دروس من الدستور الأوروبي الموحد   
الخميس 27/2/1426 هـ - الموافق 7/4/2005 م (آخر تحديث) الساعة 16:01 (مكة المكرمة)، 13:01 (غرينتش)


عادل لطيفي

 

- عودة إلى جذور البناء الأوروبي

- نقاش ساخن بين التأييد والرفض

- بين دستور أوروبا والوحدة العربية

 

كان الهدف الأساسي من وراء فكرة إيجاد دستور واحد لأوروبا هو توفير إطار تشريعي وإداري وسياسي يوحد مختلف الأمم الأوروبية، لكن يبدو من خلال الجدل الساخن الذي رافق إعداده، والذي ما انفكت تشتد حدته اليوم، أن هذا المطمح بدأ يعطي نتائج عكسية.

 

نلاحظ هذا بوضوح في حالة الدول التي آثرت المصادقة عليه من خلال الاستفتاء الشعبي وخاصة في حالة فرنسا، مقابل هذا الاختيار الإشكالي آثرت بعض البلدان الأخرى النأي بنفسها عن كل جدل وفضلت اعتماد المصادقة البرلمانية. فقبل شهرين تقريبا من بدء الاستفتاء في فرنسا، بدأ صناع الوحدة الأوروبية يتخوفون من تنامي نسبة المعارضين لتبني الدستور الأوروبي في الشارع الفرنسي، وهو ما حول هذا البلد من رمز ومحرك للبناء الأوروبي إلى نذير بهشاشة الوحدة.

 

مع ذلك يمكننا اعتبار الصراع بين المؤيدين والرافضين للدستور الموحد بمثابة جزء من البناء الأوروبي ذاته، وهو مؤشر على مدى ثراء هذه التجربة التاريخية، وفي نفس الوقت عن نقائصها. إنه ثراء مفيد خاصة لعالم عربي لم يألف مثل هذا السجال حول الدستور. فشتان بين جدل سياسي وفكري حول دستور موحد لدول تسعى للذوبان في كيان أوسع يؤكد على بعد المواطنة، وبين استجداء عربي حكومي خجول للتطبيع مع إسرائيل ولمكافحة الإرهاب كوسيلة للتهرب من إصلاح نصوص الدساتير المهترئة والاعتراف بحق المواطنة للإنسان العربي.

 

إن الإمساك بالخطوط العامة لهذه التجربة يساهم بشكل أو بآخر في زيادة الوعي بمرارة واقعنا الذي جسدته النقاشات العقيمة والغبية أثناء قمة الجزائر الأخيرة أحسن تجسيد.

 

"
فكرة البناء الأوروبي جاءت من خلال تفاعل الرأي العام والطبقة السياسية داخل الدول مع مستجدات وتحولات الوضع العالمي

"
عودة إلى جذور البناء الأوروبي

يلاحظ من خلال تتبع جذور بناء أوروبا الموحدة، أن تاريخ هذه الكتلة الجغرافية المتنوعة العرقيات والقوميات، كان دوما مصبوغا بنوع من التوجه نحو توسيع فعل الأحداث التاريخية لتشمل أغلب رقاعها، ولعل تاريخ شارلمان ونابليون من بين الأمثلة على ذلك.

 

لا يمكن لأحد أن ينكر أن هذا التاريخ يكشف عن الدور البارز للمسيحية عموما وخاصة للكنيسة الكاثوليكية في بلورة فكرة أوروبا، وبالتالي فإن قول الرئيس الفرنسي الأسبق، ومعد الدستور الأوروبي الموحد، فاليري جيسكار دستان، بأن أوروبا كانت دائما ناديا مسيحيا، فيه الكثير من الصحة، لكن توظيفه السياسي لهذه الحقائق التاريخية هو الذي أثار انتقادات خصومه، إذ الدور التاريخي للمؤسسة الكنسية لا يبرر إدراج الدين كعنصر من عناصر الوحدة الأوروبية اليوم.

 

لو اقتصرنا على مرحلة التاريخ المعاصر والراهن، للاحظنا أن فكرة البناء الأوروبي جاءت من خلال تفاعل الرأي العام والطبقة السياسية داخل الدول مع مستجدات ومع تحولات الوضع العالمي.

 

ففي بداية الخمسينات من القرن العشرين (1951) تم في باريس تأسيس المجموعة الأوروبية للفحم والفولاذ (CECA) التي تعد حجر الأساس لأوروبا الموحدة التي نشهد قيامها اليوم.

 

بعد نجاح هذه التجربة وبروز سياسة أوروبية موحدة على مستوى الطاقة والمعادن، تمت سنة 1957 في روما المصادقة على إنشاء المجموعة الاقتصادية الأوروبية وكذلك المجموعة الأوروبية للطاقة الذرية، وانخرطت ست دول في إسقاط الحواجز الجمركية.

 

كانت هذه المحاولات الأوروبية لإيجاد أرضية للبناء المشترك جريئة في فترة كان من الصعب خلالها تصور قيام كيان سياسي أو اقتصادي خارج بوتقة الصراع بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية.

 

صحيح أن أوروبا كانت جزءا من ذلك الغرب المواجه للشرق، لكنها لم تكن كذلك فقط، فقد أرادت من خلال إقامة هذه المؤسسات الأولى ضمان استقلالية اقتصادية من خلال قطاع الطاقة، وهنا نفهم دور العامل الاقتصادي التأسيسي في ظهور أوروبا الموحدة. وسيتدعم دور هذا العامل بعد الأزمة العالمية للطاقة سنة 1973 حيث انضمت دول جديدة مثل بريطانيا والدانمارك وإيرلندا إلى أوروبا.

 

تتالت بعد ذلك محطات البناء الأوروبي من خلال التنقيحات العديدة التي أدخلت على الاتفاقيات المبرمة سابقا، ولعل من أبرزها ما تم سنة 1986 من إعلان قيام السوق الموحدة، ثم اتفاقية مستريخت خاصة سنة 1992 التي أعطت الوجه الحقيقي للوحدة، حيث تم إقرار سياسة خارجية مشتركة وعملة موحدة بين الدول.

 

لقد حولت هذه الاتفاقية أوروبا من كيان اقتصادي إلى كيان سياسي، جاء الدستور الموحد الذي تم التوقيع عليه في روما سنة 2004 ليعطيه ملامحه النهائية.

 

نلاحظ هنا كذلك أن الأوروبيين استفادوا أيما استفادة من نهاية الحرب الباردة، أو لنقل إن الأوروبيين وجدوا أوروبا من جديد بعد أن طغت مفاهيم الشرق والغرب على الساحة الجيوسياسية العالمية.

 

أعتقد أن دستور أوروبا الموحدة يمثل في جانب معين إعلانا آخر عن نهاية الحرب الباردة لا تقل أهميته عن سقوط جدار برلين، أو لنقل إنه دشن دخول أوروبا الفعلي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

 

أما على مستوى التاريخ العام، فيمكن القول إن اعتماد هذا الدستور يعد إيذانا بنهاية الدولة الوطنية القومية. فبعد أن مثلت الحرب العالمية الأولى نهاية الإمبراطوريات وتأكيد مكانة البناء الوطني القومي الذي وصل قمته مع الحرب العالمية الثانية، تدخل أوروبا اليوم مرحلة جديدة لتجاوز الوطن نحو إطار متعدد الأعراق والقوميات والأديان، يوحد بين سكانه حق المواطنة.

 

"
تستعيد أوروبا اليوم تاريخ علاقاتها الصدامية مع الإسلام، وتعيد صياغة نفسها من خلال إبراز تميزها عن الإسلام، إذ ظل الإسلام دوما ذلك الحاضر الغائب في تبلور الهوية الأوروبية
"
نقاش ساخن بين التأييد والرفض

كأي تجربة بنائية في التاريخ فإن الدستور الأوروبي الموحد ما زال يثير العديد من النقاشات التي شقت أحيانا الهياكل السياسية الحزبية. ففي فرنسا مثلا تجاوزت الخلافات حوله مستوى التقابل التقليدي بين اليمين واليسار، إذ تكونت كتل مؤيدة وأخرى معارضة في كل حزب، وخاصة في أحزاب الوسط، مثل الحزب الاشتراكي والحزب الرئاسي. ومقابل ذلك رفضت الدستور قوى أقصى اليسار وأحزاب أقصى اليمين كل حسب خلفياته.

 

أمام تداخل هذه الخريطة السياسية يمكننا أن نلتمس أهم النقاط التي تثير الخلاف بين المؤيدين والرافضين للدستور الموحد.

 

داخل أحزاب اليسار، وخاصة داخل الحزب الاشتراكي، يدور النقاش حول شرعية القبول بدستور يعتمد على توجهات ليبرالية واضحة في حين يهمل الجوانب الاجتماعية. ويعتبر معارضو الدستور أنهم ليسوا ضد أوروبا لكنهم يرفضون أوروبا الليبرالية أو أوروبا رأس المال ويطالبون بأوروبا تعطي أولوية أكثر للمسألة الاجتماعية.

 

في هذا السياق يلوم العديد من الشخصيات اليسارية السكرتير الأول للحزب الاشتراكي الفرنسي فرنسوا هولند على تجاوزه لمبادئه وأيدولوجيته اليسارية والقبول بأوروبا غير ضامنة لحقوق العمال.

 

وفي المقابل يرى مؤيدو الدستور أن مسألة البناء الأوروبي ذاته يجب أن تطغى على الاعتبارات الأخرى، كما أن أوروبا قوية هي الضمان الأساسي لتحقيق الرفاه الاجتماعي.

 

تجسد مثل هذه النقاشات الدور البارز للحوار على مستوى الرأي العام في عملية البناء الأوروبي، لكن الأهم هو هذا الحضور الكبير للمسألة الاجتماعية وخاصة لمسألة الحقوق الاجتماعية في عملية البناء هذه. وهو في العمق شكل من أشكال استحضار بعد المواطنة الشاملة في هذا البناء. رغم ذلك لا يمكننا أن ننكر أن جانبا كبيرا من هذه التجربة مبني على قوة رأس المال أكثر من قيامه على أسس الثقافة أو غيرها.

 

أما أحزاب أقصى اليمين، مثل الجبهة الوطنية التي يتزعمها جان ماري لوبان، فهي تعارض هذا الدستور لأنه يعد ذوبانا للهوية الوطنية الفرنسية، واندثارا لثقافتها، ثم يضيف هذا التيار نقطة مهمة أخرى تتعلق بالانعكاسات الممكنة لتبني هذا الدستور، أي إمكانية دخول تركيا للحظيرة الأوروبية. وهنا تلتقي العديد من توجهات اليمين في فرنسا ومعهم بعض من الشخصيات اليسارية.

 

إنه لمن الغريب حقا أن تجد تركيا نفسها محورا للنقاش حول دستور ستعتمده أوروبا، وهو ما يذكر بنقاش أوروبي ساد خلال القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر حول الاستبداد التركي، حيث اجتهد العديد من الكتاب الإنجليز والفرنسيين، ومن بينهم مونتسكيو، لتفسير هذا الاستبداد، ثم تجاوز سجالهم تركيا ليركز على دور الإسلام ذاته سواء من حيث دوره في إنتاج الاستبداد أو من حيث تبرئته من هذه التهمة.

 

في هذه الفترة كان النقاش حول تركيا وسيلة لبناء الذات الأوروبية الحديثة والمتحضرة، لأنه من أجل إعطاء وزن لبنائها كان لا بد من مقارنتها مع ندّ له مكانته، أي الإسلام.

 

تستعيد أوروبا اليوم تاريخ علاقاتها الصدامية مع الإسلام، وتعيد صياغة نفسها من خلال إبراز تميزها عن الإسلام، إذ ظل الإسلام دوما ذلك الحاضر الغائب في تبلور "الهوية الأوروبية".

 

"
كانت الوحدة الأوروبية نتاجا للحرية أما
خطأنا في العالم العربي فهو أننا قلبنا هذه الصورة، فاعتبرنا الوحدة العربية مدخلا لتحرر الإنسان وتحقيق الذات
"
بين دستور أوروبا والوحدة العربية

بالرغم من الدور البارز للعاملين الاقتصادي والسياسي الدولي، فإنه لا يمكننا أن نتجاهل دور وعي النخب السياسية المحلية وأجواء الحرية والإبداع التي مكنت من تنوع الإنتاج الفكري وتعزيز الثقافة العليا الوضعية.

 

لقد مثلت الحرية والمساهمة الشعبية في صنع القرار، أي المواطنة، المدخل الحقيقي للبناء الأوروبي الموحد. لهذا السبب حاول الدستور الأوروبي أن يزيد من سلطة البرلمان ومن دور الناخبين الأوروبيين.

 

ومن دون أن نسقط في متاهات النظرة التطورية (Evolutionnisme ) ونسمح لأنفسنا بأن نعتبر الطريق الأوروبي هو نفسه الذي يجب اتباعه في العالم العربي، إذ إن لهذا النموذج خصوصياته التاريخية.

 

ويمكن للعرب رغم ذلك أن يستخلصوا بعض العناصر الأساسية من هذه التجربة، وأول درس هو أن البناء الأوروبي جاء نتيجة لاكتمال البناء الداخلي لكل دولة، وخاصة على المستوى السياسي من خلال توسيع منظومة الحقوق والوصول إلى مرحلة متقدمة على مستوى المواطنة.

 

فقد اتحدت أوروبا لأن هناك مواطنين أحرارا وهناك إنتاجا اقتصاديا وثقافيا يتم تبادله، لقد كانت الوحدة نتاجا للحرية وليس العكس.

 

وهذا هو خطأنا في العالم العربي لأننا قلبنا هذه الصورة، فاعتبرنا الوحدة العربية مدخلا لتحرر الإنسان العربي وتحقيق الذات.

 

إن خطاب الوحدة القومية خطاب مسقط على واقع يغيب فيه المواطن الحر وتنحط فيه الثقافة العقلانية وتسيطر فيه أنظمة هي دون مستوى ما توفر لشعوبها من وعي.

 

من المعلوم أن اعتماد دستور موحد في أوروبا يثير الشهية الوحدوية للعرب، لكن لا مناص من الاعتراف باستحالة تلبيتها في ظل الظروف الراهنة.

 

 قد لا نحتاج إلى أي دليل على صحة هذا الاعتراف، فمستوى الخطاب العربي الرسمي كما جاء في القمة العربية بالجزائر يغني عن أي دليل، إذ كيف يمكن لأنظمة بنت شرعيتها على ولاءات جهوية وقبلية وتتحكم في كتل بشرية تعتبرها دون مستوى المواطنة، أن تقود عملية بناء تتجاوز الدولة الضيقة؟ إنه نفي لها لا يمكن أن تنخرط فيه.

_______________

كاتب تونسي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة