نذر القلوب الملآنة   
الاثنين 1433/4/18 هـ - الموافق 12/3/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:14 (مكة المكرمة)، 11:14 (غرينتش)
توجان فيصل

شهد الأردن قفزة واسعة لحراكه الشعبي في الأسبوعين الأخرين، بعكس توقعات استخفت بما يجري في هذا البلد الصغير بسكانه قبل مساحته, بحيث لا يتوقع منه أن يحشد مليونية في مسيرات تتوزع على اثنتي عشرة محافظة. ولكن الربيع الأردني لم يكن سوى ظهور قمة جبل الجليد.

فقبلها بسنوات لم يعد خافيا أن بعض من كانوا مرشحين لتولي العرش عادوا لتزويق صورهم, أو أن جزءا من الشعب عاد للماضي يفتش في دفاتره القديمة. وهو ما استشعرته قوى دولية وحاولت تلمس إمكانية "تدوير" الوضع على شكل إصلاح ضمن العائلة المالكة. أي أن الأردن كان ينظر له باعتباره أقل استقرارا من بقية الأنظمة العربية التي سبقته لإنجاح ربيعها. وحينها كان الأمير حسن ينظر إليه من أكثر من جهة على أنه جزء من الحل.

إحساس الحكم بالخطر من جهة, وإيغال الأمير في مدح الملك عبد الله من جهة أخرى, أديا لتوظيفه ضمن محاولة تدعيم حكم العائلة, فسمح له بالظهور على فضائية الدولة

والأمير حسن كان حينها الأقرب للأردنيين نتيجة اختلاطه بهم أثناء انخراطه في الخطط التنموية, مضافا لكونه كان ولي العهد لأربعة وثلاثين عاما. ولهذا جرى عزله وإبعاده عن المنابر إلى حد مصادرة شريط لقائه مع محطة الجزيرة. ولكن إحساس الحكم بالخطر من جهة, وإيغال الأمير في مدح الملك عبد الله من جهة أخرى, أديا لتوظيفه ضمن محاولة تدعيم حكم العائلة. فسمح له بالظهور على فضائية الدولة قبل أسبوعين في حوار يستند إلى مقالة مادحة كتبها بمناسبة عيد ميلاد الملك عبد الله الخمسين.

وواضح أن الأمير اعتبرها فرصته المنتظرة طويلا للعودة, ولو المجزوءة,  للحكم. وبدل تقديم نفسه بالصورة التي جعلته أقرب للشارع الأردني, دخل الأستوديو مدججا بأسلحة الدفاع عن الحكم مما حوله لحزام ناسف, وأصبح جزءا من المشكلة.. فأنكره القصر, وتمت التضحية به من الجانبين, الحكم والحراك الذي وجد فيه مرمى سهام أقرب هذه المرة للعرش من الملكة وعائلتها.

فالأمير لم يكتف بتكرار رفضه "للملكية الدستورية", والقول بأن اختيار الحكومة "من حقوق الملك"..، بل زاد بقوله إن الحكومة المنتخبة "فتح للطريق أمام كل طمّاع في السلطة". ويقول "نحن نتحدث عن ملك هاشمي وريث رسالة تعود لنهايات القرن التاسع عشر", مما جعل بعض التعليقات عليه تسِمَهُ بأنه من "أهل الكهف" وعليه أن يخرج من كهفه. أما تبنّيه لتسمية مطالب محاسبة الفاسدين بأنها "اغتيال للشخصيات يشكل مرحلة أولى من مراحل زعزعة استقرار البلد", فجعلته مدافعا عن "استقرار الفساد" لا أقل. 

والأدهى أنه فتح على نفسه أبوابا يفترض به تحاشيها, إذ تطوع للحديث عن توريث الحكم, قائلا: "لا تقولوا لي الملكية وراثية, النيابة وراثية لنفس الأسباب, نائب ابن نائب"..، مع أن هذا نادر الحدوث, ومتناسيا أنه إن صحت النيابة ولم تزوّر, فإن انتخاب الابن يكون بأغلبية الأصوات الشعبية, وليس كما في توارث الملكية.

والأطرف أن الأمير نفسه تساءل عما يجري توارثه سوى "الأداء الأضعف". وفي ذات الشأن يتطوع للقول بأنه "لا غضاضة في أن يسأل المرشح (للنيابة) ما هي خبرتك في إدارة الصالح العام؟", ويغيب عن الأمير أن السؤال أجدى بأن يوجه لمن يريد ترؤس "كل السلطات", ومن يقول إن من حقه وحده تعيين الحكومة بما يعني التحكم في كامل تفاصيل "إدارة الشأن العام"!!

وأخطر ما فتحه على الحكم دون أن يُسأل عنه, تطرقه للنقد الجاري لتاريخ الحكم الهاشمي، بقوله إن هؤلاء الذين عملوا لصالح هذا البلد يلقون "أعداء من الذين يتحدثون عن الماضي وينعتون آباءنا, ليتذكروا آباءهم وين كانوا؟ ووين وصلوا؟، قبل أن يدخلوا هذا السم لنفوسنا".

ومن أبرز ما أوقع الأمير نفسه فيه, توظيفه الجارح للمثل الشعبي غير اللائق كمقال لهذا المقام: "كثرة هلا تجيب الضيف الوسخ"..، مرة في إشارة لثمانمائة ألف عامل وافد أغلبهم عربي, لا يجوز إنكار جهدهم في بناء البلد أو خدمة أهله، حيث يصعب قبول الأردنيين تقديم بعض تلك الخدمات, فلا ينعت من يقدمها -مغتربا لكسب عيشه- بالوسخ. والأدهى أنه كرر المثل في حديثه عن الشباب النشطاء على الإنترنت وكثرتهم..، هذا مع أنه سبق أن خاطب ما أسماه تحرك عشرين أو ثلاثين شابا أو كهلا ليطالبوا باسم الشعب بقوله: "من خوّلكم, من كلّفكم؟؟"!!

وعن ساحة النخيل -التي يعترف الأمير بأنه لا يعرف عنها شيئا، مع أنها غدت رمزا من رموز الحراك حين استعمل رجال الأمن مناقل الشواء المعدنية للبطش بالمعتصمين والصحافة, مما دخل قاموس الحراك تحت تسمية "جمعة المناقل"- قال إنه رد على دعوته للساحة بقوله: "لو وصلت لنخّلكم كلكم". و"التنخيل" هو ما يفعله المحاور القوي بمن في مواجهته بما يقارب "البهدلة", حسب ما أوضح كاتب قريب من نبض الشعب ولغته.

محاولة تفتيت الحراك شملت تحويله لصراع داخلي بيني, فجرى تشجيع مخاوف الوطن البديل بإثارة قلق "الهوية" لدى الأردنيين من أصول شرق أردنية, لعزل جزء كبير من الشعب الأردني ذي الأصول الفلسطينية عن الحراك

ومع أن الديوان الملكي تنصل من حديث الأمير حسن، وأصدر بيانا يقول إنه يمثل "رأيا شخصيا", إلا أن الشارع لم يرض بالفصل, وجاءت ردود الشعب فيما أسموها "جمعة التنخيل", فرفعت "المناخل" في كافة المسيرات. وانتهت مسيرة دعت إليها "الجبهة الوطنية للإصلاح" في ساحة النخيل حيث ألقى رئيس الجبهة أحمد عبيدات خطبة ساخنة، قال فيها إن "الشعب الأردني المتعطش للعدالة والحرية استيقظ, ولن يقبل بأنصاف الحلول ولا بوصاية  أحد". فيما شعارات وهتافات الحشود جاءت بعبارات من مثل "ويل ياللي يعادينا, عالنخيل يلاقينا", و"يا حسن يا خو حسين, شعب الأردن معروفين.. في اللطرون وباب الواد, ماتوا وما باعوا البلاد".

أما في المحافظات -التي أصبحت تقريبا خارج قبضة الحكم- فكان سقف الشعارات أعلى بكثير، بحيث لجأت حتى المواقع الإلكترونية المتمردة على أوضاع الصحافة التقليدية لوضع نقاط محل بعض الكلمات, ولكنها أوردت بيانا شعبيا يقول "شتم الأمير أجدادنا الذين لم يهربوا من بلادهم, بل دفنوا في ترابها..، لم يساوموا على مقدسات المسلمين..، ولم يقفوا مع الإنجليز لطرد آبائهم والاستيلاء على الحكم بدعم أجنبي..، أجدادنا لم يأتوا مع الإنجليز لاحتلال بلاد إسلامية"..، وتورد صورا لرافعي شعارات منها "ضرب الخناجر ولا حكم النذل فينا".  

ولاستكمال صورة الوضع الذي سقطت عليه هذه التصريحات, لابد من بيان حقيقة أن محاولة تفتيت الحراك شملت تحويله لصراع داخلي بيني, فجرى تشجيع مخاوف الوطن البديل بإثارة قلق "الهوية" لدى الأردنيين من أصول شرق أردنية, لعزل جزء كبير من الشعب الأردني ذي الأصول الفلسطينية عن الحراك. ولكن هذا الحشد بزعم فارق "هوية" -وهنا المفارقة التي أحدثت النقلة الجديدة للحراك- عزز فرزاً لهوية أهم: الهوية الأردنية مقابل هوية العائلة الحاكمة "الحجازية" المطعمة بعدة أعراق, والمتضخم عددها بالأمراء والأميرات و"الأشراف" الذين لأغلبهم مخصصات كبرى تشكل عبئا على الموازنة.

وإذا كان أبرز مأخذ على حديث الأمير حسن هو نبرته الفوقية..، فإن المنزلق الذي تلا حديثه تجسد في محاولة أحد "الأشراف" المقيمين في لندن الدفاع عن الأمير في مدونته, وهو الشريف زيد بن الحسين (والد ضابط المخابرات الذي قتل في تفجير مقر سي آي أي في خوست) واتهامه -بلغة عربية ركيكة- المشاركين في "جمعة التنخيل" بالجهل و"الوقاحة".

وإذا كان لقاء الأمير قد أخرج بقية المسكوت عنه في شأن كامل سياسة الحكم الهاشمي، منذ "مؤتمر القدس" الذي جمع تشرتشل بالأمير عبد الله وحده مع مترجمه ولم يحضره أي أردني, وأسقط فيه برنامج تحرير سوريا الكبرى الذي استقبل الأردنيون الأمير على أساسه, ودشن الحكم البريطاني للأردن بما يفوق سلطة الانتداب ويندرج ضمن الاستعمار الكولونيالي و"استعباد الشعوب" (كما يقول زعماء الأردن في بيانات مؤتمراتهم الوطنية أواخر عشرينيات القرن الماضي)..، فإن مداخلة الشريف زيد أكملت فرز هوية الأردنيين من شتى الأصول, مقابل هوية الحكم. 

وانهالت على المواقع الإلكترونية تعليقات على ما نشره الشريف زيد, زخرت بشتم فاق أي "تنخيل", بحيث تساءلت عن شرف الأشراف, وجرى التذكير بدرس العراق عام 1958 أو حتى درس القذافي..، ونقل تعليق فحوى ما ورد في موسوعة ويكيبيديا عن ماري أنطوانيت ودورها ومصيرها مفصّلا, ومصير الملكية في فرنسا, تحت عنوان "دروس وعبر".

ما شهده الأردن يؤشر على عمق الأزمة الموروثة منذ تسعين عاما, والتي تفتحت الآن, ليس بسبب "رمّانة" الأمير حسن أو الشريف زيد, بل بضغط "قلوب مليانة"

ورغم مسارعة الملك عبد الله الخميس الفائت لإطلاق سراح بالكفالة للنائب السابق أحمد العبادي -الذي يحاكم لدعوته للجمهورية- واستباقه مسيرة الجمعة بإعلانه أنه أوعز بإصدار عفو خاص عن الشاب عدي أبو عيسى الذي يقضي عقوبة سنتين سجنا لإحراقه صورة الملك..، وزيارته (أي الملك) لمديرية الأمن العام حيث أعلن مدير الأمن العام أن رجال الأمن -الذين سبق أن قدموا "شكوى بالحق الشخصي" على معتصمين يطالبون بإغلاق السفارة الإسرائيلية بزعم اعتداء المعتصمين عليهم- قد أسقطوا دعواهم..، ورغم الثلوج التي عاقت أغلب المسيرات, فقد جاءت الجمعة بأخبار تقول: "مسيرة في الطفيلة تشتم الملك بأوصاف غير مسبوقة وتدعو لتطهير الأردن من الأشراف والأمراء".

مهاجمة الملكة رانيا وأسرتها تجري منذ أشهر, والكل فهم أنه هجوم مزدوج بالأصالة وبالوكالة..، وجاءت مهاجمة الأمير حسن والحكم الهاشمي عبره تضييقا أشد للحلقة..، ثم أتت مداخلة لأحد الأشراف المقيمين في بريطانيا لتستجلب مطالب بترحيل كل "الأمراء والأشراف" عن البلاد وشتم الملك.. وكله خلال أسبوعين, فيما لم يبق للذكرى السنوية للحراك سوى ثلاثة أسابيع, والتي تقترب دون أي إنجاز ملموس سوى الإيغال في الفساد وتغليف الردة عن الحقوق بزعم أنها إصلاحات, مما دفع الشارع لكسر كل التابوهات..، وهو ما يؤشر على عمق الأزمة الموروثة منذ تسعين عاما, والتي تفتحت الآن, ليس بسبب "رمّانة" الأمير حسن أو الشريف زيد, بل بضغط "قلوب مليانة".. 
والتابوهات حوائط زجاجية إن كسرت فلا يمكن لحمها..، فهل يقدر عبد الله الثاني على إعادة تأسيس عقد جديد لملكية دستورية؟؟ الإجابة قد تكون أقرب مما يعتقد الجميع.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة