بين براثن المستهلك وأنياب المقاول   
الثلاثاء 16/10/1432 هـ - الموافق 13/9/2011 م (آخر تحديث) الساعة 15:01 (مكة المكرمة)، 12:01 (غرينتش)
منصف المرزوقي


للتونسيين أمثال لكل موضوع ومن أطرفها القائل ''''كانت  تشخر زادت بف'''' أي أن "الزوجة المصون" لم تكتفِ بالشخير وإنما أصدرت أيضا صوتا منكرا. هذا المثل هو الذي نستعمله عندما نظن أن الأحوال بلغت قمة السوء فإذا بها تزداد سوءا. هذا ما جربه التونسيون منذ أسابيع قليلة.

فبعد اكتشافهم بدهشةٍ حزبين معروفين يملآن المساحات الإشهارية المخصصة للترويج للهواتف والبرادات والياغورت بصور القائدين العظيمين، وشعارات في منتهى البلادة بل وبلغة سوقية تنكرت للغة العربية، خرج عليهم نكرة أغرق البلاد في حملة غير مسبوقة من إشهار لحزبه المجهول وبالشعارات الركيكة نفسها.

في وصف هذه الظاهرة نقرأ في جريدة الشروق التونسية يوم 27  أغسطس/آب 2011: ''''فمنذ أشهر ولأوّل مرة في تاريخ تونس السياسي يقوم حزب سياسي بحملة دعائية بالصحف والمجلاّت والوسائل السمعيّة البصرية والمعلّقات في الشوارع فاجأت المتابعين للشّأن العام. المبادرة جاءت من الحزب الديمقراطي التقدّمي ليتبعه التكتّل من أجل العمل والحرّيات ثمّ يلتحق بالقائمة حزب الاتحاد الوطني الحرّ الّذي يبدو أنّه رصد ميزانية ضخمة أثارت التساؤلات خاصّة وأنّ الحزب حديث بالحياة السياسية لم يعرف لمؤسّسه أيّ انتماء أو اهتمام بالحياة السياسية في تونس لإقامته الدّائمة بالخارج تقريبا، كما أنه لم تعرف له مواقف خاصّة ولم يتجرّأ على الظهور المباشر للرأي العام عبر وسائل الإعلام. وبدا أنّ صاحب الحزب ثريّ جدّا بأموال لم يعرف مصدرها وتمّ توظيفها للدعاية ولمساعدة الفقراء قبل شهرين من الانتخابات.. قائمة أحزاب الإشهار تعزّزت بالحزب الليبرالي المغاربي وقد تتوسّع إلى أحزاب أخرى".

"
الساحة السياسية سوق يتبارى من أجل السيطرة عليها من يملك بضاعة لا تهم جودتها ما دام الإشهار قادرا على تسويقها لمستهلك يجب التأثير على غرائزه وعقله الباطني
"
لِنُسمِّ هذه الظاهرة "المقاولة السياسية" وأصحابها المقاولين السياسيين الجدد ولنحاول التعرف على مكوناتها.

ثمة في المركز أحزاب تتعامل مع الشأن السياسي كما تتعامل الشركات مع الشأن الاقتصادي. فالساحة السياسية سوق يتبارى للسيطرة عليها من يملك بضاعة لا تهم جودتها ما دام الإشهار قادرا على تسويقها لمستهلك يجب التأثير على غرائزه وعقله الباطني.

هكذا شاهدنا أحد الحزبين المذكورين أعلاه يسلم قيادته تماما لشركات مهنية هي التي كتبت له برنامجه السياسي وهي التي تسوقه وهي التي تسهر على اصطناع اجتماعات شعبية مزيفة تسخّر لها إمكانيات مادية خيالية، لتعطي الانطباع بقوة الحزب وامتداده الهائل وذلك وفق تقنيات التعبئة والحشد التي كان حزب السلطة يستعملها.

حدِّثْ ولا حرج عن شراء الذمم ودفع رسوم الانخراطات وتسخير ماكينة رهيبة للتواصل بالهاتف والإنترنت مع عامة الناس وحتى كراء شركات تَدَّعي سبر الآراء بصفة علمية وهي لا تفعل سوى رسم الصورة التي يريد الحزب غرسها في أذهان الناس من الخطر الداهم الذي يمثله هذا الحزب ومن عدم وجود ذلك الحزب.

بطبيعة الحال لن نفهم موقع وتصرفات المقاولين السياسيين الجدد إن لم نضعهم في علاقة مع الطرفين الآخرين الضروريين لوجود ظاهرة المقاولة السياسة، وعلى رأسهما الممول الخَفي.

سبق أن عَرَّفتُ الثورة بأنها اللحظة التاريخية التي يعيد فيها المجتمع، إن سلما وإن حربا، وبعد تراكمات طويلة، إعادة توزيع السلطة والثروة والاعتبار. بديهي أن من يفقدون هذا الثلاثي لا يتبخرون وإنما يناورون إلى أقصى مدًى لعرقلة إعادة التوزيع أو حتى منعه. ما يجري اليوم في تونس أمر طبيعي، حيث تناضل قوى الردة التي اكتسبت ثروات هائلة في ظل الدكتاتورية لنقل السلطة للأحزاب التي تضمن لها بقاء الثروة بين أيديها.

المضحك المبكي أن رؤساء الشركات السياسية الجديدة لا يجدون للدفاع عن أنفسهم إلا القول إنهم لا يرهنون استقلالهم للممولين وكأن هؤلاء فاعلو خير لا تهمهم إلا مصلحة البلاد وأن اختيارهم لأحزابهم تلك دون غيرها مسألة تتحكم فيها الخيارات العقائدية وليس البحث عن المصالح الخسيسة.

والحال أن أبسط الناس يعلم أن المقاولين الجدد لن يتجاسروا إن وصلوا للحكم على مصالح من أوصلوهم إليه.

إن خطورة هذا التوجه على كل المشروع الديمقراطي بديهية ومن أهم تبعاتها:

- جعل رأس المال الوصيَّ الفعلي على اللعبة الديمقراطية في غياب السلطة المضادة الموجودة في الديمقراطيات العريقة (التي تعاني من نفس الظاهرة) فالصحافة المرئية والمسموعة في تونس تتبع جلها رجال أعمال مشبوهين تعاملوا مع الدكتاتورية وأحيانا هم من بقاياها.

- تزييف المشهد السياسي بكل تقنيات الإشهار والتأثير الخفي.

- تسميم الأجواء بين أحزاب تناضل بإمكانيات متواضعة لأنها لا تهمّ رأس المال أو لأنها ترفض التعامل معه، وبين أحزاب تنفق دون حساب لاحتلال مواقع ليست لها أهلا.

"
من مساوئ وصول المقاولين للحكم رفع مستوى احتقار المواطنين لكل الطبقة السياسية وتفاقم الشك فيها برمتها وهو ما يمهّد لعودة الحلم بالمستبدّ العادل الذي سيخلص البلد من كل هذا الفساد
"
- أخيرا لا آخرا رفع مستوى احتقار المواطنين لكل الطبقة السياسية وتفاقم الشك فيها برمتها وهو ما يمهّد لعودة الحلم بالمستبدّ العادل الذي سيخلص البلد من كل هذا الفساد أي تعبيد الطريق لنوبة جديدة من الدكتاتورية وقد نسي الناس آثامها.

يبقى الطرف الثالث والأخير الضروري لوجود المقاولة السياسية أي المستهلك السياسي وهو للأسف أي فرد من عامة الشعب.

أحسن وصف لهذا الجزء من الثلاثي المدنس هو الذي وجدته على الفيسبوك للسيد عماد محنان: مسألة "رموز الفساد" هي جوهر المشكلة في الواقع السياسي والمالي والإداري في تونس وسائر أقطار الوطن العربي. ولكنّها تطرح طرحا خاطئا... فالسّعي وراء محاربة الرّموز أو الرّؤوس ليس هو المدخل الحقيقي لحلّ المشكلة بصفة حاسمة... القضيّة في "ثقافة الفساد" التي تغلغلت في التّكوين النّفسي للمواطن إلى درجة أنّها شُرعنت وأصبحت من علامات النّظرة الواقعيّة إلى الحياة. المواطن التّونسي -إلى حدّ غير مقبول- بنى صورة عن المسؤول السياسي والإداري معيارها "واصل" (للسلطة) و "يقضي" (أي يسهّل الحاجات) وعنده "أكتاف" ( أي ناس نافذون) إلخ. وهذه المعضلة يجب أن تحارب ابتداء من الثقافة البديلة المأمولة.

إذن من جهةٍ السياسي الفاسد المستعد لكل شيء للوصول للسلطة، ومن جهةٍ أخرى ''''المواطن'''' المستعدّ لكل المقايضات الوسخة لمن يضمن له مصالحه الآنية والفردية، كل هذا خارجَ وفَوْقَ مفهوم المصلحة العامة وإن ادعى الطرفان كذبا ونفاقا تمسكهما به.

ما لا نعيه هو أن ثقافة الفساد التي تغلغلت عند المواطن كانت من تدبير الدولة الاستبدادية والمقايضة "استكن وسنَفي بحاجياتك". هكذا نمت عقلية فاسدة تريد مقابل التسليم بالسلطة للمفسدين بعض فتات الفساد العام أي جملة من الامتيازات الفردية ولو على حساب الآخرين.

شيئا فشيئا تنامت هذه العقلية لتصبح جزءا من ثقافتنا مهددة قيام أي دولة مبنية على القوانين والمؤسسات، وضاربة عرضَ الحائط بمفهوم المواطنة الذي يتطلب قبل كل شيء رفضَ أي مس بالكرامة والحرية مقابل خدمات تُقدَّم على أساس أنها مزايا من صاحب الأمر، وهي في الواقع حقوق غير قابلة للتصرف.

وفي ظل الوضع السياسي الجديد لا تختفي هذه العقلية وإنما تتأقلم، والمقايضة هي: لكي أوصلك للسلطة لا بدّ من "تسبقة" من الامتيازات أو الخدمات ولو على حساب الآخرين.

هنا يصبح الناخب ليس ذلك المواطن الواعي بحقوقه وواجباته الذي يختار للبلاد كاملة البرنامج الذي يظنه الأفضل والأشخاص الذين يظنهم الأصلح، وإنما المستهلك الذي سيشتري من يقدم له الآن أفضل الخدمات.

والشعارُ هو الذي يتردد هذه الأيام "الأحزاب الأخرى ما الذي تستطيع أن تقدمه لي أنا الآن؟ وهنا ولا يهمني كل الباقي"، بديهي أن المقاول والمستهلك وجهان للعملة نفسها، ولا يوجد أحدهما دون الآخر، وهما شريكان في إفساد ما أردناه أداتنا الأساسية لمحاربة الفساد.

إن ما عِبناه على حزب النهضة من مزج بين العمل السياسي والخيري هو للخشية من تعميق هذه العقلية بدل القطع معها، علما بأنه لا أحد يصدق أن حزبا يمارس التزويج الجماعي والختان للفقراء, لا يقوم بدعاية سياسية لنفسه ولا ينمي عند التونسيين غريزة الفساد السياسي المتغلغلة في أعماقنا.

من حسن الحظّ أن النهضة على ما يبدو فهمت احتجاجنا وأن تعليمات أعطيت للفصل بين السياسي والخيري، لكن خطورة الظاهرة على مشروعنا الديمقراطي تتطلب أكثر من هذا بكثير.

لقد كان  للتونسيين قصب السبق في التنظير للثورة السلمية والحثّ عليها وتجريب كل أساليبها طيلة عقدين، من مقاومة الجمعيات المدنية مرورا بإضرابات الجوع وصولا إلى استعمال الشبكة العنكبوتية لتنظيم الاحتجاجات السلمية، وأخيرا خروج جماهير حاشدة ترفع الشعار الشهير ''''الشعب يريد إسقاط النظام''''، ثم إسقاط الدكتاتورية بأقل تكلفة من الدم والدموع.

يا للأسى ويا للعار أن نراهم اليوم يتفننون في ابتكار وسائل إفساد الديمقراطية وهي لم تقف بعد على رِجليها. إذا كان دور أحرار تونس المسارعة لإنقاذ ثورتهم وديمقراطيتهم الواعدة فإن دور بقية العرب التمعّن في التجربة التونسية والتعلم من الدرس التونسي بسرعة، ويوم تنتصب أولى دعائم الديمقراطية عليهم اتخاذ الإجراءات الحازمة التالية:

- تجريم تدخل رأس المال في تمويل الأحزاب ومعاقبة المخالفين بشدة، كحلّ الحزب الذي يقبل المال المشبوه وتحميل الراشي خطايا مالية تقصم الظهر.

- إجبار كل الأحزاب على كشف مواردها وفرض التعويل على الذات لتثبت أن لها امتدادات شعبية، وتمويل الدولة للحملات الانتخابية بكيفية متساوية بين الأحزاب ووضع سقف للمصاريف في هذا الميدان.

- منع كل نوع من الإشهار السياسي وكل استبيانات الرأي التي لا تخضع للمواصفات العلمية والتي تهدف للتأثير على الرأي العام.

- جعل كل وسائل الإعلام تحت رقابة مؤسسة مستقلة تضمن حيادية وشفافية الإعلام وخاصة السمعي البصري.

- وضع قوانين صارمة تفصل بين العمل السياسي والعمل الإعلامي، وتحدد دور الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية.

- القيام بحملات إعلامية لتحذير الناس من كل أصناف الخداع السياسي وتعليمهم الفرق بين الأحزاب والجمعيات المدنية والخيرية، وتوعيتهم بالحقوق والواجبات التي تكفل ممارستها الانتقال من وضع المستهلكين السلبيين إلى دور المواطنين.

لا داعي لأن نوهم أنفسنا بأنه بوسع حتى هذه القوانين والحملات الإعلامية القضاء على الفساد الديمقراطي. فالقاعدة أنه حيث توجد لعبة وقوانين لعبة فلا بدّ من غشّ وغشاشين، وأنك أين تضع البشر والمال والسلطة فلا بدّ من ظهور الفساد أيا كان شكل الحكم ديمقراطيا كان أو استبداديا.

إن الفرق بين الدكتاتورية والديمقراطية لم يكن يوما في أن الديمقراطية نظام فاضل بطبيعته وإنما خاصية الديمقراطية أن لها ماكينة لاستئصال الفساد النابت باستمرار مثل الأعشاب الضارة.

"
من الضروري أن تكون هناك ماكينة فعالة لقص العشب الطفيلي وهي بالطبع القضاء المستقل والإعلام المتحفّز ومؤسسات مختصة كالهيئة العليا المستقلة لتتبع الفساد، التي ندعو إلى جعلها أهم مؤسسة سياسية اجتماعية في بلداننا العربية
"
ومن ثم ضرورة أن تكون لنا من البداية ماكينة فعالة لقص العشب الطفيلي ونحن على أتم العلم بأنه لا نهاية للعملية. الماكينة بالطبع هي القضاء المستقل والإعلام المتحفّز ومؤسسات مختصة كالهيئة العليا المستقلة لتتبع الفساد، التي ندعو إلى جعلها أهم مؤسسة سياسية اجتماعية في بلداننا العربية الموبوءة بهذا الداء العضال.

أخيرا لا آخرا هناك اليوم محاولة لتصور جديد لدور رئيس الدولة. فلِم لا يكون الحَكَم المكلّف بدور حماية اللعبة الديمقراطية من الغشّ والغشاشين، يصفّر على الأخطاء وينبه لضرورة عدم تكرارها ويحيل الغشاشين الكبار للمحاكم؟

نعم، انطلاقا من الأخطاء والخطايا التي رصدناها ونحن في أولى خُطانا لا بدّ أن نفكّر مليا في كل الإجراءات حتى لا يتمخض الجبل فيلد فأرا، وحتى لا يكون الشهداء قد ماتوا لنمرّ من فساد الدكتاتورية إلى فساد الديمقراطية، وآنذاك يا خيبة المسعى والشعوبُ لم ترتفع ببطولاتها الخارقة لأعلى مقام إلا لتسقط سقطة مدوية في أول امتحان.

كم من مؤشرات سلبية وكم من أضواء حمراء، ولم يبق أمامنا في تونس إلا أقل من شهرين لأول امتحان، ألا وهو انتخاب المجلس التأسيسي يوم 24 أكتوبر/تشرين الأول.

فهل سيهب الشعب هبة واحدة لمعاقبة أحزاب المقاولة السياسية وتلقينها درسا لن تنساه، وقد استخفت بذكاء الناس وامتهنت كرامة الفقراء والضعفاء؟

ذلك ما يجب أن نسعى إليه جميعا وإلا فإن الثورة ستنتهي في صناديق الاقتراع ليعود التشدّق بأننا لسنا أهلا للديمقراطية فيحقّ لكل من ادعوا دوما عدم نضجنا لها أن يشمتوا بنا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة