فكرة إسرائيل والمسائل التي طرحتها ومآلاتها   
السبت 21/8/1434 هـ - الموافق 29/6/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:02 (مكة المكرمة)، 11:02 (غرينتش)
ماجد كيالي

عندما فكّر آباء الحركة الصهيونية في إنشاء إسرائيل كانون يظنون أنهم بذلك "يحلّون" المسألة اليهودية في أوروبا، أو ما يعرف بمشكلة اضطهاد اليهود، دون أن يخطر في بالهم حينها، أن هذه الدولة ستخلق معها العديد من المسائل الأخرى، وضمنها: المسألة الإسرائيلية التي تشمل اليهود في إسرائيل وخارجها، والمسألة الفلسطينية المتعلقة بنكبة شعب فلسطين وحقوقه المشروعة، والمسألة التي تخصّ علاقة إسرائيل بمحيطها وعلاقة العرب بها. وأخيراً المسألة المرتبطة بكيفية إدراك العرب للغرب، والتوتّر الناشئ عن علاقة الغرب بإسرائيل، ودعمه لها.

بدلاً من أن تصبح إسرائيل الملاذ الآمن ليهود العالم، إذا بها أكثر مكان يشكّل خطراً عليهم، بل إنها المكان الوحيد الذي يستعر فيه العداء لليهود لكونهم يهوداً بسبب السياسات التي تنتهجها دولتهم

بالنسبة للمسألة الإسرائيلية، فهذه لا تتعيّن مقابل الفلسطينيين أو الدول العربية فقط، إذ إنها هنا تخصّ اليهود في إسرائيل، ومعنى وجود دولتهم، بغضّ النظر عن الجدل بشأن شرعيتها الأخلاقية والقانونية والتاريخية. فبالنسبة إلى اليهود بشكل عام، بات ثمة واقع من هوية إسرائيلية يجري تطويرها في مجتمع يعيش في إطار دولة متعيّنة، على التاريخ والثقافة والسياسة ونمط الحياة المشترك.

وبديهي أن هذه الهوية تمايز بين يهود "اليشوف" (إسرائيل) ويهود "الدياسبورا" (الشتات)، مما يفسّر الجدل الدائر بشأن من هو اليهودي: الديني أم العلماني؟ وبشأن اعتبار أن اليهودي الحقيقي أو الصهيوني الحقيقي الذي يحق له التقرير في شؤون إسرائيل، إنما هو اليهودي الإسرائيلي حصراً. وهذا يشمل التطلّب من يهود الخارج الهجرة إلى إسرائيل لإثبات يهوديتهم أو تقديم الدعم لها، دون التدخل في تقرير شؤونها. ويأتي ضمن ذلك أيضاً، الجدل بشأن اعتبار إسرائيل مركزاً ليهود العالم أو أحد مراكزهم.

وفي ذلك، وبدلاً من أن تتحوّل إسرائيل إلى دولة حلّ باتت دولة مشكلة، فهنا نشأت هوية إسرائيلية مدنية ومتجسّدة مقابل هوية يهودية دينية ومتخيّلة، وعابرة للحدود. وهذه الدولة بدلاً من أن تصبح الملاذ الآمن ليهود العالم، إذا بها أكثر مكان يشكّل خطراً عليهم، بل إنها المكان الوحيد الذي يستعر فيه العداء لليهود لكونهم يهوداً، بسبب السياسات التي تنتهجها دولتهم. وهذه الدولة بدلاً من أن تحمي اليهود في العالم وتقدّم لهم الدعم، باتت بمثابة عبء سياسي وأمني واقتصادي وأخلاقي عليهم وعلى الدول التي تدعمهم أو تحضنهم.

وبينما اعتُبِرت إسرائيل ذاتها "واحة" للحداثة، وبمثابة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، إذا بها مجرد دولة دينية شرق أوسطية أخرى، ودولة عنصرية تميّز على أساس الدين. وفي غضون ذلك فإن إسرائيل لم تعد الدولة النموذج التي تسهر على رفاهية مواطنيها اليهود لجذب المهاجرين إليها، خاصّة بعدما أخذتها رياح النيوليبرالية المتوحّشة، فخصخصت قطاعاتها العامة، وهمّشت مؤسساتها الكبرى (الهستدروت والكيوبوتزات والموشاف)، وقلّصت التقديمات الاجتماعية.

فوق كل ذلك فإن المسألة الإسرائيلية ناجمة أيضاً عن الإخفاق في إقامة دولة يهودية خالصة، إذ ظلت إسرائيل بمثابة دولة "ثنائية القومية" (مع وجود الفلسطينيين)، والأنكى أنها لم تحافظ على كونها دولة ديمقراطية سليمة بتمييزها ضد الفلسطينيين بسبب الدين.

والمفارقة أيضاً، أن تديين الصهيونية بدل علمنتها لم يؤثّر فقط في مفاقمة التمييز ضد الفلسطينيين، وإنما أثر على اليهود العلمانيين أنفسهم الذين باتوا يرون أنفسهم في دولة تبدو أكثر فأكثر دولة دينية أخرى.

وهكذا فإن فكرة إسرائيل ذاتها، الدولة والمجتمع، ومآلات وجودها، باتت مطروحة اليوم للنقاش، وباتت موضع تشكّك، رغم ما حققته من نجاحات خلال العقود الماضية، سياسياً واقتصادياً وتقنياً، وبالنسبة إلى عملية بناء الدولة والمجتمع، وذلك قياسا إلى محيطها.

يقول جدعون ليفي "أيعلم أحد هل ستكون إسرائيل ديمقراطية بعد عشر سنين؟ وهل ستكون علمانية أم تصبح دولة شريعة يهودية؟ مدنية أم عسكرية؟ وهل يوجد فيها مجتمع أوروبي أم شرق أوسطي أم شكل آخر؟ وماذا ستكون حدودها؟" (هآرتس، 15/4/2012).

المسألة الثانية المنبثقة عن قيام إسرائيل وهي المسألة الفلسطينية، تبدو متشعّبة وتتعلّق بالفلسطينيين الذين تشبّثوا بأراضيهم عند قيام إسرائيل (1948)، وباتوا يشكلون اليوم 24% من مواطنيها، فقد شكّل هؤلاء عامل كبح لإمكانية تحوّل إسرائيل إلى دولة يهودية خاصة، كما أن نضالهم ضد التمييز ضدهم كشف حدود الديمقراطية الإسرائيلية وطابعها العنصري.

فكرة إسرائيل ذاتها، الدولة والمجتمع، ومآلات وجودها، باتت مطروحة اليوم للنقاش، وباتت موضع تشكّك رغم ما حققته من نجاحات

وثمة فلسطينيو الأراضي المحتلة (1967) الذين يعيشون في ظل الاحتلال، والذين تثير مقاومتهم تعاطف العالم، وتعرض إسرائيل باعتبارها دولة استعمارية وعنصرية ودينية. وفوق هذين ثمة قضية الفلسطينيين اللاجئين التي تمثل عمود السردية الفلسطينية، حيث تشكّل قضية حق العودة عقبة رئيسية في إمكان تطبيع إسرائيل وجودها في المنطقة، أو بشأن إمكان عقد تسوية تختزل قضية فلسطين في الاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ عام 1967، وتستبعد قضية اللاجئين الذين تشكل روايتهم وقضيتهم أساس الهوية والوطنية الفلسطينية المعاصرة.

فوق ذلك ثمة المسألة الثالثة، وهي تمسّ علاقة إسرائيل بالمحيط العربي، ومدى قدرتها على تطبيع وجودها في هذه المنطقة. وبديهي أن إسرائيل التي تعتبر نفسها مجرد "غيتو" يهودي في الشرق الأوسط، والتي تصرّ على الاعتراف بها حصراً باعتبارها دولة يهودية، وتعتبر نفسها جزءا من الغرب وامتدادا له في الشرق الأوسط، فإن هذه الدولة لا يمكن أن تتصالح مع المنطقة، أو أن تطبّع معها، لاسيما وهي تنتهج سياسات عدوانية وعنصرية واستعلائية، وضمنها احتكارها التسلّح النووي.

ولا شك في هذا المجال أن المسألة الفلسطينية تخصّ أيضاً البلدان العربية المستقبلة للاجئين، وهي بلدان لا يمكن أن تطبّع أو ترسّم تسوية مع إسرائيل دون تسوية وضع هؤلاء، سواء من منطلقات مبدئية أو من منطلقات مصلحية.

أما المسألة الرابعة الناجمة عن إقامة إسرائيل فتتعلق بإدراكات العرب للغرب، ذلك أن وجود إسرائيل بات يشكّل عبئاً سياسياً وأخلاقياً وأمنياً واقتصادياً على الدول الغربية، ويعزّز الاضطراب في علاقات العرب بالغرب، إذ لا يمكن النظر إلى الدول الغربية من منظور معظم مواطني البلدان العربية، دون الأخذ في الاعتبار الدعم الذي محضته لإسرائيل.

ولا شك في أن هذه الإدراكات ساهمت في زعزعة إمكان قيام علاقات سوية أو سليمة بين الطرفين، بما في ذلك تشكيل إدراكات أكثر موضوعية عن الغرب، بات العرب بحاجة ماسة إليها للمصالحة مع ذاتهم ومحيطهم وعصرهم، تماما مثلما يحتاجها الغرب لمصالحة تاريخية، سياسة وثقافية ومصلحية مع العالم العربي.

والواقع فإن علاقة إسرائيل بالغرب باتت تثقل على الدول الغربية، بعدما أضحت بمثابة حجر عثرة أمام التسوية، بإصرارها على مواصلة الاستيطان، ورفضها الانسحاب من الأراضي المحتلة (1967)، وبظهورها على شكل دولة دينية وعنصرية، بحيث بتنا اليوم إزاء مجتمعات غربية لم تعد تتحمل سياسات إسرائيل.

في هذا الإطار -ربما- يمكننا فهم التطور المتعلق بالاعتراف بفلسطين كدولة "مراقب" في الأمم المتحدة مؤخراً، إذ أيّدت ذلك كثير من الدول الغربية، ولم تعارضه سوى الولايات المتحدة وكندا، في ما يمكن اعتباره تتويجاً لمسار بدأ منذ الانتفاضة الأولى (1987)، وأسّس لنزع الشرعية عن إسرائيل وعن سياساتها الاحتلالية والعنصرية.

إجمالا ثمة عوامل عديدة لاحتمال أفول مكانة إسرائيل في الغرب، إضافة إلى كل ما تقدم، من ضمنها تحول مركز الاهتمام الأميركي إلى نصف الكرة الشرقي، والتطورات العلمية والتقنية المتعلقة بإيجاد بدائل للطاقة، كما تأتي ضمن ذلك التعددية القطبية، وتأثير الأزمات الاقتصادية التي تضرب الدول الكبرى، وتعزّز دور المجتمعات الغربية في تقرير السياسات الخارجية، باعتماد قيم الحرية والمساواة والعدالة.

لذا من المثير مراقبة كيف ستتعامل إسرائيل مع كل تلك التناقضات والتحديات الداخلية والخارجية، لا سيما مع الأسئلة التي تطرحها، ومنها مثلاً: هل ستبقى إسرائيل على شكل دولة "غيتو"، أي دولة دينية يهودية ومعزولة عن محيطها في الشرق الأوسط؟ وهل ستبقى هذه الدولة بمثابة قلعة تتوجّس من محيطها وتعيش في حالة عداء معه؟ ثم كيف ستحلّ هذه الدولة مشكلة الفلسطينيين داخلها؟ فهل سترسّخ إسرائيل ذاتها على شكل دولة "أبارتايد"، كما هي في الواقع، أم ستتحول إلى دولة "ثنائية القومية"؟ وأخيراً، كيف ستحاول هذه الدولة أن تحل مشكلة التناقض في مجتمعها بين المتدينين والعلمانيين؟ وما هي التغيرات التي ستطرأ على مكانتها في العالم، وفق أي تحول أو خيار تذهب إليه؟

طبعاً، هذا كله دون أن نسأل عن التحديات التي يفرضها "الربيع العربي" -على علاته ومشاكله- على إسرائيل، لا سيما بالنسبة إلى حضور دور المجتمعات في تقرير السياسات، وبالنسبة إلى انتهاء صورة إسرائيل كديمقراطية وحيدة في المنطقة.

في هذا الإطار ثمة ملاحظتان: أولاهما أن الواقع والتاريخ يعملان -كل بطريقته الخاصة و"الماكرة"- بغضّ النظر عن إرادة اسرائيل، إذ ثمة اليوم واقع ثنائي "القومية" يشقّ طريقه -وإن ببطء وصعوبة- في رحم الواقع المتشكّل بحكم القوة في فلسطين/إسرائيل، وإن في ظل علاقات هيمنة استعمارية وعنصرية.

نحن إزاء ظاهرتين متعاكستين: أولاهما تتمثّل في إسرائيل التي تتّجه إلى الماضي أكثر مما تتّجه نحو المستقبل، بينما تتمثل الثانية في محاولة بعض المجتمعات العربية التحرّر من إسار الماضي والدخول في المستقبل عبر محاكاة العالم والإمساك بأسباب الحداثة

ورغم أن إسرائيل تفضّل إنكار هذا الواقع، وترفض تنمية إدراكها بحقائقه ومتطلّباته، مثلما ترفض الاعتراف بمستحقاته، فإنه يقف أمامها في كل مرحلة وعند كل محطّة، لاسيما مع إصرارها على استمرار الأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية، وحؤولها دون تمكين الفلسطينيين من إقامة دولة مستقلة لهم.

أما الملاحظة الثانية فهي تفيد بأن إسرائيل هذه تبدو قوية ومتغطرسة ومتجبّرة، فقط بسبب هشاشة وضع العربي، أي بسبب الأنظمة الاستبدادية والمتخلفة التي همّشت مجتمعاتها، وأخرجتها من السياسة ومن معادلات موازين القوى في مواجهة إسرائيل.

هكذا، وعلى خلفية اندلاع الثورات العربية تبدو منطقة الشرق الأوسط في المرحلة القادمة، إزاء ظاهرتين متعاكستين ومتناقضتين: أولاهما تتمثّل في إسرائيل التي تتّجه -في سياساتها وقوانينها وأيدولوجيتها- إلى الماضي أكثر مما تتّجه نحو المستقبل، بحيث باتت تقترب من اعتبارها مجرد دولة شرق أوسطية أخرى، منغلقة وعنيفة ومتزمّتة ثقافيا ودينياً.

أما الظاهرة الثانية فتتمثل في محاولة مجتمعات العديد من البلدان العربية كسر الصورة النمطية التي رسمت لها منذ نحو نصف قرن، والتي تحاول التحرّر من إسار الماضي والدخول في المستقبل، عبر محاكاة العالم والإمساك بأسباب الحداثة، وهو ما تبشّر به الثورات الشعبية رغم كل التعقيدات والصعوبات المحيطة بها والنواقص التي تتخلّلها.

إزاء كل ما تقدم، يبدو لزاماً أن علينا أن ننتظر لنرى كيف ستبدو إسرائيل بعد التغيرات المحمولة على رياح الثورات الشعبية العربية، إن لم يكن على المدى القريب، ففي المدى المتوسط.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة