فشل السيسي و"حديث المؤامرة"   
الخميس 1/2/1437 هـ - الموافق 12/11/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:43 (مكة المكرمة)، 12:43 (غرينتش)
خليل العناني

"مصر تحارب إرهاب الغرب، والشعب يتحدى المؤامرة"، بهذه العناوين خرجت معظم الصحف المصرية في الأيام الماضية، وذلك في محاولة حثيثة لصرف الأنظار عن كارثة الطائرة الروسية التي سقطت في صحراء سيناء نهاية الشهر الماضي وراح ضحيتها 224 شخصا كانوا على متنها.

"حديث المؤامرة" هو الشماعة الجديدة التي تبرر بها السلطة الحالية في مصر فشلها الذريع في تحقيق الأمن وحماية أرواح السائحين الأجانب، وذلك بعد التقارير والتصريحات والأخبار المتواترة عن أن الطائرة الروسية، ميتروجيت 9268، قد أسقطت بفعل قنبلة وضعت على متنها، مما أدى إلى انفجارها وانشطارها نصفين وتناثر حطامها على مساحة تتجاوز 13 كيلومترا.

منذ وقوع الكارثة، ترفض السلطات المصرية أي سيناريوهات لتفسير الحادثة، وتنفي أي شبهة لوجود عمل إرهابي. وفى الوقت الذي تعاطى فيه العالم بجدية مع البيان الذي أصدره تنظيم "ولاية سيناء" بعد ساعات قليلة فقط من سقوط الطائرة، يعلن فيه مسؤوليته عن الحادث، فإن السلطات المصرية تعاطت برعونة شديدة وعدم اكتراث لإمكانية حدوث هذا السيناريو.

بعد أن أعلنت عدة دول، خاصة بريطانيا وروسيا، عن إجلاء رعاياهما من مدينة "شرم الشيخ"، حدث تحول في لغة الخطاب المصري الرسمي والإعلامي وذلك باتجاه تعزيز سيناريو "المؤامرة"، واعتبار أن مصر "مُستهدفة من الغرب"

كما لم تدرك حجم وخطورة الحدث وتداعياته على الصعيدين المحلي والدولي، وتمسكت برواية غير متماسكة وغير مقنعة، مفادها أن مثل هذه الحوادث طبيعية وأن "كل الاحتمالات ورادة ولا بد من انتظار نتائج التحقيق". في الوقت نفسه كانت الرواية الأخرى للحادث، التي تفترض وجود عمل إرهابي أدى إلى سقوط الطائرة الروسية، تزداد تماسكا وقبولا من قبل كثير من الحكومات والدول الغربية.

وبعد أن أعلن عدد من الدول، خاصة بريطانيا وروسيا، عن إجلاء رعاياهما من مدينة "شرم الشيخ"، حدث تحول في لغة الخطاب المصري الرسمي والإعلامي، وذلك باتجاه تعزيز سيناريو "المؤامرة"، واعتبار أن مصر "مُستهدفة من الغرب".

وقد بدأ عزف هذه "النغمة" السياسية بعدما اشتكى وزير الخارجية المصري سامح شكري من أن "الدول الغربية لا تشاركه المعلومات المتوفرة لديها حول حادث سقوط الطائرة"، ثم تلاه عدم حضور ممثلي لجنة التحقيق الغربيين (من فرنسا وألمانيا وإيرلندا وروسيا) للمؤتمر الصحفي الذي عقده رئيس اللجنة المصري أيمن المقدم، مما أشار إلى أن ثمة خلافات داخل اللجنة حول النتائج الأولية للتحقيق.

بعدها انطلقت الحملة الإعلامية الممنهجة، حيث تبنت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة سيناريو "المؤامرة" واتهمت الدول الغربية بالتآمر على مصر. ووصل الأمر ببعض إعلاميي النظام إلى المطالبة بـ"مقاطعة منتجات الدول المتآمرة على مصر"، حسب وصفهم.

"حديث المؤامرة" تفضحه الشواهد والوقائع، وهي كثيرة. فمن جهة، فإن النظام الحالي يحظى منذ جاء للسلطة قبل عامين بعد انقلاب 3 يوليو/تموز 2013، بدعم معظم الدول الغربية التي تعتبره شريكا فيما تسميه "الحرب على الإرهاب". ولولا هذا الدعم، لما استمر هذا النظام السلطوي في السلطة حتى الآن.

ومن جهة ثانية، فإن الدول المتآمرة، ويقصد بها هنا بريطانيا وأميركا وروسيا وإسرائيل، تمثل الحلفاء الاستراتيجيين للنظام الحالي. فبريطانيا هي أكبر مستثمر أجنبي في مصر بحجم استثمارات تصل إلى حوالي 24 مليار دولار. كما أن رئيس وزرائها ديفيد كاميرون استقبل الجنرال السيسي في لندن رغم المعارضة الشديدة لذلك داخليا وخارجيا.

"حديث المؤامرة" هو جزء أصيل من بنية الأنظمة السلطوية التي تبحث دائما عن "عدو" خارجي تبرر به قمعها وعنفها من جهة، وتستخدمه لتغطية فشلها من جهة أخرى. وهي حيلة استخدمتها كل الأنظمة التوتاليتارية عبر التاريخ

ومن جهة ثالثة، فإن أميركا تمثل الحليف القوي والضامن الأصيل لبقاء هذا النظام، ولولا هذا الدعم لكان قد سقط الانقلاب بعد أسابيع إن لم يكن أياما. كما أن هذا النظام هو أكبر ثاني متلق للمساعدات العسكرية الأميركية على مستوى العالم بعد إسرائيل التي يصل حجمها إلى حوالي 1.3 مليار دولار سنويا.

كما أن الجنرال السيسي لا يتوقف عن مطالبة الرئيس الأميركي باراك أوباما بمساعدته ومساندته في حربه المزعومة على الإرهاب، ناهيك عن اللقاءات المتواصلة بين قيادات وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون" وقيادات المؤسسة العسكرية في مصر، وكان آخرها قبل يومين فقط حين التقى وزير الدفاع صدقي صبحي مع وزير البحرية الأميركي "ريموند مابوس".

ومن جهة رابعة، فإن روسيا تظل الحليف الأكثر قربا من نظام السيسي، وهناك علاقات عسكرية واستراتيجية متزايدة بينهما. كما أن موسكو تعد أكثر عاصمة أجنبية زارها السيسي منذ جاء للسلطة قبل عام ونيف بواقع ثلاث زيارات. وبالتالي لا يُعقل أن تكون جزءا من المؤامرة المزعومة ضد مصر. وأخيرا، فإن إسرائيل هي بمثابة الشريك الرئيسي للنظام الحالي الذي يرتبط معها بعلاقة عضوية حيث تراه "تل أبيب" بمثابة "كنز استراتيجي" ويراه حاخاماتها باعتباره "أهم معجزة حصلت لإسرائيل".

إذا كل المؤشرات والوقائع تدحض أي حديث عن المؤامرة، وتحيلها سرابا، وهو ما يكشف حالة الخواء التي تسيطر على النظام الحالي الذي فشل في امتلاك أطروحة حقيقية يمكن من خلالها تبرير فشله الذريع على كل المستويات. في حين أصبحت "أطروحة المؤامرة" بمثابة الأداة الأسهل التي يلجأ إليها النظام وأذرعه الإعلامية في كل مرة يعجز فيها عن تقديم إجابات ناجعة للمشاكل التي تواجهه. وهي الأطروحة التي بدأت منذ جاء هذا النظام للسلطة وكان يوظفها ضد جماعة "الإخوان المسلمين"، التي تحولت إلى "شمّاعة" يعلّق عليها النظام فشله وخيبته.

فمع كل أزمة أو كارثة بدءا من انخفاض "سعر الجنيه" المصري، إلى كارثة "السيول" التي أغرقت محافظات الدلتا قبل أيام، تستحضر أطروحة "المؤامرة الإخوانية". بل وصل الأمر ببعض "دراويش" النظام الحالي لاتهام رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بأنه "إخواني" ويعمل لصالح الجماعة، وذلك بعد قراره تعليق الرحلات السياحية من لندن إلى شرم الشيخ.

بعد الانقلاب أصبحت الدعاية و"حديث المؤامرة" أداة أساسية للترويج للنظام الحالي. وبدا واضحا أنه كلما أوشكت "بطاريات" هذه الآلة الدعائية على النضوب، تم شحنها عبر الترويج لمؤامرات ومقولات لضمان تجديد الدعم والتأييد للنظام

"حديث المؤامرة" هو جزء أصيل من بنية الأنظمة السلطوية التي تبحث دائما عن "عدو" خارجي تبرر به قمعها وعنفها من جهة، وتستخدمه لتغطية فشلها من جهة أخرى. وهي حيلة استخدمتها كل الأنظمة التوتاليتارية عبر التاريخ. وهي حيلة تجد صدى لدى طبقات شعبية مختلفة، وتستخدمها في إطار الدعاية التي تقوم بها هذه الأنظمة للترويج لنفسها وضمان بقائها في السلطة.

وفي معظم الحالات تستخدم الدعاية بالتوازي مع نظرية "المؤامرة" من أجل ترسيخ الرواية الرسمية للسلطة. تشير حنا أرندت، عالمة السياسة الألمانية/الأميركية، في كتابها الشهير "أسس التوتاليتارية"، إلى أن الأنظمة التوتاليتارية تلجأ دائما إلى تسخير الدعاية من أجل تثبيت أقدامها، وما إن تمسك بزمام السلطة حتى تتحول هذه الدعاية إلى عقيدة أيديولوجية هدفها إخافة الناس وإرهابهم.

ومنذ انقلاب الثالث من يوليو، أصبحت الدعاية و"حديث المؤامرة" أداة أساسية للترويج للنظام الحالي هدفها ضمان التأييد الشعبي للجنرال السيسي من خلال آلة دعائية جبّارة. وبدا واضحا أنه كلما أوشكت "بطاريات" هذه الآلة الدعائية على النضوب والتوقف، تم شحنها عبر الترويج لمؤامرات ومقولات لضمان تجديد الدعم والتأييد للنظام. وهنا يوظف الإعلام والشيوخ والمؤسسات والمساجد والكنائس.

ولكن بمرور الوقت، يصبح "حديث المؤامرة" مجرد كلام مكرر، لا يجدي نفعا مع زيادة المشاكل وعجز النظام عن التعاطي معها بواقعية. وقد يصل الأمر أحيانا إلى أن تُستخدم نظرية "المؤامرة" داخل النظام نفسه، ولكن بهدف تصفية بعض المؤيدين للنظام مثلما حدث مع رجل الأعمال "صلاح دياب" الذي اعتقل فجأة رغم تأييده الشديد للسيسي، قبل أن يفرج عنه بكفالة مالية.

وإذا كان نظام السيسي قد نجح، ولو مؤقتا، في توظيف نظرية "المؤامرة" من أجل الهروب من استحقاقات سقوط الطائرة الروسية، فإنه من المتوقع أن تؤدي نتيجة التحقيقات النهائية، خاصة إذا ما ثبت سيناريو العمل الإرهابي في هذه الحالة، إلى مشاكل كثيرة لهذا النظام، ليس أقلها العزلة الدولية وعدم اعتباره شريكا جديا في "الحرب على الإرهاب"، بل على العكس أصبح منتجا للعنف والتطرف.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة