السلطة والسوق بالمغرب   
الجمعة 22/2/1434 هـ - الموافق 4/1/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:06 (مكة المكرمة)، 11:06 (غرينتش)
يحيى اليحياوي

ثمة شركة خاصة كبرى بالمغرب لا يُرد لها أمر ولا يُرفض لها طلب، ولا تقبل المنافس أو الرديف، ولا ترضى أن يكون معها -في قطاعات محددة- منافس أو مزايد، إنها شركة أومنيوم شمال أفريقيا (أونا) الموجودة حصرا بالمغرب الأقصى، حيث موطن ولادتها، ومحطة نشاطها الأساس، وفضاء اشتغالها، ومقرها الإداري، ومصدر أرقام معاملاتها وأرباحها.

تأسست الشركة في عشرينيات القرن الماضي على يد المعمر جون إيبينات (بواسطة بنك ناشيونال دو باري، باريبا) باتكاء على سلطة التهامي الكلاوي، الرجل المتمرد القوي الذي كانت له في حينه سلطة مطلقة في نصف المغرب الجنوبي، لا تضاهيها سلطة أخرى في البلاد، ثم سرعان ما تحولت ملكيتها تدريجيا -في أعقاب الاستقلال- للأسرة الملكية الحاكمة، من جهة رأس المال كما من جهة تعيين مديريها ومسيريها بصورة مباشرة، أو عبر مجلس في الإدارة صوري، ليجعل ذلك من الأسرة إياها إحدى أغنى الأسر الحاكمة بالعالم على الإطلاق.

لم تأت قوة الشركة ولا شساعة مجال فعلها -بتوالي السنين والأيام- من خاصية ما ميزت نشاطها الاقتصادي والتجاري، بقدر ما تأتى لها ذلك من طبيعة ملكيتها، وطبيعة الارتباطات التي فتحت لها في السبل والإمكانات

لم تأت قوة الشركة ولا اتساع مجال فعلها -بتوالي السنين والأيام- من خاصية ما ميزت نشاطها الاقتصادي والتجاري، بقدر ما تأتى لها ذلك من طبيعة ملكيتها، وطبيعة الارتباطات التي فتحت لها -ولا تزال تفتح لها- في السبل والإمكانات، كل السبل والإمكانات، في المكان كما في الزمان سواء بسواء.

ليس من الهين حقا حصر حصة العائلة الملكية في مجموعة "أونا" بدقة، ولا معرفة عدد القطاعات والمجالات التي تعمل فيها مباشرة، أو بطريق غير مباشر. وليس من الهين الوقوف بدقة عند عدد وحجم فروعها داخل البلد وخارجه أيضا، في أفريقيا كما في دول المغرب العربي، كما في العديد من دول الشرق الأوسط. ليس من الهين ذلك حقا، ولكأني بالشركة مجال سيادي صرف يحذر الاقتراب منه، أو معرفة ما يعتمل بداخله، أو الاطلاع على ما ينسج فيما بين أعضاء مجلسه المسير.

لكن الرائج -وفق ما تتداوله وسائل الإعلام الأجنبية، وبعض تحقيقات الصحافة الوطنية النافذة (الفرنكفونية تحديدا)- أن الشركة تسيطر -أو لها اليد الطولى كما يقال- في جل القطاعات الحيوية أو ذات الطبيعة الإستراتيجية، ابتداء بمجالات الفلاحة والصيد البحري والصناعات التحويلية والمعادن (مهنتها الأصلية بمنطوق سجلها التجاري في عشرينيات القرن الماضي)، مرورا بقطاعات التوزيع والصناعات الغذائية والأنشطة المالية والمصرفية، وانتهاء بقطاع المعلومات والاتصالات وما سواها، لدرجة قد لا يعثر المرء معها على قطاع أو مجال نشاط اقتصادي أو تجاري أو مالي إلا وللمجموعة حصة ما في رأس ماله، إذا لم يكن بمجمله، فعلى الأقل بمستوى حصة معتبر يمنح الشركة -وقد أضحت مع الزمن مجموعة متكاملة- سبل دمجه أو مراقبته، أو التحكم فيه وإن عن بعد، عبر وكلاء أو "شركاء" أو مساهمين من الباطن.

والقصد مما سبق إنما هو القول بأن شركة "أونا" -لا سيما عبر فرعها الضارب "الشركة الوطنية للاستثمار"- قد أضحت تتدخل بقوة في قطاعات اقتصادية حيوية كبرى، مثل مراكز التسوق "مرجان" ذات المساحات الشاسعة والأروقة المتنوعة، و"التجاري وفا بنك" لصاحبها عثمان بنجلون المقرب كثيرا من القصر، و"سوبريام" لتسويق السيارات، وشركة "وانا" للاتصالات، ومصانع الإسمنت "لافارج"، ومصانع الحديد "سوناسيد"، و"رينو المغرب" للسيارات، ناهيك عن المناجم وشركات التأمين، والصناعات التحويلية والخدمية والسياحية، وقس على ذلك أفقيا وعموديا.

وعلى هذا الأساس -أساس تفرع وتوسع نشاط المجموعة وتعدده لدرجة التشابك- فإن أي  شركة أو مجموعة (حتى وإن كانت متنوعة النشاط، ومتعددة الجنسية) لا تستطيع مجاراتها أو منافستها، أو بلوغ السوق المغربي دون إذن مسبق من لدنها، أو "تقرب" منها، أو ولوج قطاع من القطاعات/الحكر عليها، دونما أن تؤشر لها بذلك جهرا أو بالمضمر، أو بغض الطرف عنها إلى حين...، أعني إلى حين ثبوت ما يستوجب سلوكا مغايرا بإزائها.

هي أخطبوط بكل المقاييس، تمكن -بفضل موقعه المتميز وما راكمه من أملاك وأسهم وصكوك- من رهن الاقتصاد الوطني وارتهانه، لا بل والتحكم في مفاصله الكبرى استثمارا وإنتاجا وتوزيعا واستهلاكا وما سوى ذلك. وللتذكير فقط، فإن أسهم المجموعة قد قدرت في عام 2011 بنحو 18% من قيمة سوق الأسهم المغربية البالغة 580 مليار درهم مغربي، أي ما يناهز 70 مليار دولار أميركي.

قد لا يبدو للمرء أن ثمة عيبا في أن تكون في المغرب أو له مجموعات اقتصادية كبرى بفروع ومساهمات مختلفة، إذا لم تعمل على منافسة ما سواها من مجموعات كبرى أخرى إقليمية أو دولية، فعلى الأقل تسهم في نمو الاقتصاد الوطني، وإشاعة بريقه هنا وهناك. وقد لا يبدو أنه من العيب في شيء أن توسع المجموعة إياها نشاطها لأكثر من قطاع وفضاء اشتغال، فهي مقاولة في البداية، وبمحصلة المطاف، تستهدف الربح والتوسع، والقوانين -بكل الأحوال- لا تمنعها من ذلك، لا بالجملة ولا بالتفصيل.

لا يبدو للمرء أن ثمة عيبا في أن تكون في المغرب أو له مجموعات اقتصادية كبرى كـ"أونا"، لكن العيب كل العيب إنما يأتي من طبيعة علاقتها بالقصر وتدثرها خلفه

لكن العيب كل العيب في حالة مجموعة أومنيوم شمال أفريقيا، إنما يأتي من طبيعة علاقتها بالقصر، وتدثرها خلفه لاعتماد سلوك غير ذي طبيعة اقتصادية، أو نهج مسالك لا علاقة لها بمنطق المنافسة والتباري الحر في السوق، أي التباري وفق أدوات هذا الأخير وآلياته، دونما احتماء بهذه الجهة أو تلك، أو ركوب ناصية وضعية احتكارية لأكل الأخضر واليابس من أمامها ومن خلفها على حد سواء.

بهذه النقطة أيضا، يبدو أن العيب غير كامن في مدى أحقية المؤسسة الملكية في امتلاك شركات أو أسهم في شركات أو عقارات، أو أراض فلاحية أو مناجم، أو بنوك أو مؤسسات تأمين، أو ما سوها، بل العيب كامن في مدى ومستوى تأثير ذلك على آليات السوق، من جهة الاحتكار والمضايقة، المفضييْن -حتما ودون شك- إلى تنفير الاستثمار والتضييق على المبادرة، وحصر عدد الفاعلين الراغبين في الولوج، لا بل و"سن" تشريعات مبطنة قد يتحول جزء كبير منها إلى لوائح ومراسيم و"عقود"، ولكأني بها صادرة حقا وحقيقة عن المؤسسة التشريعية، أو خاضعة لرقابتها أو رقابة الجهاز التنفيذي المتفرع عنها، أو المتأتي من المستوى القضائي المؤتمن على السير المستقيم لعالم المال والأعمال.

إن مجموعة أونا -من هذه الزاوية- إنما أضحت فعلا دولة داخل الدولة، لا رقيب يذكر على أنشطتها، ولا حسيب يحتكم إليه للجم سلوكها، بل ولا من متجرئ على مساءلتها من لجنة تحقيق، أو من جهة إمكانية التدقيق في حساباتها، أو مجالات اشتغالها، أو تحذيرها من السلوك الاحتكاري المضر ليس فقط بقيم السوق الحر والتنافسي المعمول به نصا، بل والمبذر لأشكال إنتاج الثروة وإفراز مناصب الشغل والدخل. هي في السوق خصم وحكم، لا كابح لجماحها وجشعها، ولا راد لقراراتها حتى وإن كانت -بمنطوق اللوائح والقوانين- مضرة بـ"الميزة الليبيرالية" للنظام الاقتصادي الذي اعتمده المغرب، منذ الاستقلال وإلى اليوم، أو هكذا يشاع.

والدليل على ذلك هو أن كل المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والتجارية توجد اليوم في أدنى مستوياتها، بتقارير دولية شبه محايدة، كما بالتقارير الرسمية المعتمدة، في حين أن مؤشرات المجموعة في أحسن صورة، لا بل في تحسن مستمر سنة عن أخرى (نمو أرباح عام 2007 مثلا ارتفع لدى المجموعة بنسبة 80% قياسا بعام 2006، في حين أن نسبة النمو لم تتعد بتاريخه 2 إلى 3%، دع عنك جانبا نسب البطالة والعجز التجاري مع الخارج، ومستويات غلاء السلع والخدمات الأساسية).

وبالتالي، فعلى الرغم من الوفورات التي حققتها المجموعة في الكثير من القطاعات (الغذائية والمعدنية والخدماتية) فإن حجم تأثيرها لا ينعكس إلا على مالكي أسهمها، ولا يعود بالنفع على المواطنين إلا بشكل محدود جدا، لا بل ويتم -في العديد من الحالات- على حساب قوتهم اليومي وحليب أطفالهم، ناهيك عن تواضع مساهمتها في الرفع من وتيرة النمو الاقتصادي العام، أو من بين مفاصل التراب الوطني، إعدادا عقلانيا للمناطق، أو توزيعا عادلا للثروة فيما بين جهات البلاد.

إن حالة أومنيوم شمال أفريقيا لا تحيل فقط على التضخم الاحتكاري الذي باتت تثوي المجموعة إياها خلفه، بل ويحيل أيضا -وبالمباشر الحي- على تشابك العلاقة بين السياسة والسوق في المغرب "المستقل"، كما في مغرب "العهد الجديد".

هي علاقة متوترة بكل المقاييس هنا بالمغرب، ليس فقط جراء هيمنة المؤسسة الملكية -عبر المجموعة المذكورة- على قطاعات وأملاك ضخمة وشاسعة، ولكن أيضا لأن قواعد اللعبة غير محددة بالمرة (حتى وإن تم تحديدها في دساتير المغرب المختلفة وفي القوانين المستتبعة لها)، لا بل ويتم تحديدها من لدن مستويات دخيلة على ميكانيزمات السوق وآليات المنافسة، وبعيدة -فضلا عن كل ذلك- عن رقابة ومساءلة المستوى التشريعي، ناهيك عن المستوى القضائي الذي يفترض فيه أن يتصدى لكل وضعية احتكار من شأنها تقويض مبدأيْ الحرية والتنافسية بالسوق.

لا ينحصر الأمر عند هذا الحد بل يتجاوزه بكثير، لا سيما عندما تعمد مجموعة أونا إلى التصرف في أسعار المواد الأساسية دونما موجب حق اقتصادي، فيكتوي المواطن البسيط بنار ذلك، لا بل ويتم التضييق عليه جراء ذلك وبدرجات لا تطاق، ودون أن يتم الاستماع إلى استنكاره أو معالجة تظلمه. وكيف له -بكل الأحوال- أن يتظلم أو يستنكر وهو يعلم أن المؤسسة كانت ولا تزال محمية حقا وحقيقة، ولا يستطيع كائن -مهما يكون- الإشارة إليها ولو بالأصبع، ناهيك عن إبداء التذمر من سلوكها في السوق، أو مناهضة ما تقوم به في الشكل أو في الجوهر؟ 

هل يعقل أن تبلغ أرباح شركة أونا مئات ملايين الدراهم بالفروع الغذائية، وأسعار الحليب والسكر والزيت -التي تثوي الشركة إياها خلف تحديدها اعتباطا- باتت موشكة على إثارة نار الفوضى والفتنة؟

هل يعقل أن يتجاوز رقم معاملات الشركة أكثر من 30 مليار درهم في نهاية عام 2007 مثلا، وأسعار منتجاتها تجاوزت بكثير طاقة ما يستطيعه المستهلك المتوسط؟ هل يعقل أن تبلغ الأرباح إياها مئات ملايين الدراهم بالفروع الغذائية، وأسعار الحليب والسكر والزيت -التي تثوي الشركة إياها خلف تحديدها اعتباطا- باتت موشكة على إثارة نار الفوضى والفتنة؟

إذا كان صحيحا أن تقلبات الأسعار في السوق الدولي -بخصوص هذه المادة أو تلك (كما هو الحال مع الشاي أو السكر أو الزيت)- هي السبب في تذبذبها بالداخل من جهة الارتفاع، فكيف السبيل لتسويغ الأرباح الخيالية التي تحصل عليها فروع المجموعة من مبيعات ذات المواد؟ كيف للمرء أن يفسر الزيادات شبه اليومية في أسعار السكر والزيت والحليب، دونما اعتبار لقدرة المواطن الشرائية، أو تقدير لردة فعل من لدنه قد تنقلب على النظام كما على المنظومة سواء بسواء؟

يبدو الأمر -في المحصلة- كما لو أن مجموعة "أونا" تدفع قصدا في جهة احتكاك ما مباشر مع المواطن، وإلا فما معنى أن تستهدفه في قوته وقوت أبنائه؟ ويبدو أيضا أنها تريد بذلك -ودون تقدير موقف دقيق من لدنها- أن تضع المواطن وجها لوجه مع المؤسسة الملكية، صاحبة الشأن والمصلحة في المجموعة إياها.

نزعم أن القصر أدرك ذلك جيدا، فعمد منذ انطلاق موجة الانتفاضات العربية إلى التخلص من بعض "وجوده" في مجموعة أومنيوم شمال أفريقيا... السيئة الذكر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة