حماس والثورات العربية.. الموقف والتداعيات   
الثلاثاء 1433/12/28 هـ - الموافق 13/11/2012 م (آخر تحديث) الساعة 15:20 (مكة المكرمة)، 12:20 (غرينتش)
فراس أبو هلال

النأي بالنفس
مبررات الموقف
المأزق السوري
حسابات الربح والخسارة

انطلقت الثورات العربية في عدد من الدول العربية لتقتح نقاشا كبيرا حول تأثيرها على مجموعة من القضايا الإستراتيجية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وحين يفتح النقاش حول فلسطين والثورات العربية فلا بد من وضع حركة حماس على طاولة البحث، من حيث موقفها من الثورات العربية وحسابات الفرص والمخاطر على واقعها ومستقبلها، وبالتالي مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني باعتبارها أحد أهم الفاعلين في هذا المشروع.

فكيف تفاعلت حماس مع الثورات العربية؟ وماذا سيفرز موقف الحركة من هذه الثورات من نتائج بعيدة المدى على الحركة وعلى قوتها وتأثيرها في ساحة الصراع العربي الإسرائيلي؟

النأي بالنفس
إذا كان هناك من سياسة واحدة يمكن أن تلخص موقف حماس من الثورات العربية فهي بلا شك سياسة "النأي بالنفس". وينطبق هذا الوصف على موقف الحركة من كافة الثورات العربية، بغض النظر عن طبيعة العلاقات بين حماس وبين الأنظمة التي قامت ضدها تلك الثورات، ومهما اختلفت مواقف هذه الأنظمة من القضية الفلسطينية.

حماس لم تكتف بالتزام الصمت الرسمي تجاه الثورة المصرية التي كان يعلم الجميع أن نجاحها سيصب في مصلحة الحركة، بل إنها منعت أي مظهر من مظاهر التأييد للثورة في قطاع غزة

فمع اندلاع الاحتجاجات الشعبية في تونس وتحولها إلى ثورة شاملة، التزمت حماس الصمت ولم تصدر أي تعليق على الأحداث، إلى حين سقوط النظام، على الرغم من ارتهان نظام بن علي للغرب وارتباطاته المشبوهة بإسرائيل، وعلى الرغم من قناعة حماس التامة أن سقوط هذا النظام سيصب في مصلحتها بغض النظر عن شكل النظام القادم، نظرا لوجود حالة من الإجماع في الشارع التونسي وقواه السياسية، إسلامية كانت أم علمانية، على دعم الشعب الفلسطيني ورفض خطوات التطبيع المكشوفة وغير المكشوفة التي كان ينفذها بن علي مع إسرائيل.

وقد التزمت حماس بنفس الموقف عند اندلاع الثورة المصرية، على الرغم من سوء العلاقات بين الحركة ونظام حسني مبارك، الذي قدم لإسرائيل أكثر ما يمكن تقديمه، وتماهى تماما مع المشروع الأميركي، ومارس سياسة عدائية ضد حماس، وصلت إلى دعم المحاولات للانقلاب على الحكومة التي شكلتها حماس بعد الانتخابات في يناير/كانون الثاني 2005، وما تبعها من سعي نظام مبارك بكل إمكاناته للقضاء على حكومة وحركة حماس من خلال الحصار والتضييق والتلاعب بأمن غزة بعد الحسم العسكري في يونيو/حزيران 2007.

وبالرغم من كل ذلك، إلا أن حماس لم تكتف بالتزام الصمت الرسمي تجاه الثورة المصرية التي كان يعلم الجميع أن نجاحها سيصب في مصلحة الحركة، بل إنها منعت أي مظهر من مظاهر التأييد للثورة في قطاع غزة، كما امتنعت وسائل إعلامها "فضائية الأقصى، وفضائية القدس" عن مجرد ذكر الأخبار عما يجري في شوارع القاهرة وغيرها من المدن المصرية من مظاهر عظيمة وعارمة للثورة على نظام مبارك.

أما الموقف من الثورة السورية، فهو لم يبتعد عن هذا الإطار العام من سياسة النأي بالنفس، مع وجود اختلافات في التفاصيل، والتي ظهرت بسبب طول فترة الثورة وهو ما أدى إلى اضطرار قيادات حماس للإجابة عن أسئلة الإعلام حول موقف الحركة من الأحداث في سوريا.

ومع ذلك فإن الإجابات التي صدرت عن قيادات حركة حماس وبيانها الرسمي الأول حول الثورة، كان يرسم موقفا دقيقا جدا وبكلمات محسوبة، تتحدث عن تأكيد سياسة الحركة على عدم التدخل في شؤون الدول العربية، واحترامها لتطلعات الشعوب وأهدافها المشروعة.

مبررات الموقف
ولكن ما هي العوامل التي دفعت حماس لاتخاذ موقف موحد وشبه ثابت من ثورات تختلف كل واحدة منها عن الأخرى؟ ولماذا لم تدعم حماس حلفاءها في النظام السوري؟ ولماذا امتنعت حتى عن الدعم اللفظي لحلفائها في القوى الإسلامية والقومية المعارضة لأنظمة مثل نظام بن علي ومبارك؟

يشكل الإرث التاريخي لمنظمة التحرير الفلسطينية, ناقوس خطر يمنع قيادة حركة حماس أو أي حركة فلسطينية كبيرة أخرى من التدخل في شؤون الدول العربية، حتى تتجنب تكرار المآسي

إن العامل الأول والرئيسي المؤثر في موقف حماس هو الإرث التاريخي لمنظمة التحرير الفلسطينية في علاقاته مع الأنظمة العربية، إذ يشكل هذا الإرث ناقوس خطر يمنع قيادة حركة حماس أو أي حركة فلسطينية كبيرة أخرى من التدخل في شؤون الدول العربية، حتى تتجنب تكرار المآسي التي تعرض لها اللاجئون الفلسطينيون في أكثر من بلد عربي، بسبب تشابك العلاقات والخلافات بين المنظمة وبين أنظمة هذه الدول كما حصل في الأردن ولبنان، أو بسبب الموقف السياسي لقيادة المنظمة من هذه الدول كما حدث في الكويت، عندما تعرض أكثر من أربعمائة ألف فلسطيني للتهجير بسبب مجرد موقف سياسي من الرئيس الراحل ياسر عرفات من أزمة الخليج التي أعقبت احتلال العراق للكويت.

أما العامل الثاني فيتمثل بأن حماس هي حركة تحرر وطني، وليست دولة مستقلة تستطيع اتخاذ قرارات سياسية حاسمة ضد أنظمة الدول العربية دون الأخذ بعين الاعتبار المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها بسبب هذا الموقف. فإذا كانت الدول العربية التي تمتلك حدا أدنى من الاستقلال قد امتنعت عن الإدلاء برأيها تجاه الأحداث في الدول العربية الأخرى خوفا من الخسائر السياسية من هذا التدخل، فكيف يمكن لحركة لا تمتلك دولة حرة، ولا اقتصادا مستقلا أن تتخذ موقفا يدخلها في صراع مع هذه الدولة العربية أو تلك، خصوصا وهي تعاني من حصار سياسي خانق تمارسه معظم الدول العربية ضدها حتى دون تدخلها بالشؤون الداخلية لهذه الدول.

ونحن هنا نتحدث طبعا في إطار التحليلات السياسية الواقعية وليس بمنطق التفسير الأخلاقي للأحداث.

وتبدو "دكتاتورية الجغرافيا" عاملا أساسيا ومصيريا آخر في التأثير على موقف حركة حماس تجاه الثورات العربية، وبشكل خاص موقفها من ثورة الشعب المصري. إذ أن الارتباط الجغرافي لقطاع غزة مع مصر باعتبارها المنفذ الوحيد لسكان القطاع على العالم الخارجي، يجعل أي موقف لحماس مهما كان شكله تجاه الشأن الداخلي المصري أشبه ما يكون بالانتحار، ولهذا فقد صمتت الحركة تماما إلى حين سقوط النظام، ومع ذلك فإن ماكينة النظام الأمنية والإعلامية حاولت الزج بحماس بالشأن الداخلي المصري، من خلال اتهامها بالمشاركة في قتل المتظاهرين في ميدان التحرير بالتعاون مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر.

المأزق السوري
منذ بداية الثورة السورية في مارس/ آذار 2011 كان واضحا أنها ستمثل تحديا كبيرا لحركة حماس، فهي أول ثورة شعبية ضد نظام ينتمي لما كان يعرف بمحور الممانعة ويتبنى سياسية مقاومة للمشروع الأميركي في المنطقة، وهو نظام حليف لحركة حماس منذ أكثر من عشر سنوات، يستضيف بلده قيادة الحركة وعددا كبيرا من كوادرها السياسية والعسكرية على أراضيه، ويعطيها حرية واسعة في التحرك السياسي والإعلامي، في الوقت الذي ناصبت فيه معظم الأنظمة العربية حركة حماس العداء والخصومة، أو على الأقل أدارت علاقات باردة معها حتى لا تغضب الولايات المتحدة أو تصطدم مع السلطة الفلسطينية.

استمرار الثورة السورية حتى الآن حتم على حماس الانحياز للموقف الأخلاقي بتأييد الشعب السوري، ونزع الورقة التي كان يستخدمها النظام

لقد كان أي موقف من حماس تجاه الثورة السورية يمثل مخاطرة غير محسوبة، إذ أن تأييد النظام بشكل واضح وعلني –كما كان يأمل النظام وحلفاؤه- يعني خسارة أخلاقية كبيرة لحركة اكتسبت احتراما وتأييدا شعبيا عربيا عارما باعتبارها حركة تحرر وطني مقاومة للمشروع الصهيوني في المنطقة، وهو ما يجعل من الصعب على حركة تحظى بكل هذا الاحترام أن تتخذ موقفا غير أخلاقي بتأييد نظام يقتل شعبه ويمارس ضده استبدادا دمويا بسبب مطالبته بحقوقه المشروعة بالحرية والكرامة.

أما من الناحية البراغماتية، فقد أدركت حماس أنها ستخسر تأييد الشعب السوري في حال اتخذت موقفا مؤيدا للنظام، وهي تدرك أن الشعوب هي الأبقى، وأن النظام مهما زاد بطشه فإنه زائل لا محالة بفعل إصرار الشعب السوري على إنجاح ثورته.

من جهة أخرى، فإن اتخاذ حماس لموقف واضح في تأييد الثورة السورية –كما كان يتمنى الثوار ومعظم أنصار الحركة- كان سيعرض اللاجئين الفلسطينيين الذين تتجاوز أعدادهم ستمائة ألف لاجئ للخطر، وسيؤدي إلى خسارة الحركة لحليف قوي قدم لها الكثير، إضافة إلى الأبعاد اللوجستية التي كانت تتطلب بعض الوقت لتأمين خروج آمن لكوادر وقيادات الحركة من دمشق، دون إغفال العامل النفسي الذي جعل من الصعب على قيادة الحركة أن تتخذ موقفا واضحا ضد النظام بسبب شعورها "بالوفاء" تجاه ما قدمه لها، كما قال خالد مشعل في أحد لقاءاته التلفزيونية.

ولكن استمرار الثورة كل هذه المدة، وتحولها إلى صراع عسكري بين جيش النظام وبين الثوار، وسقوط العدد الكبير من الشهداء والجرحى، والحجم الهائل من الدمار والتضحيات، جعل من الصعب على الحركة الاستمرار في الوجود على الأراضي السورية، وحتم عليها الانحياز للموقف الأخلاقي بتأييد الشعب السوري، ونزع الورقة التي كان يستخدمها النظام بتقديم نفسه راعيا وداعما للمقاومة.

وهذا ما دفع الحركة للخروج النهائي من دمشق، وإطلاق بعض التصريحات المناوئة للنظام، كالتي أعلنها مبكرا موسى أبو مرزوق، قبل أن يدخل على خط هذه التصريحات خالد مشعل، الذي أعلن تأييده الصريح للثورة السورية خلال خطابه في مؤتمر حزب العدالة والتنمية التركي نهاية سبتمبر/أيلول الماضي، وما أعقبه من هجوم إعلامي شرس ضد مشعل وحركة حماس من قبل الإعلام الرسمي السوري.

حسابات الربح والخسارة
تتلخص مكاسب حماس المحتملة من موقفها تجاه الثورات العربية بما يلي:
• الحفاظ على علاقات متوازنة مع الدول العربية نظرا لالتزامها بسياسة عدم التدخل بالشؤون الداخلية لهذه الدول.
• حصد المزيد من التعاطف الشعبي على المستوى العربي المؤيد بغالبيته للثورة السورية، بسبب انحياز الحركة للموقف الأخلاقي تجاه هذه الثورة على حساب الموقف البراغماتي والمصالح السياسية الآنية.
• ضمان علاقة إستراتيجية طويلة المدى مع الشعب السوري، الذي سينتصر بلا محالة على بطش النظام، وسيتذكر لحماس تضحيتها بعلاقتها مع النظام ووقوفها إلى جانب حقوق الشعب المشروعة.
• وضع حد للاتهامات التي كانت توجه لحركة حماس من خصومها بأنها أداة بيد النظام السوري، وعميلة "لإيران الصفوية الشيعية"! وإثبات عملي على استقلالية قرار الحركة.

أما الخسائر التي يحتمل أن تتكبدها الحركة بسبب هذا الموقف فيمكن إجمالها بما يلي:
• خسارة حليف مهم هو النظام السوري الذي لا يوجد له بديل في المستقبل القريب حتى الآن يمكن أن يقدم كل التسهيلات والدعم الذي كانت تحظى حماس به في سوريا. صحيح أن الشعب السوري سيتبنى بلا شك موقفا داعما للقضية الفلسطينية ولحركة حماس، ولكن الدولة السورية بعد انهيار النظام -آجلا أم عاجلا- ستحتاج إلى الكثير من الوقت لإعادة البناء، ولاستعادة القدرة على اتخاذ مواقف تتناقض مع موازين القوى الدولية التي تصب في مجملها في الخندق المعادي لحماس وللقضية.
كسبت حماس في موقفها المحايد من الثورات العربية علاقات متوازنة مع الدول العربية, لكنها خسرت حليفا مهما هو النظام السوري الذي لا يوجد له بديل في المستقبل القريب حتى الآن

• تراجع علاقات الحركة مع إيران وهي التي مثلت داعما رئيسيا للحركة خصوصا بعد الحسم العسكري في قطاع غزة، وقد بدأت إيران فعلا بممارسة ضغوطها على حماس وتلويحها بقطع الدعم المادي منذ الأشهر الأولى للثورة السورية.

• خسارة العلاقات السياسية مع التيارات اليسارية والقومية العربية، وخسارة الدعم الشعبي من قواعد هذه التيارات. فبعد أكثر من عشر سنوات من التحالف الإستراتيجي بين اليسار والقوميين وبين حماس في معظم الدول العربية، يتحطم هذا التحالف على صخرة المواقف المتضادة من الثورة السورية، بعد اعتبار معظم اليسار العربي لحركة حماس أداة بيد المشروع الأميركي في المنطقة! بسبب "تقاعسها" عن تأييد "نظام الممانعة" في سوريا.

قد تشير حسابات الربح والخسارة إلى حالة من التوازن على المدى القريب، ولكن المستقبل المتوسط والبعيد، سيحمل نتائج إيجابية تثبت لحماس أن انحيازها للشعوب وابتعادها عن التدخل المباشر في الشؤون الداخلية للدول العربية، هو الموقف الأصوب الذي سيعود بالمكاسب على الحركة وعلى المشروع الوطني الفلسطيني على حد سواء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة