قمة الجزائر.. فرصة انطلاق أم إعلان وفاة   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم/ محمد جميل بن منصور

-عود على بدء
-شروط الخيار الأول
-مظاهر المصير الثاني

تؤكد الجزائر يوما بعد يوم أن القمة السابعة لقادة دول المغرب العربي ستنعقد يومي 23 و24 ديسمبر/ كانون الأول الجاري في العاصمة الجزائرية. وأمام التشكيك في إمكانية حضور بعض القادة، حسم وزير الخارجية الجزائري الأمر بما يحمل تأكيد هذا الغياب دون أن يؤثر على انعقاد القمة حين قال إن القمة "قمة دول وليست قمة زعماء".

وقد بدأت التحضيرات الفعلية سواء على مستوى إرسال المبعوثين والدعوات أم على مستوى الاجتماعات والورشات، بدءا بالحلقة الدراسية المتخصصة يوم 12 ديسمبر/ كانون الأول ولجنة المتابعة يوم 18 ديسمبر/ كانون الأول، في حين ينتظر اجتماع وزراء الخارجية الذي يسبق الرؤساء.

وكان واضحا أن القيادة الجزائرية التي قبلت تأخير قمة يونيو/ حزيران 2002 بعد أن اكتملت تحضيراتها بعد قرار الملك المغربي بالتغيب وتفسير وزيره الأول لهذا التغيب بأنه جاء "نتيجة مبادرات مفاجئة من الجار الجزائري", لن تقبل هذه المرة تأجيل قمة اتحاد طالب الشركاء الأوروبيون بتفعيله, وقبل أشهر من استحقاق رئاسي لا يستساغ التفريط في أي ورقة تساعد فيه في حجم وأهمية إطلاق الاتحاد المغاربي وجمع زعمائه.

ومع أن القمة مؤجلة منذ العام 1995 فإن الطرفين المرجح غيابهما (على مستوى القادة) وهما المغرب وموريتانيا يتعللان بالحاجة لمزيد من التحضير, وهو ما عبرت عنه صحيفة الخبر الجزائرية في عدد 17 ديسمبر/ كانون الأول بقولها "الرباط ونواكشوط يجمعان على عدم توفر شروط انعقاد القمة"، ويبدو أن قرار الغياب وأسبابه كان موضوع الزيارة الطارئة التي قام بها الوزير الأول الموريتاني للمغرب قبل أسبوع.

وإذا كان واضحا أن المملكة المغربية ليست متحمسة لقمة مع الجزائر وفيها في وقت تتهمها فيه بعرقلة تسوية الملف الصحراوي, وهو ما عبر عنه بلغة دبلوماسية وزير الخارجية المغربي محمد بن عيسى حين قال إن "الاندماج المغاربي لن يمضي قدما طالما لم تتم تسوية المشاكل الجوهرية بدءا بالنزاع القائم في الصحراء"، فإن الأوساط الصحفية في الجزائر وموريتانيا -وحسب المعلومات التي تسربت- عزت غياب الرئيس الموريتاني إلى ما يلي:

- اتهام النظام الموريتاني لليبيا بتمويل انقلاب ولد هيداله المزعوم.
- تصريحات سابقة للرئيس الجزائري انتقد فيها بشدة وعلى نحو لا يخلو من سخرية تطبيع نواكشوط مع تل أبيب.
- الوضع الداخلي الصعب الناتج عن آثار انقلاب الثامن من يونيو/ حزيران واستحقاقات السابع من نوفمبر/ تشرين الثاني.


قرر ميثاق الاتحاد أن تنعقد قممه كل سنة، لكن آخر قمة انعقدت كانت في تونس سنة 1994، ومنذ ذلك الوقت والجزائر تؤجل القمة أو تقبل تأجيلها انشغالا بهمّ داخلي أو خوفا من صراع ثنائي
عود على بدء

حينما اجتمع قادة دول المغرب العربي في زرالده بالجزائر يوم 10 يونيو/ حزيران 1988 وعاودوا اللقاء بمراكش في 17 شباط/ فبراير 1989 ليعلنوا قيام الاتحاد المغاربي ويوقعوا معاهدة إنشائه، فإن آمالا عريضة علقت على هذا المولود الوحدوي الجديد, ووضع المستشارون والمعاونون في الميثاق أهدافا شاملة تمتد من تمتين أواصر الأخوة وتحقيق رفاهية المجتمعات المغاربية إلى نهج سياسات مشتركة في ميادين الدفاع والاقتصاد والثقافة والسياسة الخارجية إلى تحقيق حرية تنقل الأشخاص والخدمات والسلع ورؤوس الأموال.

كما حددت للاتحاد هيئاته من مجلس الرئاسة إلى مجلس الوزراء الأول إلى وزراء الخارجية إلى لجنة المتابعة إلى اللجان المتخصصة للأمن الغذائي والاقتصاد والمالية والبنية الأساسية والموارد البشرية إلى المؤسسات الاتحادية مثل الأمانة العامة ومجلس الشورى والهيئة القضائية والأكاديمية المغاربية للعلوم وجامعة المغرب العربي والمصرف المغاربي للاستثمار والتجارة الخارجية. وتعززت كل هذه المؤسسات –نظريا بطبيعة الحال- بأكثر من 80 اتحادا وهيئة ورابطة وأكثر من 80 جمعية غير حكومية في المجالين الاقتصادي والاجتماعي.

وقد ظل الخلاف المغربي الجزائري على قضية الصحراء أهم المعوقات أمام انطلاق الاتحاد الذي يملك كل مقومات النجاح اقتصاديا وثقافيا وجغرافيا, ما دفع على ما يبدو القيادة الجزائرية إلى الدعوة لواقعية القواعد، وهو ما عبر عنه عبد العزيز بلخادم في خطابه أمام القمة الوزارية جنوب/جنوب في مراكش بقوله إن "الجزائر لن تألو جهدا لإعادة إطلاق اتحاد المغرب العربي على قواعد واقعية".

يبدو أن الجزائر مصرة على انعقاد القمة, ومع إدراكها أن جدول أعمالها الذي يتضمن تغييرا جوهريا في الميثاق يعتمد بموجبه مبدأ الأغلبية بدل الإجماع وتفوض بعض صلاحيات مجلس الرئاسة إلى مجلس رؤساء الحكومات أو وزراء الخارجية لا يناسبه الغياب المنتظر لاثنين من أصل خمسة رؤساء فإنها ترى في القمة نجاحا سياسيا لا ينبغي التفريط فيه في وجه رئاسيات لا تبدو سهلة أمام منافسين أقوياء من حجم علي بن فليس وعبد الله جاب الله ومولود حمروش وربما أحمد طالب الإبراهيمي، وفي جو يتواصل فيه النزاع على أشده في جبهة التحرير بين جناح بن فليس وإصلاحيي بلخادم الموالين للرئيس بوتفليقه الذين يعقدون مؤتمرهم يوم 26 ديسمبر/ كانون الأول, أي يومين بعد القمة المغاربية.

ويبقى السؤال: هل يمكن مع كل هذا أن تمثل قمة الجزائر فرصة انطلاق مهما كان محدودا, أم هي إعلان وفاة لم يعد التشكيك فيه واردا؟


لضمان أرضية سليمة لانطلاقة مأمولة للاتحاد المغاربي ينبغي عدم تحويل القمة إلى مناسبة لحل المشاكل الثنائية خصوصا تلك المستعصية وذات الذيول الإقليمية والدولية
شروط الخيار الأول

لا شك في أن الانطلاق باتحاد المغرب العربي من جديد مهمة صعبة إن لم نقل مستعصية ليس بسبب العوامل الموضوعية المساعدة على ذلك, ولا القواسم المشتركة بين دوله وشعوبه, ولكن نظرا للحالة السياسية الراهنة وحجم التوترات بين الأنظمة الحاكمة في طرابلس والجزائر والرباط وتونس ونواكشوط.

لعل أول الشروط الموضوعية لضمان أرضية سليمة لانطلاقة مأمولة للاتحاد المغاربي هي تقدير الوضع السياسي السائد في المنطقة كما هو والابتعاد عن محاولة تحويل القمة والاجتماعات السابقة لها واللاحقة عليها إلى مناسبة لحل المشاكل الثنائية خاصة تلك المستعصية وذات الذيول الإقليمية والدولية.

أما الشرط الثاني فهو الإقرار بفشل أكثر من عقد ونصف من عمر المنظمة المغاربية التي لم يبق منها إلا موظفون وموقع على الإنترنت واجتماعات إن نجحت في الالتئام فشلت قراراتها في التطبيق ودوراتها في الاستمرار.

ويقتضي هذا البدء بالممكن والمتاح وتأجيل الأفضل والطموح. وهكذا يكون انتقال الخدمات أولى من تسوية النزاعات, وتكون الاتفاقيات الجمركية أهم من الموافقات السياسية, ويكون ميدان الاقتصاد والثقافة أسهل من ميدان الدفاع والدبلوماسية.

ويلحق بالشرطين السابقين العمل ما أمكن على تجنيب الاتحاد وقممه واجتماعاته خلال فترة مقدرة من الآن محاولات التوظيف السياسي والاستغلال الدعائي.

صحيح أن من حق كل طرف –إلحاقا لا ابتداء- أن يستفيد من نجاحه في عقد قمة أو إطلاق مبادرة تحرك سكون الاتحاد أو تعيد له شيئا من الحياة, ولكن أن يكون الاتحاد وإطلاقه والقمة وعقدها لهدف سياسي محدود لهذا الحاكم أو ذاك فهو الأمر المضر بالاتحاد حالا ومآلا.

تخطئ القيادة الجزائرية إن ظنت أن هذه القمة ستعدل في الميثاق تعديلات بحجم تلك المقترحة, وتخطئ حين تظن أن القادة سيقبلون –الآن على الأقل– تفويض بعض صلاحياتهم, فلا هم سيقبلون وإن قبلوا مجاملة وادعاء سيرفضون حقيقة وتطبيقا.

البدء من نقطة الصفر والتواضع في الخطوات الاتحادية واتخاذ التكامل الاقتصادي مدخلا هي البداية الصحيحة، ومن دونها سيظل الاتحاد إطارا فارغا لا يملك صلاحيات ولا يقدم خدمات.


كل القرائن تؤكد أن دول الاتحاد مستمرة في انشغالاتها القطرية وتبحث كل دولة منها على حدة -وليس عبر اتحاد ملتئم- عن شراكة مع أوروبا والولايات المتحدة
مظاهر المصير الثاني

لن يجد المراقب صعوبة في الحكم على اتحاد المغرب العربي بالموت ولن ينفع وصفه بالخيار الإستراتيجي -وهو الوصف الذي اختاره الرئيس الموريتاني أثناء اعتذاره أو رفضه على الأصح حضور القمة– في التغطية على هذه الحقيقة التي تجد مظاهرها في أمور عدة كمجلس ا
لرؤساء السنوي المتعطل كما أسلفنا منذ العام 1995، والمجالس الوزارية التي قد تلتئم بنفقاتها ومشاداتها الكلامية ثم تفترق، والمؤسسات التنفيذية المجمدة، ومجلس الشورى الذي يعد تجمعا لبرلمانات لا تملك أمرا وليس لها كبير أثر في بلدانها الأصلية.

لقد أدت لهذه الوضعية أمور من أهمها:
- غلبة الانشغالات القطرية الضيقة ومحاولة كل نظام أن يوظف الاتحاد في حل مشاكله وتسوية ملفاته العالقة مع هذا الجار أو ذاك.

- هيمنة ملف النزاع في الصحراء على العلاقات الثنائية بين أكبر دولتين في الاتحاد المغاربي (الجزائر والمغرب)، خاصة مع الاهتمام الجديد للجزائر بالملف بعد فترة كمون أدت لها الأزمات الداخلية, ويعزز هذا الاهتمام موقف أميركي لا يبدو مريحا للرباط, ومقابل ذلك إصرار مغربي يدعمه موقف فرنسي واضح لم تنفع فيه حتى الآن حسب الظاهر الزيارات المتكررة لبوتفليقه لباريس.

يضاف لهذا نوع من التقارب الثنائي أو الثلاثي داخل الأسرة المغاربية يعيد إلى الأذهان أيام الاتحاد العربي الأفريقي ومنظمة الإخاء والتعاون, ويمثل ملجأ لأنظمة تفضل سياسة المحاور على خيار الاتحاد, وسجل في هذا الصدد التقارب المغربي الموريتاني والتفاهم الثلاثي بين الجزائر وطرابلس وتونس.

إن كل المظاهر تؤكد أن اتحاد المغرب العربي فشل في تحقيق أهداف معاهدة مراكش وإعلانات قمم تونس والجزائر ورأس الأنوف والدار البيضاء ونواكشوط وتونس, وكل القرائن تؤكد أن هذه الأنظمة مستمرة في انشغالاتها القطرية، وتبحث كل دولة منها على حدة -وليس عبر اتحاد ملتئم- عن شراكة مع أوروبا والولايات المتحدة.

إذن من السهل تصور فرصة انطلاق، ومن الممكن افتراض أولويات معقولة وواقعية يخرج الاتحاد بالتركيز عليها من حالة الركود الراهنة, ويتزحزح عن سرير مرض الموت.

ومن الصعب الظن بأن أنظمة غارقة في المشاكل مشغولة بتأمين نفسها من شعوبها مهتمة باسترضاء من يملكون القرار والنفوذ في العالم ستقوم بهذه المهمة وتحيي أملا مات في نفوس نحو مائة مليون مغاربي.

قمة الجزائر فرصة انطلاق بالاتحاد المغاربي إن اجتمعت شروط ذلك -وهو أمر مستبعد- وإعطاء الأولوية للزعماء والرؤساء –وهو أمر غير متصور- وقمة الجزائر مناسبة لإعلان وفاة تؤكدها القرائن، ولا ينفع في منعها حرص أوروبي على شراكة تسهلها الوحدة وتضر بها الفرقة أو رغبة سياسية محدودة الأهداف آنية الأغراض.
ــــــــــــــــــ
* كاتب موريتاني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة