خطاب أوباما أستذة ونفاق وتدخل فظ   
الخميس 8/7/1432 هـ - الموافق 9/6/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:35 (مكة المكرمة)، 13:35 (غرينتش)
منير شفيق


إن أول ما يجب أن يذكره المرء وهو يستمع إلى خطاب أوباما ما رُسِمَ من هالة حول خطابه في القاهرة، ومن قبل خطابه في تركيا في بداية عهده. فقد أثبتت التجربة أن ثمة هوّة بين ما يقول وما يطبّق على الأرض، أو في أحسن الحالات، ما يريد وما يستطيع تحقيقه. ناهيك عما يتراجع عنه كلما اختلف مع نتنياهو.

التجربة مع خطابات أوباما جاءت مخيّبة لآمال كل الذين لم يفرزوا بين ما هو نفاق وما تستبطنه الكلمات، أو بين الأهداف الحقيقية. فأوباما تابع الكثير من سياسات الرئيس جورج دبليو بوش، وعندما كان يبدو مختلفاً يكون ساعياً إلى الأهداف نفسها. ولكن بكلمات أو شعارات أخرى، وأحياناً بأسلوب آخر.

"
تابع أوباما الكثير من سياسات بوش, وعندما كان يبدو مختلفاً فإنه يكون ساعياً إلى الأهداف نفسها ولكن بكلمات أو شعارات أخرى
"

في خطابه الأخير الذي نحن بصدده يبدو مرحِبّاً بثورتيْ التغيير اللتيْن انتصرتا في تونس ومصر. ولكن من دون أن يقول أن كلاً من زين العابدين بن علي وحسني مبارك كانا ينفذان في سياستيهما الخارجية والداخلية الاقتصادية ما هو مطلوب منهما أميركياً. ولم يزل مطلوباً من العهود الجديدة.

فالمطلوب: السياسة نفسها إزاء الكيان الصهيوني، السياسة نفسها إزاء الارتهان لأميركا، السياسة نفسها في الموقف من المقاومات وكل ممانعة تراعي الحقوق الفلسطينية، كما الأجندة نفسها التي تحملها الإدارة الأميركية ومنظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي لمسار الاقتصاد المصري والتونسي.

بل حتى في موضوعيْ الفساد والاستبداد فثمة علاقة بينهما والسياسات الأميركية. ولهذا لا يستطيع أوباما التخلي عنهما، أو عدم الاستمرار في تطبيقهما. فالفساد يعني عشرات ومئات مليارات الدولارات التي تُحوّل إلى بنوك أميركا وشركاتها وبورصتها وعقاراتها. ثم هل يصدّق أحد أن أوباما يحتمل ما يمكن أن تفرزه صناديق الاقتراع العربية من نتائج، أو يحتمل ما سيعبّر عنه الشباب إزاء السياسات الصهيونية والأميركية في فلسطين.

من هنا يعلم أوباما أن ما حملته رياح التغيير في كل من الثورتيْن في مصر وتونس ذاهبة في الاتجاه المعاكس للسياسات الأميركية ليس في الموضوع الفلسطيني فحسب، وإنما أيضاً في كل مجال آخر ولا سيما في الاقتصاد.

فأوباما أراد في كل خطابه أن يحرف تلك الرياح لتهبّ كما تشتهي سفن أميركا والكيان الصهيوني. بل إن الخطاب كله مؤسّس لتحقيق هذا الهدف. بل لم ترد فيه كلمة أو جملة إلاّ وأُريدَ منها تحذير الثورات العربية من أن تشقّ طريقها الذي يراعي المصالح العليا لمصر وتونس والعرب والبلدان الإسلامية والعالم ثالثية.

فحسني مبارك وزين العابدين بن علي لم يكونا مجرد فاسديْن أو باحثيْن عن التوريث فحسب وإنما كانت لهما، أيضاً، سياسات خارجية وداخلية يريد أوباما من التغيير أن يسير باتجاههما حرفاً حرفاً، عدا في بعض الجوانب المتعلقة بحريّات صحفية أو سياسية، أو التحكم في صناديق الاقتراع. ولكن بشكل أقل فظاظة وفضيحة من الحال السابقة.

صحيح أن ثمة انحناء في الخطاب أمام ثورات التغيير، وصحيح أن ثمة الكثير من كلمات النفاق بعد أن فرضت نفسها على أرض الواقع وأخذت تشق طريقها. ولكن الخطاب كله اتسّم بالتعالي والأستذة وإعطاء التعليمات، وهو يتناول قضايا الحريّة والديمقراطية والاقتصاد. ويا للوقاحة حين يستغرق بإعطاء الدروس ضدّ ما يسمّيه الكراهية.

"
عندما تناول أوباما الكراهية اتجّه خطابه نحو الفلسطينيين والعرب, ولم يلحظ أيّة علاقة للكيان الصهيوني وعنصرييه بها أو بشيء منها
"
فأوباما حين تناول الكراهية اتجّه خطابه نحو الفلسطينيين والعرب. ولم يلحظ أيّة علاقة للكيان الصهيوني وعنصرييه بها أو بشيء منها. فأوباما لا يعتبر أن تهجير ثلثيْ الشعب الفلسطيني من وطنهم ومصادرة بيوتهم وأراضيهم وحتى تراثهم الفني والثقافي والحضاري يدخل في أعمال الكراهية وجرائم الحرب والإبادة.

وأوباما لا يرى في إطلاق الرصاص المتفجّر على الشباب الذين وقفوا على الشريط الشائك في 15/5 مصرّين على الإعلان عن حق العودة، ومن دون سلاح، أية كراهية؟ فالكراهية من نصيب الذين يطالبون بحق العودة إلى ديارهم وليس من جانب الذين يطلقون النار بلا داع أو ضرورة.

وعندما يتحدث عن الحل الذي يريد أن يسعى إليه يشدّد على يهودية دولة الكيان الصهيوني والاعتراف بها "وطناً قومياً لليهود" لا يدرك أنه بذلك يشطب كل الحقوق الفلسطينية ويزوّر التاريخ ويتبنى المقولة الصهيونية بالكامل.

وبهذا لا يكون الحل الذي يقترحه، كما يتوهم البعض، عملية تسوية سياسية تقوم على اعتبارات واقعية ومصلحية وموازين قوى، وإنما تضمن حلاً أيديولوجيا يُراد فرضه على العرب والمسلمين والفلسطينيين. فإذا كانت التسوية السياسية مرفوضة فكيف التسوية الأيديولوجية التي تقوم على أساس نظرية توراتية مفبركة أيديولوجياً حتى الحدّ الأقصى.

ثم يجب الانتباه إلى أن تناول أوباما الوضع العربي بعامّة والوضع في كلٍ من ليبيا واليمن والبحرين وسوريا يحمل في ما يحمل تدخلاً فظاً في الشؤون الداخلية ومحاولة للإملاء والصيد في الماء العكر وتوجيه الدفة لتحقيق هيمنة أميركية تستبق نتائج الصراع. فخطاب أوباما نفث السم حيثما دار والتفت.

فأوباما يتدخل هنا حتى بالتفاصيل ورسم خرائط طريق ويقرّر من يريد أن يرحل وكيف يجب أن يرحل، وتحت أية شروط. ومن يمكن أن يبقى ولكن كيف يبقى وتحت أية شروط.

فإلى جانب ما تحمله كلمات الخطاب من تدخل في الشأن الداخلي وحض على التآمر، لا يلحظ (أوباما) أن موقعه الواقعي في ميزان القوى يجعل من تدخله والطريقة التي يتدخل بها قفزاً في الهواء أو رمياً للصنارة في البحر من دون أن يتأكدّ إن كانت ستصيد أو ستعود خائبة أو ستعود بالتافه من السمك.

إن أوباما لا يريد أن يتصرّف ضمن حدوده وإمكاناته وهذا أمر مكرّر في الإمبراطوريات وهي تتهاوى وتظن أنها ما زالت في أوج عظمتها.

"
إذا كان أوباما يظن أنه تمكن من الوضع في ليبيا بالتأثير في مجرى الصراع, فإن تأثيره في الأقطار الأخرى جميعاً ثانوي
"
إذا كان أوباما يظن أنه تمكن من الوضع في ليبيا وهو الوضع الوحيد الذي يمكنه أن يعامله كما لو كان يملك زمامه بسبب تدخله العسكري هو والأطلسي في التأثير في مجرى الصراع فإن تأثيره في الأقطار الأخرى جميعاً ثانوي، وأقل بكثير مما يحاول أن يوحي.

فهو يحاول الإيهام بأنه القادر على تحويل دفة الصراع في الاتجاه الذي يريد ولكن ذلك مجرد إيهام. وإن كان له من بعض الصدقية، فصدقيته آتية من تبرّع بعض القوى الداخلية في الاستقواء به، والتآمر معه على شعبها ولكن هذه القوى تواجه قوى شعبية أكبر منها. وحتى في المثل الليبي ثمة قوى شعبية كبيرة تعارضها ولا بدّ من أن تدخل معها في صراع بعد رحيل القذافي.

على أوباما أن يتأدّب ويعرف حدوده وهو يخاطب الفلسطينيين والعرب والمسلمين بل شعوب العالم الثالث بل الدول الكبرى الأخرى، فالخطاب الذي ينبع عن عنجهية وأمجاد ماضية لا قيمة له حين تكون موازين القوى تكذبه أو هي في طريقها لتكذيبه.

ولكن هذا الخطاب وجد من يرحّب به ويقرأ فيه تغييراً. وذلك حين عرض الخطوط العريضة لحل القضية الفلسطينية حيث أخذوا منه الإشارة إلى أن تقوم الدولة الفلسطينية في حدود 1967. وذلك بالرغم من اشتراطه الاعتراف بيهودية دولة الكيان الصهيوني وإسقاط حق العودة.

والأنكى أعلن الناطق الرسمي باسم محمود عباس أنه على استعداد للعودة إلى المفاوضات على أساس خطاب أوباما. أي إذا قبِل نتنياهو مبدأ إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الـ67.

طبعاً في هذا الإعلان طعن للمصالحة، وعودة "حليمة لعادتها القديمة" مع ابتلاع الشق المتعلق بأن تكون "دولة إسرائيل الوطن القومي لليهود"، ومع تجرّع كأس إسقاط حق العودة.

"
متى تدرك المعارضات العربية أن أوباما في خندق نتنياهو، ومن ثم يصار إلى التعامل معه باعتباره تعاملاً مع نتنياهو؟!
"
ولكن مع ذلك تراجع أوباما، ومن دون أن يطرف له جفن، بعد يومين من خطابه العتيد موضحاً أنه لا يقصد أن تقوم الدولة الفلسطينية على حدود الـ67 وإنما بعد أن يجري تبادل الأراضي والإقرار بما حدث من تغيير على أرض الواقع (أي كل ما هو مخالف للقانون الدولي).

وبهذا يكون قد قدّم هديّة ثمينة لكل من يمكن أن يكون قد خدع في لهجة الخطاب النفاقية والخبيثة التي وجهها لثورتيْ مصر وتونس. والأهم هدية للناطق الرسمي الفلسطيني الذي ذهبت به الخفة سريعاً للموافقة على بدء المفاوضات وفقاً للخطوط العريضة التي وردت في خطاب أوباما.

والسؤال: متى تدرك المعارضات العربية أن أوباما في خندق نتنياهو، أو كلاهما في سلة واحدة. ومن ثم يصار إلى التعامل معه باعتباره تعاملاً مع نتنياهو؟ ولكن السؤال غير موجّه إلى سلطة رام الله حيث الحال "فالج لا تعالج".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة