الصومال تدخل مرحلة جديدة   
الخميس 1427/5/12 هـ - الموافق 8/6/2006 م (آخر تحديث) الساعة 14:48 (مكة المكرمة)، 11:48 (غرينتش)

محمد الأمين محمد الهادي

انتصارات المحاكم
دلالات الأحداث
مستقبل المحاكم مع الحكومة
مستقبل أمراء الحرب المهزومين
سيناريوهات محتملة

جاءت أنباء سيطرة اتحاد المحاكم الإسلامية على العاصمة مقديشو سيطرة كاملة وفرار أمراء الحرب منها لتبشر بمرحلة جديدة تدخلها الصومال سيكون لها ما بعدها.

هذه المرحلة بداية النهاية لأمراء حرب كانت لهم الكلمة الأولى في جميع اتفاقات السلام التي وقعت، وكانوا عقبة كأداء أمام تحقيق السلام واستتباب الأمن في مقديشو وبالتالي في بقية الصومال.

"
جاءت معارك مقديشو الأخيرة لتؤسس لدخول الصومال مرحلة الحرب على أساس أيديولوجي، أي على أساس المبدأ وليس القبيلة
"
انتصارات المحاكم

فمقديشو العاصمة كانت ولا تزال مؤثرا كبيرا على الوضع الأمني في الصومال، وكان هؤلاء الزعماء يعتمدون على سيطرتهم عليها في عرقلة كل عملية سلام وتفريغها من أي ثمار مرجوة أو متوقعة.

ورغم أن هناك اثنين أو ثلاثة من أمراء الحرب الذين كانوا يتمركزون في مقديشو ممن لم يشاركوا في تحالف مكافحة الإرهاب وهما لا يزالان في مدينة بيدوة مقر الحكومة الجديدة ومنهم وزير الداخلية حسين فارح عيديد ووزير الأشغال العامة والإسكان عثمان علي عاتو، فإنه يمكن أن يقال إن المحاكم هي التي ستصبح صاحبة القول الفصل في العاصمة.

وقد تم الإعلان عن سيطرة المحاكم أيضا على مدينة "دينيلي"، وهي ضاحية من ضواحي مقديشو كان تحالف مكافحة الإرهاب يتخذها مقرا له. وتم تسليم مقر أقوى أمراء التحالف وأكثرهم تسلحا محمد قنيري أفرح الذي كان وزيرا للأمن في الحكومة الجديدة التي تشكلت عام 2004 ولم تستطع فعل شيء منذ ذلك الحين. كما تم تسليم المدينة ومقر وأسلحة قنيري سلميا إلى أعضاء من نفس قبيلته المنضوين تحت المحاكم الإسلامية، وفر الرجل الذي كان يتهم بتسفير وتسليم المطلوبين أميركيا إلى الولايات المتحدة.

استبشر الشعب الصومالي كله بما حدث وهذا كان واضحا من الاتصالات التي تلقاها القسم الصومالي من هيئة الإذاعة البريطانية أمس واليوم عبر البريد الإلكتروني أو الهاتف من كل فئات الشعب في جميع المناطق وحتى في المهجر. ولكن ما هي دلالات هذا المشهد الجديد؟ وما هي العلاقات المتوقعة بين الأطراف الفاعلة في العاصمة بعد هذه الأحداث؟

"
ليس هناك ما يمكن أن يوحد الشعب الصومالي أمام التحديات سوى الإسلام الذي وحد بين جميع قبائل الجنوب تحت لواء المحاكم، هذه القبائل التي كان أمراء الحرب يتقاتلون باسمها في يوم من الأيام
"
دلالات الأحداث

هذه الأحداث لها دلالات كثيرة من أهمها:
1. أن الحرب التي دارت معاركها مؤخرا في مقديشو خلال الأشهر الأربعة الأخيرة مختلفة تماما عن الحروب التي كانت تقع بين القبائل في الصومال. فبينما كان التأثر بالقبلية ونعراتها باديا للعيان وغير خاف على أي مراقب، جاءت معارك مقديشو لتؤسس لدخول الصومال مرحلة الحرب على أساس أيديولوجي أي على أساس المبدأ وليس القبيلة. فكلا الجانبين (تحالف مكافحة الإرهاب واتحاد المحاكم) كان من بين زعمائه أفراد من القبائل المسلحة في مقديشو.

2. أن زعماء الحرب لم يكن معهم أي من الشعب الصومالي ولا حتى من قبائلهم، وأنهم كانوا منبوذين شعبيا ولم تكن المليشيات التي استخدموها في حروبهم سوى مجموعات من المرتزقة سيطروا عليهم بفعل غسيل المخ والمخدرات. ولذلك وجدنا أنها في أول مواجهة حقيقية مع المحاكم انهزمت رغم قوة عتادها الحربي المدعوم من الولايات المتحدة وإثيوبيا.

3. أن الإسلام ما زال قويا في الصومال وأنه ليس هناك ما يمكن أن يوحد هذا الشعب أمام التحديات سوى الإسلام الذي وحد بين جميع قبائل الجنوب تحت لواء المحاكم، هذه القبائل التي كان أمراء الحرب يتقاتلون باسمها في يوم من الأيام.

4. أن الاقتتال وعدم الاستقرار في الصومال كانا بإرادة قوى إقليمية ودولية لا يسرها استتباب الأمن في هذا البلد العربي المسلم، لذا فإنهم وقفوا مع أعداء الشعب الذين قتلوه وشردوه 16 عاما.

5. أن دعوى وجود إرهابيين في الصومال تخفيهم المحاكم الإسلامية وأنها تدعم الإرهاب دعوى باطلة تستخدمها أميركا وحلفاؤها كقميص عثمان لتدمير الشعب الصومالي وإعاقة تطوره ونهوضه مرة أخرى من الوهدة التي وقع فيها بعد انهيار الحكومة الصومالية عام 1991.

6. أن المحاكم الإسلامية بعدما كانت قوة محايدة وعاجزة عن تنفيذ أحكامها على أولئك المنضوين تحت أمراء الحرب ويتجنبونهم اتقاء شرهم، أصبحت الآن قوة فعالة وسيحسب لها ألف حساب سواء في المستقبل السياسي للصومال أو في معادلات التسويات الأخرى.

لقد أراد زعماء الحرب بعدما هزموا في المراحل الأولى من القتال أن يضعفوا قوة المحاكم بإثارة النعرة القبلية بهدف تشتيت شملها، ولكنهم في هذه المرحلة لم ينجحوا، في مؤشر آخر على أن الشعب الصومالي بدأ يتعافى من داء القبلية ويدخل مرحلة أخرى مغايرة.

"
تواجه المحاكم تحديا إستراتيجيا يتمثل في كيفية تعاملها مع الوضع السياسي الجديد للعاصمة والذي بالتأكيد لم تحسب حسابه حين دخلت المعارك ولم تكن على يقين من أنها ستحسم الأمر بالسرعة التي حسمته بها
"
مستقبل المحاكم مع الحكومة

هناك سؤال ملح وهو: كيف ستتعامل الحكومة الصومالية الموجودة في بيدوة مع انتصار المحاكم في مقديشو؟ جواب هذا السؤال ليس سهلا لأن الحكومة نفسها كانت مكونة من أمراء الحرب من جميع القبائل وأن هؤلاء الذين هزموا الآن في مقديشو يشكلون جزءا عضويا من الحكومة.

وكان الرئيس عبد الله يوسف قد صرح من قبل بأن في العاصمة إرهابيين، وأبدى مرارا قبل أن يصبح رئيسا استعداده لتنظيف الصومال من الإرهابيين في محاولة لكسب ود أميركا وإثيوبيا. وقد حصلت بينه وبين مجموعات من الاتحاد الإسلامي في منطقته مواجهات مسلحة حسمت لصالحه في بدايات الحرب الأهلية.

ولكن موقفه وموقف حكومته من الحرب الدائرة في مقديشو كان مخالفا تماما لمواقفه السابقة حيث أعلن أن أميركا تدعم أمراء الحرب في مقديشو وطلب منهم أن يلتحقوا بالحكومة في بيدوة ويتركوا مقديشو. فهل كان هذا قراءة صحيحة لمجرى الأحداث والمعارك في مقديشو، أم أنه تكتيك "تمسكن حتى تتمكن"؟ الأحداث هي التي ستجيب على هذا.

الخطوة التي اتخذتها الحكومة من تجريد الوزراء المنضوين تحت لواء تحالف مكافحة الإرهاب في مقديشو من مناصبهم وإطراء أعمدة الحكومة (رئيس الحكومة علي جيدي ورئيس البرلمان شريف ورئيس الدولة) على اتحاد المحاكم ومحاولة مغازلته وإرسال رسائل ودية إليه وذلك في الجلسة الاستثنائية التي عقدتها الحكومة في بيدوة يوم 4/6/2006 لشرح قرار التجريد، يحمل دلالات عدة منها أن الحكومة رضيت بالأمر الواقع بل وفرحت به لأنها بذلك تزيح عقبة من أمامها وتمهد العاصمة لاستقبالها.

وكان رئيس اتحاد المحاكم شيخ شريف محيي الدين أيضا قد أرسل رسائل لجهات عديدة من بينها الحكومة الصومالية، وذلك في خطابه الذي ألقاه في المؤتمر الذي عقد في مقديشو للإعلان عن السيطرة التامة لاتحاد المحاكم وإعلان النصر، وذلك حين قال إن المحاكم الإسلامية لا تعادي أحدا في الداخل أو الخارج وستتعاون مع الجميع وستتعامل مع كل طرف بالطريقة التي ستعاملها بها، في إشارة إلى الحكومة والولايات المتحدة وغيرهما.

وعليه فإن هناك احتمالا أن تجري الحكومة اتصالا مع اتحاد المحاكم لتمهد انتقالها إلى العاصمة مقديشو، ولكن ليس واضحا حتى الآن كيف ستتصرف المحاكم وهل ستضع شروطا معينة على الحكومة مثل الإبقاء على المحاكم الإسلامية وتطبيق الشريعة الإسلامية في الصومال أم لا.

وقبل أن تأتي الحكومة يواجه اتحاد المحاكم تحديا إستراتيجيا يتمثل في كيفية تعاملها مع الوضع السياسي الجديد للعاصمة والذي بالتأكيد لم تحسب حسابه حين دخلت المعارك ولم تكن على يقين من أنها ستحسم الأمر بالسرعة التي حسمته بها والنصر المؤزر الذي أحرزته فيها.

وهناك قوى سياسية عديدة في العاصمة واتجاهات دينية متعددة من بينها السلفيون والإخوان والتبليغيون والصوفية والعلماء التقليديون وزعماء العشائر التقليديون إضافة إلى الزعماء السياسيين غير المسلحين، وهؤلاء كلهم يكوّنون المجتمع المدني ومن بينهم هؤلاء الذين يقودون المحاكم. فكيفية تصرف المحاكم مع كل هؤلاء هو الذي سيحدد مستقبل العاصمة وسيلعب دورا في استقرار الوضع وتجاوز مرحلة القبلية أو العودة إليها مجددا باسم المحاكم التي هي أصلا مبنية ومؤسسة على أساس قبلي، إذ لكل قبيلة محكمة تمثلها بل يمكن أن يقال إن كل عشيرة أو فخذ في داخل القبيلة الواحدة كان لها محكمة خاصة بها.

ورغم عدم امتلاك المحاكم الخبرة والحنكة السياسية نظرا لعدم ممارستها لهذا الأمر من قبل، فإن نفََس ونبرة الخطاب الذي بدأت به عبر خطاب الشيخ شريف في مؤتمر إعلان النصر كان يشي بقدر من العقلانية والحكمة حيث صرح أن المحاكم لا تمثل جهة أو طرفا أو قبيلة بل هي للشعب كله ولا تخضع لأي قوة خارجية إسلامية كانت أو غير إسلامية، وعليه فلن تحاول الاستحواذ على الأمر بل ستشرك فيه الشعب الذي كان له الدور الأساسي في النصر على زعماء الحرب الذين أذاقوا الشعب الأمرّين خلال الأعوام الـ16 الماضية.

"
لا يبدو لزعماء الحرب المهزومين في مقديشو أي دور الآن، وكان قرار الحكومة تجريدهم من مناصبهم الوزارية إسدال ستار على تاريخهم السياسي، لذا لحق عدد منهم بجيبوتي وكينيا
"
مستقبل أمراء الحرب المهزومين
لا يبدو للزعماء المهزومين في مقديشو أي دور الآن، وكان قرار الحكومة تجريدهم من مناصبهم الوزارية إسدال ستار على تاريخهم السياسي، لذا فقد لحق عدد منهم بجيبوتي وكينيا. وحتى الآن ليس واضحا ما إذا كانوا سيبقون في دول الجوار ليُستخدموا فيما بعد من قبل الخصوم أم أنهم سيعودون إلى الوطن بدون أي دور.

فهناك مصادر مقربة من الحكومة الكينية تقول إن الحكومة تفكر في إعلان قرار عدم استعدادها لاستقبال زعماء الحرب المهزومين في أراضيها. ويتوقع أن يعقد اجتماع لدول منظمة التنمية ومكافحة التصحر (إيغاد) في الأسبوع المقبل بكينيا لإعلان موقفهم من الأحداث التي جرت في مقديشو، ومن غير المعروف ما يمكن أن يصدر عنه بعد تطور الأوضاع بشكل متسارع.

وهناك احتمال أن يعود أمراء الحرب إلى قبائلهم ولكن بدون مخالب وبدون أي دور سياسي أو مليشيات، وقد ألمحت المحاكم في المؤتمر الذي عقدته في مقديشو إلى مثل ذلك. ولا يزال هناك بعض من زعماء تحالف مكافحة الإرهاب من بينهم موسى سودي وعمر فنش في العاصمة وتجري بينهم وبين زعماء عشائرهم من اتحاد المحاكم مفاوضات حتى يسلموا المليشيات والأسلحة للمحاكم سلميا كما حدث مع مليشيات محمد قنيري أفرح في بلعد ودينيلي.

سيناريوهات محتملة
رغم أن ما حدث يعتبر بكل المقاييس ضربة قاصمة لأمراء الحرب في مقديشو فإن هناك إمكانية عدم تسليم أمراء الحرب بالهزيمة ومحاولة حشدهم أسلحة وأتباعا جددا، وذلك بطلب الدعم من الولايات المتحدة وإثيوبيا عبر إغرائهم بأنه يمكنهم استعادة السيطرة على الوضع إذا حصلوا على الدعم من جديد.

وإذا حصل هذا فإنه يتوقع أن يأتيهم مدد من الأسلحة والعتاد الثقيل وكذلك دعم جوي من إثيوبيا، كما يمكن أن يكون هناك تدخل أميركي مباشر لحسم المعركة لصالح حلفائها في محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. وهذا إذا حدث سيسبب معاناة جديدة للشعب الصومالي ولسكان العاصمة بشكل خاص.

ولكننا نأمل أن تشكل ذكريات الولايات المتحدة في مقديشو التي خاضت فيها معارك ضد عيديد وانتهت بهزيمتها، رادعا لها من إعادة المحاولة.

وحسب رأي بعض المراقبين الصوماليين فإن على المحاكم أن تواصل زحفها حتى تسيطر على معقل محمد قنيري أفرح وهو مدينة "جوهر"، حتى لا يكون موقع انطلاق جديد للتحالف ولقطع أي رجاء منه ومن داعميها لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
__________
كاتب صومالي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة