشكوكا فيه. والتوصيات الخطيرة التي خرج بها مؤتمر "ميزان المناعة والأمن القومي الإسرائيلي" (وثيقة هرتسيليا) الذي كان أهم تطور في السياسة الإسرائيلية دعا إلى ممارسة الترانسفير تجاه الفلسطينيين إذا ما وجدت الظروف المناسبة. أما باقي السياسات التي خرج بها مؤتمر هرتسليا -الذي حضرته مستويات رسمية وحزبية ونخبوية وأمنية- تسير بتسارع، ولعل التضييقات والملاحقات التي تجري بالإضافة إلى مصادرة الأراضي والتوسع في الاستيطان وتشجيع الهجرات اليهودية والإعلان رسميا عن إنشاء عوازل بين فلسطينيي 67 و48 تطبيق حرفي لقرارات هرتسليا.
    وقد تفسر من وجه آخر على أن هذه الإجراءات الإسرائيلية تجاه فلسطينيي 48 ترمي إلى الاستفزاز والاستدراج بفعل أجواء التحريض وظروف القهر والتمييز ومشاعر الوطنية المتصاعدة، وإن لم تنجح إسرائيل فإنها تود أن تصل في النهاية الى حالة تجعل فيها الأقلية الفلسطينية منبوذة سياسيا تقيدها قوانين وتمنعها من استغلال لعبة الديمقراطية حتى في أطرها المسموحة.
  2. معضلة الجغرافيا في المثلث والجليل والمتمثلة بوقوعه على خطوط التماس مع فلسطينيي 67، والأهم أن هذا القطاع كثافته عربية صرفة، كما أن وضعيته القانونية مهزوزة، حيث إن قرار التقسيم (181) يدخل هذه المنطقة ضمن حيز الدولة الفلسطينية، وقد جرى ضمه إلى إسرائيل بموجب اتفاقية رودوس عام 1949 الموقعة بين الأردن وإسرائيل مقابل ضم الضفة الغربية إلى الأردن. ولعل الأخطر بنظر إسرائيل أن هذا القطاع ذا الأغلبية العربية يتكون سكانه من مسلمين محافظين لهم تقاليد رصينة، ولعل وقوع مجمل الانتفاضات في وجه إسرائيل في منطقة من هذا القطاع يجعل خوف الساسة في إسرائيل أكبر.
    لقد بدا الارتباك الإسرائيلي واضحا تجاه التعامل مع هذا القطاع، فتارة تسعى لتهويده وتكثيف الوجود الاستيطاني في عمقه للسيطرة عليه عبر مصادرة آلاف الدونمات، وتارة تسعى (وهذا على وجه الخصوص توجه لإسرائيليين أقرب لليسار) للتخلص من هذه القطاع بطرح فكرة إجراء تبادل بين مناطق المثلث تحديدا مقابل احتفاظ إسرائيل بمستوطناتها الكبيرة، وهذا ما بينته مثلا وثيقة أبو مازن/بيلين المقترحة للتسوية النهائية.
    هذه المعضلة الأمنية بالذات تثير مخاوف إسرائيل نظرا لحالات الاشتراك والاتصال ما بين خلايا المقاومة الفلسطينية ومشتركين أو مرشدين من فلسطينيي 48 والذين كانوا أبعد ما يكونون عن هذه الأعمال بنظر إسرائيل بفعل السياسات الدامية والمرتكزة على خلخلة أخلاق الشباب الفلسطيني وتمييع وطنيتهم.
    وقد أحدثت انتفاضة الجليل صدمة عميقة لدى إسرائيل حيث ثبت لها أن الرغبة الوطنية المقاومة موجودة لدى الفلسطينيين جميعا بمن فيهم غير المؤطرين في الحركات الوطنية والإسلامية.
  3. وما يخيف إسرائيل بشكل أكبر هو تحول حالة المقاومة إلى فعل نشط منظم لا يقتصر على الأعمال اللوجستية أو على الحالة الفردية بفعل تصاعد الإجراءات الإسرائيلية ضد فلسطينيي 48، مما يجعل مزيج المشاعر الوطنية والمطالب الاجتماعية وسياسات القهر والتمييز قنبلة الانفجار الكبرى في وجه إسرائيل ومن الداخل ومن فئة تعرف كل شبر فيه ومختلطة فيه لدرجة التماهي، وهو ما وصفته الدوائر الإسرائيلية بـ"الخناجر الفلسطينية في الأحشاء الإسرائيلية". ونظرا لاقتراب المثلث من المدن الفلسطينية فإن ذلك من الممكن أن يشكل جغرافيا التقاء ورعبا بحيث تصبح مقاومة تغذي مقاومة، ولعل هذا أيضا ما يفسر تسريع إسرائيل في إجراءات إنشاء العوازل الأمنية.
  4. مع اقتراب تطبيق خارطة الطريق حتى ولو بشقها الأمني سيتطلب من إسرائيل منح بعض الميزات والقيام ببعض الإجراءات، ولذا سيكون من الضروري ضرب الخلايا المساعدة للمقاومة الفلسطينية في مناطق 67 عبر الضغط على جهات الإسناد التعبوي والاجتماعي حتى تؤمن خطوطها الداخلية إذا ما اضطرت لتقديم بعض التنازلات أو التسهيلات أو الانسحاب حتى من مناطق المدن والعودة لخطوط 28 سبتمبر/ أيلول 2000.
  5. صعود اليمين الإسرائيلي عجل بدوره في انتقال إسرائيل من سياسة الاستيعاب والتكيف إلى سياسة الضغط والملاحقة، ونقل حيز التخوفات الإسرائيلية المستبطنة إلى سياسات فاعلة تمثلت بإجراءات القبضة الحديدية بدل القبضة اللينة التي اتبعها اليسار الإسرائيلي الحذر من خسارة أصوات العرب الفلسطينيين في انتخابات الكنيست، بعكس اليمين الإسرائيلي المتحرر من ذلك نظرا لكون التصويت العربي لصالحه لا يعدل 5% من مجموع الأصوات العربية الذي يعادل 1% من العرب المسلمين تحديدا.

الحركة الإسلامية والنشاة الأولى

رئيس الحركة الإسلامية رائد صلاح
يتزعم الحركة الإسلامية الشيخ رائد صلاح الذي تطلق عليه إسرائيل "قائد الجناح الشمالي" بسبب تركز أنصاره هناك، وذلك في محاولة منها لخلق انطباعات للسامع بأن السيطرة على هذا الجناح الشمالي هي المشكلة وليس الحركة الإسلامية في داخل إسرائيل. وبالطبع فإن انقسام الحركة الإسلامية ليس وهميا بل هو حقيقة، وجاء الانقسام على خلفية الموقف من الدخول في الكنيست الإسرائيلي مما أدى إلى انفصال بالبنى والهياكل مع بقاء روابط الفكرة الواحدة.

والحركة الإسلامية بالعموم ليست حركة حديثة بل ذات عمق وبنى قوية -رغم تأثرها بحادثة الانفصال- وتعود نشأتها الى السبعينيات بفعل احتكاك أبنائها بأنصار الإخوان المسلمين في الضفة الغربية وتأثرهم بفكر الشهيد حسن البنا مؤسس الجماعة، وأدت دراسة قياداتها في جامعات الضفة الغربية إلى تبلور البعد التنظيمي عندها. وجدير بالذكر أن الحركة الإسلامية في الداخل في بدايات انطلاقتها وحماستها قامت بتشكيل خلية عسكرية أطلق عليها اسم "أسرة الجهاد" نسب إليها العديد من الأعمال الجهادية وأدى اكتشافها إلى صاعقة في إسرائيل. ورغم تأثر نشأة الحركة وامتدادها بفعل الضربة الموجهة لقياداتها فإن خروج قادة الحركة فيما بعد أدى إلى التفاف جماهيري قوي حولها.

وأخذت الحركة بعد ذلك مسارا اتسم بالحذر وممارسة الأبعاد الدعوية والاجتماعية، وممارسة خصوصية إستراتيجية بعدم العمل الإيجابي ضد إسرائيل، وبالمقابل كان توجهها الاجتماعي ناجحا وملفتا واستطاعت تأسيس الجمعيات الخيرية وإقامة العشرات من المخيمات الشبابية الصيفية، وكذلك بناء وإصلاح العشرات من المساجد وافتتاح عدد من المعاهد والمستشفيات والمدارس، وإقامة العديد من المظاهرات والاعتصامات المواكبة لأحداث الضفة الغربية وخاصة الانتفاضة الأولى عام 1987.

كل ذلك أدى إلى استقطاب مطرد ومتسارع وثقة عالية بطروحات الحركة التي حاربت بقوة المفاسد الأخلاقية التي نشرت بين شباب فلسطينيي الداخل، ووقفت بصلابة ضد كل مظاهر الأسرلة وقوت في المقابل الشعور الديني والوطني. ورغم رفضها الاشتراك في الكنيست وبقاء هذا الموقف متماسكا حتى التسعينيات بين جميع أطراف الحركة، فإنها أقبلت بقوة على انتخابات المجالس المحلية، واستطاعت تحقيق فوز واضح في العديد من المجالس والمواقع. من هنا بدأت التحذيرات الإسرائيلية تتصاعد من الخطر الإسلامي القادم ومحاولات كثيرة للتذكير بأعمال الحركة العسكرية القديمة من جهة، وإطلاق تخوفات من إستراتيجية الحركة النهائية الهادفة -برأيهم– إلى القضاء على دولة إسرائيل. ولكن كل ذلك كان ضمن حدود لعبة الإعلام بالشكل العلني، والجهد الاستخباري بالشكل الباطني، غير أن التحولات الإسرائيلية المتسارعة والجديدة إزاء الحركة الإسلامية تحديدا لها أسباب تضاف إلى ما تقدم من الأسباب التي سبقت الإشارة إليها وأهمها:

أولا: نشاط الحركة الإسلامية بقيادة الشيخ رائد صلاح في جهد مميز لربط الأقصى بالهم الوطني لفلسطينيي 48 ضمن حملة "الأقصى في خطر"، وهذه الحملة لم تقتصر على الجهد الإعلامي فحسب بل قامت الحركة ببرنامج عملي لذلك تمثل في:

  1. تسيير حافلات مجانية لزيارة الأقصى كل يوم جمعة مما جعل الأقصى عامرا بالوجود الإسلامي والفلسطيني، وبالتالي الارتباط الإيماني.
  2. عمارة وتشييد المصلى المرواني وهو الأساس الذي منع تقدم الحفريات الإسرائيلية من جهة، وصعب على المفاوض الإسرائيلي طرح مسألة ما تحت الحرم، وكأنها مسلّم بها كحق إسرائيلي مثلما جرى في مفاوضات كامب ديفد الثانية التي فشلت فعليا بسبب تقسيم السيادة على الأقصى التحتية.
  3. ملاحقة الحفريات الإسرائيلية مما أدى للكشف عن الأنفاق والحفريات الأثرية الخطيرة التي تقوم بها إسرائيل بغفلة من الفلسطينيين والمسلمين، مما أدى بشكل مباشر لاندلاع انتفاضة فلسطينية في 1996 سقط فيها أكثر من 80 شهيدا وألف جريح.
  4. رعاية المسجد والقبة الشريفة بشكل دوري وفعلي مما جعل المسجد الأقصى ملتقى علميا وإيمانيا دائما.
  5. إقامة مهرجان سنوي خاص بالأقصى أصبح مع مرور الوقت أكبر تجمع لفلسطينيي 48 تحت ظل قضية القدس.

ثانيا: يتعاضد مع هذا التخوف أن البنية الصلبة للحركة الإسلامية توجد في المثلث والجليل الفلسطيني، وهنا يكون التخوف كبيرا من نوازع انفصال فلسطيني ثقافي أو أن تكون هذه المنطقة مثيرة للقلاقل الأمنية أو تشكل بنية مساعدة لمقاومة الفلسطينيين في الضفة وغزة.

ثالثا: زاد من التخوف الإسرائيلي أن الكثير من الخلايا استعانت بأبناء الحركة الإسلامية لتنفيذ عملياتها في العمق الإسرائيلي، ورغم أن إسرائيل لم تستطع أن تثبت توجه الحركة تجاه عسكرة النضال فإن إسرائيل اعتبرت تحريض الحركة ضد إسرائيل كافيا لخلق نوعيات فلسطينية مرتبطة بالمقاومة، وهذا ما عبر عنه "كارمي غيلون" الذي قال إنه يجب ضربهم حتى لو لم يكن لهم علاقة مباشرة بالعمل العسكري.

رابعا: لا يستهان هنا بالجهد الخيري والاجتماعي الذي مارسته الحركة الإسلامية في دعم وكفالة الأيتام وأبناء الشهداء والأسر الفقيرة الفلسطينية في الضفة الغربية، معتمدة في ذلك على التبرعات التي حصلت عليها من فلسطينيي 48. ورغم أن هذا العمل تمارسه الحركة بشكل علني وقانوني فإنه كان مصدر اتهام وسببا في إغلاق الجمعيات واعتقال أبناء هذه الحركة تحت بند أن هذه الأموال تذهب للمقاومين بشكل أو بآخر. ويبدو أن ما لا تقوله إسرائيل هو خوفها من استمرار تعزز مشاعر الوطنية والارتباط بالقضية الفلسطينية لدى فلسطينيي 48 عبر ربط أبناء الشهداء مثلا بكفلاء ميسورين من فلسطينيي 48.

خامسا: يساند كل ذلك رفض الحركة للدخول في انتخابات الكنيست ودعوتها الصريحة للفلسطينيين هناك إلى المقاطعة، وهو أساس خلافها مع الاتجاه الثاني في الحركة التي يتزعمها الشيخ عبد الله نمر درويش، وحجة الحركة الإسلامية هنا كما يبينها الشيخ رائد ذاته في عدة مقالات نشرت له "أن هذه الانتخابات لا تؤدي إلى تحقيق مصالح العرب الفلسطينيين بقدر ما تبرز إسرائيل كدولة ديمقراطية، مما يعمل على سحق مطالب الفلسطينيين الوطنية والاجتماعية وتمييع ثوابتهم الدينية".

إجراءات متسارعة


الإجراءات الإسرائيلية تجاه فلسطينيي 48 ترمي إلى أن تجعل من الأقلية الفلسطينية في مناطق الخط الأخضر طبقة منبوذة سياسيا تقيدها قوانين وتمنعها من استغلال لعبة الديمقراطية حتى في أطرها المسموحة
هذه المسائل لم تكن مدركة الأبعاد من الجهاز السياسي والأمني الإسرائيلي الذي بنى حساباته على إتمام اتفاقية أوسلو كما يشتهي، ولكن انتفاضة الجليل المساندة لانتفاضة الأقصى التي انتهت بإعلان نهاية اتفاق أوسلو أدت إلى تنبه إسرائيلي إلى ما فعلته الحركة الإسلامية من تحشيد في قلوب فلسطينيي 48.

لذا أصبحت السياسة الإسرائيلية المصابة بالصدمة من جهة والمتورطة بتهديدات شمالية لبنانية وفلسطينية في الضفة الغربية من جهة أخرى تعاني من ارتباك تجاه طريقة التصرف مع الحركة الإسلامية، وأدى في النهاية إلى تسارع في الإجراءات وارتفاعها وربما تسرعها من بداية العام 2002، ورغم ارتباط بعض هذه الإجراءات بانتفاضة الجليل وأرض معاوية في نهاية وبداية 2002 فإنها استمرت بوتيرة متسلسلة يمكن ترتتيبها على النحو التالي:

  1. مكتب باراك يصدر تقريرا بالغ الأهمية يصف فيه الأقلية الفلسطينية بأنها "خطر إستراتيجي على مستقبل إسرائيل بسبب الزيادة المطردة في عدد السكان"، وخص التقرير الحركة الإسلامية بقوله إنها "تسعى لاستغلال الديمقراطية الإسرائيلية لإقامة دولة إسلامية".
  2. في 6\1\2002 قدم جهاز المخابرات "الشاباك" توصية أمنية إسرائيلية تعتبر الشيخ رائد صلاح محرضا يستحق المحاكمة، واعتبر مدينته التي كان رئيس مجلسها البلدي "دفيئة الإرهاب".
  3. في 17\2\2002 صدور قرار من وزراة الداخلية بمنع الشيخ رائد صلاح من السفر إلى خارج البلاد.
  4. في 23\2\2002 إغلاق صحيفة "صوت الحق والحرية" الناطقة باسم الحركة الإسلامية بقرار من وزير الداخلية الصهيوني بزعم أنها "بوق لحركة حماس الإسلامية المقاومة في الضفة الغربية".
  5. في 22\6\2002 إغلاق مكاتب الإغاثة الإنسانية الذراع الاجتماعي للحركة الإسلامية، وكان هذا الإغلاق الثالث تحت تبريرات مشابهة لما يحدث الآن.
  6. في 22\9\2002 بعد مهرجان "الأقصى في خطر" صرح رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو أحد أقطاب حزب الليكود تصريحا لافتا اعتبر فيه "أن الحركة الإسلامية ورم سرطاني يجب استئصاله".
  7. في 1\10\2002 طلبت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية من المستشار القضائي إخراج الحركة الإسلامية عن القانون، بل ونوقش الأمر في جلسة مجلس الوزراء التي عقدت لهذا الغرض ولكن تباين التوجه وصعوبة الإجراءات القانونية وطولها أجلت البت في المسألة.
  8. في 26\11\2002 بُذلت محاولات إسرائيلية لإلغاء ترشيح عزمي بشارة وأحمد الطيبي لعضوية الكنيسيت، وتسربت معلومات إسرائيلية بأن الحكومة تعد العدة للانقضاض على الحركة الإسلامية تاليا.
  9. في 14\5\2003 بدأت حملة اعتقالات استهدفت أكثر من 15 ناشطا في الحركة على رأسهم رئيسها الشيخ رائد صلاح.

آفاق الصراع

بروز اليمين الإسرائيلي سيزيد من تأزيم الأمور
لا يمكن لإسرائيل أن تنتصر في هذا الصراع نظرا لكون الحركة تجاوزت الشكل النخبوي إلى التفاعل الجماهيري، كما أن الاعتقالات التي جرت باستعراض بوليسي وإعلامي كان واضحا منها أنها تحذير ورسالة لكل فلسطينيي 48 وتذكيرهم أن هناك عصا إسرائيلية غليظة لمن يتجاوز الخطوط الحمراء ويحرض أو يفكر بتهديد أو يساعد مهددي الأمن الإسرائيلي، ولكن هذه الرسالة ستؤدي على الأغلب لنتائج عكسية لأن الفلسطينيين ليس لديهم ما يخسرونه من ميزات.

وإذا أضيف العبء الأمني على العبء الاقتصادي المثقل فإن الأمور ستزداد سوءا، كما أن ظواهر التمييز في الخدمات مع تزايد مشاعر العداء بسبب ما يحدث في الضفة وغزة كل ذلك سيؤدي إلى وصفة مرتدة غاضبة على الإسرائيليين. وبدل أن تمنع التهديد فإنها فعليا تجذره وتؤطره. وإذا ما ذهبت إسرائيل أبعد من الاعتقالات إلى محاكمة الشيخ رائد صلاح مثلا أو إخراج الحركة الإسلامية من أطر القانون فسيكون هذا السيناريو أسرع مما تظن إسرائيل.

يبدو أن الصدام بين الحركة الإسلامية ومشروعها وإسرائيل وسياساتها حتمي، ولكن ما نرجحه في ضوء تباين وجهات النظر الأمنية الإسرائيلية تجاه مسألة الحركة الإسلامية هو بقاء القبضة الحديدية الإسرائيلية في حدودها مع إمكانية استمرارها في ضوء أن الحركة الإسلامية ستحافظ على آليات عملها وربما تقلل من ظهورها وتخفض من لهجتها لكنها ستبقى تحشد لرؤاها، لذا ستبقى اللعبة في هذا الإطار، ولكنها مرشحة للتطور نحو سيناريو أسوأ بفعل عدة عوامل خارجية وداخلية:

  1. استمرار انتفاضة الأقصى بوتيرة أقوى وإسناد فلسطينيي الداخل المتوقع سيزيد من احتمالات المس بالحركة الإسلامية والبنية الأساسي لهذا الإسناد رغم عدم توجهها التنظيمي لفعل ذلك.
  2. فشل تطبيق خارطة الطريق سيعزز من نهج مقاومة الفلسطينيين، في حين سيؤدي تطبيقها إلى إجراءات أمنية فلسطينية تقلل من أعمالها، فالفشل سيعزز تصاعد الصراع مع الحركة، أما نجاح الخطة فسيقلل من حدة ذلك الصراع بسبب انخفاض أعمال المقاومة. لكن علينا أن نتذكر أن وصول هذه الخارطة للمس بالمكانة الإسلامية للمسجد الأقصى سيؤدي إلى انتفاضة مستمرة لفلسطينيي 48.
  3. بقاء حكومة اليمين سيعزز القبضة الحديدية، وقيام حكومة وحدة إسرائيلية سيقلل من ذلك إلى قبضة لينة.
  4. تصاعد الإجراءات الإسرائيلية للمس بأراضي الفلسطينيين هناك أو اتخاذ إجراءات ضد جغرافيا أو ديمغرافيا فلسطينيي المثلث كفيل باشتداد الصراع بين الطرفين.
  5. تطورات الأزمة الاقتصادية في إسرائيل ستكون محورا مستقبليا هاما في تحديد علاقة فلسطينيي 48 مع إسرائيل وبالتالي مع الحركة الإسلامية كجزء رئيسي فيها, وسيكون له مؤثرات عليها، فالمس بحقوق الفلسطينيين بشكل صارخ سيصعد الصراع بين الطرفين.
  6. استقرار الأمر للأميركيين في العراق سيقوي الأميركيين ويعزز مكانة إسرائيل ويجعل إسرائيل تتحرك بأجواء رأي عام صامت يفتح شهيتها على الاستمرار والعكس صحيح.
  7. توحد الحركة الإسلامية لسبب أو لآخر سيعزز من حضور الحركة ويضعف مبررات وإجراءات إسرائيل، والعكس يبقي الموازين والتفاعلات على حالها بين شد وجذب.
    ــــــــــــــ
    *باحث وكاتب فلسطيني
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة