الخطف في الخليل والأصداء في غزة   
الجمعة 23/8/1435 هـ - الموافق 20/6/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:45 (مكة المكرمة)، 12:45 (غرينتش)
عدنان أبو عامر


نجاح العملية
الصيد الثمين
تصدير الفشل

جاء فقدان المستوطنين الإسرائيليين الثلاثة متزامنا مع إصدار قادة حماس سلسلة تصريحات ومواقف ومطالبات أجمعت كلها على أن المسار الوحيد للإفراج عن الأسرى يتمثل بإجبار إسرائيل على صفقة تبادل.

ووجهوا أحاديثهم لكتائب القسام لحسم ملف الأسرى، وإنهاء مأساتهم ومعاناتهم، وضرورة تفعيل الفصائل خياراتها، واتخاذ كل الوسائل لتحريرهم من سجون الاحتلال، والعمل لإطلاق سراحهم، لا سيما وهم يخوضون الإضراب عن الطعام منذ أكثر من خمسين يوما.

نجاح العملية
عملية الخليل الجديدة تأتي في سياق عمليات خطف إسرائيليين حصلت في السنوات السابقة لمبادلتهم بأسرى فلسطينيين بعد أن أخفقت المفاوضات في الإفراج عنهم، لا سيما المعتقلين ذوي المؤبدات العالية الذين لا سبيل للإفراج عنهم إلا من خلال صفقات التبادل، لكن الجديد في العملية أنها خطفت ثلاثة إسرائيليين دفعة واحدة، وتحت مرأى ومسمع الجيش الإسرائيلي، مما دفع وزير الدفاع موشيه يعلون للاعتراف بالقول إن "العملية وقعت أمام الرادار العسكري"، مشيرا إلى الإخفاق الأمني.

لا يحتاج الواحد منا لكثير من الذكاء للوصول لقناعة مفادها أن موافقة إسرائيل على إبرام صفقة التبادل مع "حماس" فتحت شهية الفلسطينيين على معاودة التفكير من جديد بتكرار العملية ذاتها

وقد لا يحتاج الواحد منا لكثير من الذكاء للوصول لقناعة مفادها أن موافقة إسرائيل على إبرام صفقة التبادل مع حماس في أكتوبر/تشرين الأول 2012 فتحت شهية الفلسطينيين على معاودة التفكير من جديد بتكرار عملية الأسر ذاتها لجندي أو مستوطن، حيث ينحصر تفكيرهم في الدوريات العسكرية وسيارات المستوطنين على مدار الساعة جنوب وشرق وشمال الضفة الغربية.

هناك يقترب الفلسطينيون من الإسرائيليين، ويرون الجنود والمستوطنين رأي العين دون حاجة لمناظير ليلية، ويكون اللقاء وجها لوجه طوال اليوم في شوارعها وأمام حواجزها العسكرية، مما دفع "الشاباك" ليعلن أكثر من مرة عن اعتقال خلايا تابعة لحماس خططت لمثل هذه العمليات على الطرق ذاتها.

ولذلك جاءت عملية الخطف الأخيرة في الخليل عقب إعلان إسرائيل أن العام الماضي 2013 شهد تقديم أربعمائة شكوى من جنود تعرضوا لمحاولات اختطاف، وبعد أن حقق "الشاباك" فيها تبين أن 11 منها صحيحة تم إحباطها من قبل أجهزة المخابرات، لكن المثير فعلا أن الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام وحده شهدت قيام حماس بـ24 محاولة اختطاف في الضفة، مما يشير لوجود حوافز قوية لديها بتنفيذ مثل تلك العمليات.

ولمواجهة عمليات الخطف هذه عكفت ثلاث فرق في الجيش الإسرائيلي مكونة من تسع كتائب تضم 1800 جندي على سيناريوهات لمواجهة عمليات أسر متوقعة، وكلفت "ألمع قادته" بالإشراف على إعداد التدريبات، وكثفت من عمليات الحراسة في المناطق التي يتواجد فيها كبار قادته، وألزمت هيئة الأركان ضباطها باتخاذ إجراءات احترازية لتجنب عمليات الأسر، كعدم لبس البزات العسكرية التي تظهر عليها رتبهم ومناطق سكناهم، حتى لا يتم التعرف عليهم، وبالتالي اختطافهم.

مع العلم أن خمس سنوات من احتفاظ حماس بـ"شاليط" في غزة جعلتها تدرك جيدا أن إسرائيل تتابع تحركاتها، وتراقب عناصرها، وتتجسس على محادثاتهم، وتحاول استخلاص الدروس جيدا منها، لا سيما أن الجندي خضع لتحقيقات قاسية من "الشاباك" للتعرف على خيط أمني للحيلولة دون تكرارها في عمليات قادمة.

الصيد الثمين
بات متعارفا عليه أن توجه القيادة العسكرية للأجنحة الفلسطينية التعليمات الأمنية لعناصرها المكلفين بمهمة اختطاف الإسرائيليين بالابتعاد قدر الإمكان عن الأماكن التي تكثر فيها عمليات التمشيط والتفتيش من قبل الجيش الإسرائيلي، وتواجدهم في مناطق يكون من الطبيعي فيها استئجار شقق ووجود غرباء، لتتم تهيئة المكان جيدا.

كما أن احتفاظ الجهة المنفذة لعملية الخليل مرهون بالابتعاد عن الاتصالات الهاتفية والتقنية التي تعتبر ثغرة أمنية ينفذ من خلالها الإسرائيليون، حيث تلتقط أجهزتهم الأمنية آلاف المكالمات الهاتفية للفلسطينيين على مدار الساعة، ولذلك يخشى الإسرائيليون أن تكون القوى الفلسطينية قد أقامت شبكة اتصالات تقنية خاصة بها تتجاوز مسألة التنصت والمسح الأمني التي تقوم بها أجهزة الأمن الإسرائيلية.

تقدر الجهة المنفذة لعملية الخليل أن الاحتفاظ بالمستوطنين الثلاثة أمر بالغ الصعوبة، وإن لم يكن مستحيلا، فيما الجيش الإسرائيلي يمتلك أقوى أجهزة المراقبة وأدوات التنصت وطائرات الاستطلاع

مشكلة أخرى تعترض نجاح الجهة الخاطفة للإسرائيليين تتمثل في معضلة التنسيق الأمني القائم بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية التابعة للسلطة ونظيرتها الإسرائيلية في ضوء أن هناك سوابق واضحة فشلت فيها محاولات الجيش و"الشاباك" في الكشف عن مكان اختطاف بعض جنوده، لكن السلطة قادت لتسليمهم دون ثمن.

ولعل حملات التفتيش والتمشيط لمدن الضفة الغربية في الأيام الأخيرة التي أعقبت عملية الخليل تشير بما لا يدع مجالا للشك في أن التنسيق الأمني الميداني جارٍ على قدم وساق، لا سيما بعد إعلان الرئيس عباس أن هذا التنسيق "مقدس"!

من الواضح أن الجهة المنفذة لعملية الخليل تحاول الاستفادة من عملية "الوهم المبدد" التي نفذتها كتائب القسام بتاريخ 25/6/2006، وأسفرت عن اختطاف شاليط، باعتبارها تحولا نوعيا من النواحي العسكرية والأمنية والميدانية، سواء من طريقة تنفيذها، أو نتائجها الخطيرة.

ولعل أهمها نجاح المقاتلين في أسر الجندي، وإخراجه من ساحة المعركة "حيا يرزق"، مما فتح الباب على مصراعيه لسيناريوهات تراوحت بين الخطيرة والأقل خطرا، والمكلفة والأكثر كلفة! بعد أن تمكن مسلحوها من تنفيذ عمليتهم في قلب الموقع العسكري الإسرائيلي، جنوب قطاع غزة، وقتل وجرح عدد من الجنود، واقتياد الجندي على أقدامه إلى داخل قواعدهم بأعصاب هادئة أثارت أعصاب جنرالات إسرائيل.

هنا تقدر الجهة المنفذة لعملية الخليل أن الاحتفاظ بالمستوطنين الثلاثة أمر بالغ الصعوبة، وإن لم يكن مستحيلا، فيما الجيش الإسرائيلي يمتلك أقوى أجهزة المراقبة وأدوات التنصت وطائرات الاستطلاع.

كما أن نجاح عملية الاختطاف الحالية للمستوطنين الإسرائيليين مرهون بالدرجة الأولى في إدارة ما يعتبر "حرب أعصاب" حقيقية مع إسرائيل، من خلال الشح المقصود بالمعلومات، وتوتير نفوس قادة الجيش الذي سيبدون -كما هو متوقع- تعطشا لأي معلومة مهما كانت صغيرة، وفي الوقت الذي تعودت فيه إسرائيل إطلاق التهديدات والإنذارات يمسك الفلسطينيون في مثل هذه العملية المتوقعة بزمام المبادرة، بحيث يطلقون إنذاراتهم، ويمهلون الجيش أياما قليلة، وإلا سيُطوى ملف الجندي أو المستوطن!

وإذا كانت الجهة المنفذة لعملية الأسر -حماس أو سواها- تعتبر أن جزءا أساسيا من نجاحها في إبرام صفقة التبادل القادمة هو قدرتها على الدخول إلى قلب ساحة الإسرائيليين الداخلية، وإحداث الاختلافات العلنية بين أركان المؤسسة العسكرية والأمنية، ليتبادل الجنرالات والوزراء الاتهامات بشأن التقصير الذي مكن الفلسطينيين من تنفيذ عمليتهم تلك، فإنها تعلم أن نجاحها في إبرام هذه الصفقة سيشكل أداة ضغط كبيرة على الحكومة الإسرائيلية لتكرارها في حالات قادمة، حتى لو تخلل ذلك ثمنا باهظا ستجبيه إسرائيل منها قبيل المضي فيها!

تصدير الفشل
المثير في الأمر أن عملية الخطف تمت بالضفة، لكن أصداءها ترددت بغزة، وبادرت إسرائيل بقصف عدة أهداف تابعة لكتائب القسام بمدن مختلفة من القطاع، ونشرت بطاريات منظومة القبة الحديدية في مدن إسرائيل الجنوبية، تحديدا أسدود وعسقلان، تخوفا من إطلاق صواريخ فلسطينية.

بدأت حماس بإعداد خطة إعلامية دعائية ضد أي هجوم إسرائيلي محتمل على غزة تقوم على إدانة هذا التهديد، مع التأكيد على حق الفلسطينيين في تخليص أسراهم من سجون الاحتلال دون تبني عملية الخليل بصورة مباشرة
ورغم أجواء الاحتفال في غزة بعملية الخليل، لكن مخاوف الفلسطينيين تزداد، خشية أن تذهب إسرائيل نحو استعادة تضرر ردعها بعد العملية بتوجيه ضربات مؤلمة وقاسية لحماس، قد تصل لحد اغتيال بعض القادة السياسيين والعسكريين، لجباية ثمن باهظ للعملية، مع مزاعم أن التعليمات بتنفيذها صدرت من غزة.

فقد تصاعدت التهديدات الإسرائيلية في الأيام الأخيرة ضد قطاع غزة لتوجيه ضربة عسكرية قاسية، وتكثفت التهديدات الإعلامية والتحركات العسكرية الإسرائيلية ضد غزة بعد عملية الخليل بزعم أنها تمت بتخطيط وإدارة من قيادة حماس في غزة، ومن خلال الأسرى المحررين في صفقة التبادل.

وبدأت حماس بإعداد خطة إعلامية دعائية ضد أي هجوم إسرائيلي محتمل على غزة تقوم على إدانة هذا التهديد، وتحميل إسرائيل مسؤولية تداعياته، وتكثيف الخطاب التعبوي لمواجهته، مع التأكيد على حق الفلسطينيين في تخليص أسراهم من سجون الاحتلال، دون تبني عملية الخليل بصورة مباشرة، ورفع الروح المعنوية للفلسطينيين، والدعوة للوحدة الوطنية، والالتفاف حول خيار المقاومة المسلحة.

ورغم أنه من المبكر الحديث عن سيناريوهات إسرائيل وحماس في غزة تجاه تطورات عملية الخليل في الضفة، لكن الأجواء داخل حماس تشير إلى أنها أمام مواجهة جديدة مع إسرائيل ستكون أكثر قسوة من سابقاتها، أيا كانت نتيجة عملية الخليل ناجحة كما يأمل الفلسطينيون بإبرام صفقة التبادل، أو كما تأمل إسرائيل بالعثور على مواطنيها، فالثابت أن المواجهة قادمة لا محالة على كل الاحتمالات.

أخيرا.. فقد أخذت حماس هذه المرة تهديدات إسرائيل على محمل الجد، لا سيما أن التصريحات الإعلامية الصادرة عن تل أبيب تزامنت مع حراك عسكري متلاحق، سواء على الحدود مع غزة، أو في تحذيرات قادة إسرائيل الكبار للحركة من القيام بعملية عسكرية، مهددة إياها بأنها ستندم لأنها ستجد مواجهة مختلفة عن سابقاتها عامي 2008 و2012، وهما الحربان اللتان شنتهما إسرائيل على غزة.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة