انقلاب المشهد الفلسطيني الإسرائيلي   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ ياسر الزعاترة

لا يمكن إدراك الأبعاد المهمة للتطورات الجارية على الساحة الفلسطينية الإسرائيلية إلا بالعودة بضعة شهور إلى الوراء ومقارنة ما كان يجري تلك الأيام بالتطورات الجارية حاليا.


انقلب المشهد الفلسطيني الإسرائيلي بعد ورطة أميركا في العراق، واختلفت روحية التعاطي الأميركي مع الملف الفلسطيني بسبب هذه الورطة وليس حنانا على الفلسطينيين

قبل ستة أشهر كان رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون في ذروة غطرسته يتحدث عن "الحدث التاريخي الأهم بعد الحرب العالمية الثانية" ممثلا في احتلال بغداد، ثم يبالغ في رسم التطورات المتوقعة بناء على ذلك ممثلة في "تساقط حجارة الدومينو العربية"، ليغدو المشهد الشرق أوسطي جاهزا لقبول الحل الانتقالي الذي قدمه مشروعا للتسوية منذ فوزه الأول في الانتخابات قبل ثلاث سنوات.

لم يكن شارون وحده هو الذي يعيش حلم 2003 أو نظرية 2003 حسب توصيف أحد الكتاب الإسرائيليين، فقد كان الشارع الإسرائيلي كله فضلا عن نخبه السياسية والعسكرية يعيش ذات الحلم. وعلى إيقاعه كان كل حجر في الشارع العبري يمارس الغطرسة على الفلسطينيين، فالهدنة التي أعلنتها الفصائل مكرهة لم تجد آذانا صاغية عند شارون.

كما أن رئيس الوزراء الفلسطيني السابق محمود عباس الذي جاء محمولا على موجة ضغوط إسرائيلية أميركية لم يجد أي استقبال حسن من الدوائر الإسرائيلية، حيث كان الجدل متركزا على الكيفية التي ينبغي التخلص بها من الرئيس ياسر عرفات الذي يرفض منح رئيس وزرائه ما يكفي من الصلاحيات الأمنية، فيما لا يجد عرفات سوى شراء الوقت بالمماطلة تارة إثر أخرى.

الآن ينقلب المشهد تماما، فعرفات الذي كان يرضخ للإملاءات الإسرائيلية الأميركية عاد وتمرد وأسقط حكومة محمود عباس، ثم جاء بأحمد قريع واستمر معه في الجدل حتى وضع الأجهزة الأمنية تحت تصرفه، فضلا عن تأكيد حضوره الطاغي على مختلف الصعد السياسية والمالية.

قبل ذلك كانت قوى المعارضة تنقلب على الهدنة وتنفذ عددا من العمليات المدوية في القدس وحيفا لا يترتب عليها سوى موجة اغتيالات لا تختلف كثيرا عن تلك التي سادت خلال المرحلة السابقة، لكن ذلك لا يفت في عضدها بل تضرب ضربات أكثر قوة وإن لم تكن استشهادية في العمق.

فعملية كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في عين يبرود كانت مدوية حين قتل الجنود الثلاثة وأصيب الرابع إصابات خطيرة، فيما تمكن المهاجمون من الاستيلاء على أسلحتهم. وفي نتساريم كان فدائيان من القسام وسرايا القدس ينفذان عملية بطولية دفعت إلى جدل واسع إزاء مستوطنات قطاع غزة وجدوى البقاء فيها، واضطر قادة الجيش إلى العمل الحثيث لترميم معنويات الجنود والمجندات في قطاع غزة. ثم جاء مقتل جنديين على مشارف بيت لحم بيد قناص فلسطيني ليؤكد هذا المنحى في عمل المقاومة.

كل ذلك لم يؤد إلى رد استثنائي من الطرف الإسرائيلي، فالهجمات وعمليات التوغل على حالها منذ عامين، وكان لافتا تراجع عمليات اغتيال القادة السياسيين، وإلى حد ما العسكريين.

أما المفاجأة فقد ظهرت على نحو أوضح عندما بدأ الجدل يحتدم بين قادة الجيش والأجهزة الأمنية إزاء السياسات المتبعة مع الفلسطينيين. وقد بدأ رئيس هيئة الأركان الإسرائيلية موشيه يعلون مسلسل الجدل بمطالبته بتخفيف الأعباء عن الفلسطينيين بدل دفعهم إلى "أحضان حماس" كما قال. ونتذكر أن هذا الرجل هو صاحب مقولة "لقد انتصرنا" التي أعلنها إثر إعلان الهدنة من قبل قوى المقاومة.

كلام يعلون رد عليه وزير الدفاع الإسرائيلي شاؤول موفاز من دون أن ينسى هو أيضا تقديم تنازل للفلسطينيين بإعلانه الاستعداد لنقل مسؤوليات الأمن إليهم في عدة مدن إذا ما طاردوا "الإرهاب".

أما شارون فقد بدأ مسلسل مديح لرئيس الوزراء الفلسطيني الجديد وصولا إلى طلب مقابلته رغم إدراكه لنفوذ عرفات عليه، فيما اختفى الجدل بشأن التخلص من الرئيس الفلسطيني وبدأ الحديث عن موته الطبيعي القريب، وهو ما سخر منه المحلل السياسي المعروف ناحوم برنياع في صحيفة يديعوت أحرونوت في مقال عنوانه "د. أريك (شارون) طبيب باطني"، حيث قال "إن للأحاديث عن الموت الطبيعي لعرفات عرضا جانبيا واحدا هو أن الوزراء قد كفوا عن الحديث عن الحاجة الفورية لطرده بالدبابات (موفاز) أو تصفيته بطائرات إف/15 (ليبرمان)، فالرب تعالى اسمه (كبا) هو المسؤول عن تصفيته وليس ضابط الأمن (كبط). ولحسن الحظ فإن (كبا) يعمل باعتبارات مختلفة أقل تملقا للشعب".

على خلفية هذه الأوضاع كان أربعة من الرؤساء السابقين لجهاز الأمن العام (الشاباك) يجرون حوارا مع صحيفة يديعوت أحرونوت يطلقون فيه رسالة تحذيرية إلى دولتهم بأنها مقبلة على كارثة إذا لم يحل الصراع مع الفلسطينيين عبر التخلي عن الأراضي المحتلة عام 1967. وبعد أيام كان شارون يعلن استعداده لخطوات "من طرف واحد" لدعم أبو العلاء ومسيرة التفاوض والتسوية.


لم يعد بوش وصقوره وصهاينته نتيجة الورطة المتصاعدة في العراق قادرين على احتمال سلوك شارون في ساحة يدركون أنها الأكثر إثارة لأعصاب الشارع العربي والإسلامي
في هذه الأجواء انطلقت جملة لقاءات وحوارات في لندن وجنيف ومدريد وكلها بموافقة عرفات فلسطينيا، فيما هي منافسة بين شارون وحزب العمل إسرائيليا. وقد تزامن ذلك كله مع وقف موجة الاغتيالات -خاصة للقادة السياسيين- حيث صار بإمكان قادة حماس أن يخرجوا إلى العلن ويصرحوا لوسائل الإعلام.

الذي لا شك فيه هو أن لهذه الأجواء الإسرائيلية خلفياتها في المعادلة الأميركية، فبوش وصقوره وصهاينته لم يعودوا ضمن أجواء الورطة المتصاعدة في العراق قادرين على احتمال سلوك شارون في ساحة يدركون أنها الأكثر إثارة لأعصاب الشارع العربي والإسلامي.

وضمن هذه الأجواء كانت الولايات المتحدة توافق على مشروع قرار في الأمم المتحدة يتضمن بندا ينص على أن الضفة الغربية وقطاع غزة أراض محتلة وليست متنازعا عليها أو برسم التفاوض كما جرت العادة.

وفي لندن كان بوش يتحدث عن إذلال الفلسطينيين وعن رفضه للأسيجة والجدران، في حين كان مندوب بلاده في الأمم المتحدة يمرر مشروع القرار الروسي بشأن خارطة الطريق.

والحال أن ذلك كله إنما يؤكد أن روحية التعاطي الأميركي مع الملف الفلسطيني قد اختلفت تبعا للورطة في العراق وليس حنانا على الفلسطينيين، لأن صهاينة شارون في الإدارة الأميركية لا يزالون على حضورهم، كما أن بوش ليس حريصا على الصدام معهم بحال من الأحوال خاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية.

ما بين أجواء ما بعد احتلال بغداد والأجواء الحالية ثمة مسافة من المقاومة والصمود على الجبهة العراقية والفلسطينية لابد من أخذها في الاعتبار، فهذا التحول في تفاصيل المشهد لم يأت عبثا بل كان نتاج تحولات مهمة على الساحتين المشار إليهما.

على الساحة العراقية -وهي الأهم واقعيا وعمليا- جاءت المقاومة العراقية الباسلة لتحيل مشهد الانتصار إلى ورطة ولتجعل "حلم 2003" هباء منثورا، فالولايات المتحدة لم تعد قادرة على تركيع المنطقة لحساب الدولة العبرية، بل إن انشغالها بمعركة قد تصيبها في مقتل -كما كان حال فيتنام- لا يسمح لها باستمرار مجاملة شارون على النحو السابق.

أما فلسطينيا فلا شك في أن صمود الشعب الفلسطيني وبسالة قواه المقاومة -قمة وقاعدة- قد أدى إلى كسر خيارات شارون في إخضاع الشعب وتركيع مقاومته.

الآن يبدو أن شارون في مأزق أكثر عمقا من مأزق الفلسطينيين وحتى من مأزق عرفات ذاته، فهذا الأخير في وضع مريح سواء من الجهة الشعبية أو من جهة تشكيلة الحكومة، بينما الأول في أسوأ حال كما تعكس ذلك استطلاعات الرأي التي هبطت بشعبيته إلى أقل من 40%، والرضا عن أدائه الأمني إلى ما دون ذلك. والحال أن مرور ثلاث سنوات عليه في الحكم قد جاء شاهدا على فشله الأمني والسياسي، حيث جاء لتحقيق الأمن والسلام ولم يحقق شيئا منهما.

تبدو المشكلة الآن في أن حالة التراجع الإسرائيلي والمأزق الذي يعيشه شارون قد بدأ يواجه بتراجع فلسطيني عبر العودة إلى حكاية الهدنة والتعامل مع خارطة الطريق.


الظروف ناضجة لتحقيق إنجاز معقول لأكثر من ثلاث سنوات من العطاء المقاوم، لكن ذلك يتطلب إرادة رسمية فلسطينية ومن ورائها قوة دفع عربية
والحال أن مزيدا من الصمود والمقاومة وإن بشروط جديدة مثل التركيز على الضفة وغزة واستهداف العسكريين والمواجهة الشاملة لعمليات الاجتياح والتوغل، ربما كان قادرا على حشد مزيد من العوامل القادرة على إسقاط شارون. لكن الطرف الرسمي الفلسطيني السعيد بتجاوز محنة ما قبل وبعد سقوط بغداد يبدو راضيا عن التراجع الإسرائيلي ويعتبره إنجازا مقبولا في هذه المرحلة، وتلك هي معضلة الساحة الفلسطينية منذ عقود، حيث التركيز على شخص "القائد" ومن ثم العجز عن التقاط اللحظة المناسبة في سياق لعبة التقدم والتراجع.

في سياق الحديث عن خيار التصعيد -إن جاز وصفه بذلك- لابد أن تطرح هنا إشكالية السلطة ووجودها كما طرحت من قبل، إضافة إلى إشكالية أخرى كانت ولا تزال مطروحة وهي المرجعية العربية للسلطة ممثلة في مصر التي تخشى مصطلح التصعيد، وما تلبث مع كل تقدم أن تعود إلى التراجع تحت وطأة الضغوط الأميركية. وهنا يبدو واضحا أن التحرك المصري الجديد لإنجاز الهدنة قد جاء -حسب الدوائر الإسرائيلية- بطلب أميركي.

من المؤكد أن تجاوز هاتين المعضلتين لا يبدو ممكنا في ظل الظروف الراهنة رغم سهولة ذلك من الزاوية النظرية، وفوائده الجمة على القضية. فمسألة نهاية السلطة كانت ولا تزال هاجسا إسرائيليا مرعبا يتحدث عنه الكتاب الإسرائيليون وكذلك السياسيون بخوف شديد، نظرا لما يترتب عليه من مساوئ على الوضع الإسرائيلي، وبالمقابل من حسنات على الوضع الفلسطيني.

ابتداءً يمكن القول إن عودة الاحتلال الكامل ستنهي معادلة "الاحتلال الديلوكس" القائمة حاليا، والتي تتلخص في وجود الاحتلال وغيابه في آن، أي وجوده لحظة يشاء حين يطارد المقاومة وغيابه حين تحضر المسؤوليات المدنية والإنسانية التي لا تنطوي على كلفة اقتصادية كبيرة تصل ملياري دولار سنويا فقط، وإنما على كلفة أمنية حيث سيفقد "الجدار" معناه، وسيضطر الجنود الإسرائيليون إلى حماية موظفي الإدارة المدنية وبالتالي التحول إلى طرائد سهلة للمقاومة بدل حرب الطائرات المستحيلة المواجهة فلسطينيا.

إذن ثمة كلفة أمنية هائلة وتحسن في ميزان القوى لصالح الفلسطينيين في المعركة التي ستتحول إلى حرب رجل لرجل بدل الطائرات والقصف من بعيد. أما سياسيا فسيعود الاحتلال إلى وجهه الحقيقي في مواجهة مقاومة مشروعة بدل مشهد حرب بين دولتين إحداهما تقترف الإرهاب بدل التفاوض مع جارتها.

ما نريد قوله هو أن مخاوف التصعيد ليست كبيرة فلسطينيا، ذلك أنه إذا لم يؤد إلى أرباح فلن تكون له خسائر مهمة، في ذات الوقت الذي تبدو فيه أرباحه شبه مؤكدة سواء للقائلين بخيار التفاوض أم المقاومة. وإذا كان قادة أسوأ الأجهزة الأمنية الإسرائيلية قد اقتنعوا بضرورة الانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة فماذا يكون حال الشارع الإسرائيلي الذي بات يمينه يتحول إلى اليسار كما هو حال الليكود وفق ما أكدت آخر استطلاعات الرأي.

خلاصة القول هي أن الظروف ناضجة لتحقيق إنجاز معقول لأكثر من ثلاث سنوات من العطاء المقاوم، لكن ذلك يتطلب إرادة رسمية فلسطينية ومن ورائها قوة دفع عربية. ومع الأسف فإن الأمرين لا يتوفران في الوقت الراهن.
____________
* كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة