كيانات المشرق الوظيفية في عالم متعدد الأقطاب   
السبت 25/2/1435 هـ - الموافق 28/12/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:33 (مكة المكرمة)، 12:33 (غرينتش)
زياد منى



نعايش هذه الأيام -التي ستطول بكل تأكيد- بدايات ولادة عالم جدي، متعدد الأقطاب، من رحم عالم القطبين الذي انتهى بهزيمة المعسكر الشيوعي في مطلع تسعينيات القرن الماضي، مرورا بمرحلة انتقالية نشهد نهاياتها، تسيدت واشنطن فيها العالم بلا منافس.


تتميز هذه المرحلة الانتقالية بخبو تأثير واشنطن التدريجي في المشرق بعد هزيمتين في العراق وأفغانستان، واضطرارها للانسحاب تدريجيا منهما.

علينا في الوقت نفسه الأخذ في الاعتبار تراجع اعتماد اقتصاد الولايات المتحدة على النفط العربي، وبالتالي دوره في رسم سياساتها العالمية.

يضاف إلى ذلك معاناة اقتصادها الوطني، حيث استحالت إلى دولة مستهلكة أكثر منها منتجة، مما ينعكس في ميزان المدفوعات التجاري وتراكم الديون الداخلية لتصل إلى أرقام فلكية.

تتميز المرحلة الانتقالية الحالية بخبو تأثير واشنطن التدريجي في المشرق بعد هزيمتين في العراق وأفغانستان، واضطرارها للانسحاب تدريجيا منهما

كما أن نمو اقتصادات وطنية منافسة ضخمة الحجم في الصين والهند، ودخولهما حلبة الصراع أو لنقل المنافسة على موارد الطاقة وغيرها من الثروات الطبيعية في أفريقيا، وتشكل تجمعات اقتصادية/سياسية تتمثل في دول "البريكس" و"مجموعة شنغهاي" المنافسة عالميا للناتو الغربي، ببعده العقدي وليس الجغرافي، تحديات جديدة تفرض على واشنطن إعادة النظر في انتشارها العالمي وإعادة جدولة اهتماماتها عالميا.

الآن ما عاد بإمكان واشنطن التصرف دونكيشوطيا في العالم، مما انعكس فضائحيا في عدم تمكنها من تمرير أي قرار في مجلس الأمن الدولي لا تقبل به روسيا والصين بالدرجة الأولى، وفي الوقت نفسه عدم مقدرتها على التحرك خارج إطار المؤسسات الدولية كما فعلت عند غزوها العراق.

كما أن النظام الرأسمالي العالمي -بشكله الحالي- المعولم الولع بخصخصة كل شيء -حتى الماء والهواء- ما عاد قادرا على مواكبة التطورات التي نادى هو بها، واستحالت عبئا على المؤسسات الحاكمة في كثير من الدول الصناعية، مما جعلها تبحث عن حلول غير تلك التي يجب أن تعمل بها.

على أي، ما يهمنا نحن -العرب- من كل هذا مصيرنا الجماعي أي القومي، والفردي أي الوطني. مصير النظام الشرق الأوسطي الذي هو نظام سايكس/بيكو الذي أقامته الدول الاستعمارية عقب الحرب العالمية الأولى حاضر بقوة في خريطة التغييرات الجذرية التي تعمل القوى العظمى على إحداثها، فهي التي قررت عقب الحربين العالميتين في الأساس حدوده وكياناته، وبعضها وظيفي الطبيعة والجوهر.

في مقدمة الكيانات الوظيفية يأتي لبنان الذي هو ليس موضوعنا الأهم هنا، فصلته فرنسا الاستعمارية لأهداف وظيفية محددة من بقية بلاد الشام، (التي حدد المناضل القومي الكبير سلطان باشا الأطرش تخومها من جبال طورس شمالا إلى العقبة جنوبا)، وظيفته وفق خطط الاستعمار الفرنسي ككيان "مستقل" قائم على التقسيم المذهبي، وبالتالي مغرق في تخلفه السياسي والفكري تتلخص في خلق بيئة ثقافية تتبع الدولة الأم/المتروبول، من دون الحاجة إلى تحمل تكاليف الحفاظ عليه.

النتيجة أن لبنان القديم المسيحي/الماروني في المقام الأول -الذي شكل رغم تخلف نظامه السياسي/الاقتصادي/الاجتماعي- نافذة واسعة لمن يريد من العرب الاستفادة من إنجازات الغرب المفيدة، تجاوزه الزمن بسبب التغيرات الموضوعية التي لا مناص منها، السكانية، وبالتالي الثقافية والانتمائية، مما جعله يسير نحو الانتحار بالتنقل من أزمة وطنية إلى أخرى أكثر تعقيدا ودموية.

هذا فضلا عن كونه غير قادر بتركيبته الحالية على معالجتها أو حتى معالجة عوارضها من دون اللجوء للغير -غربيا كان أو شرقيا- والذي لا يقدر إلا على تقديم مسكنات، لذا فمن الطبيعي أن
رحيله أمر متوقع.

أما الأردن فكما بينا وأثبت غيرنا اعتمادا على الوثائق الرسمية المفرج عنها فقد خلقته بريطانيا المستعمِرة كيانا منفصلا، فقط ليمارس وظيفة مزدوجة هي تأدية دور خط الدفاع الأول عن الكيان الصهيوني من خلال استحالته إلى حاضنة لتذويب الشخصية الوطنية الفلسطينية وقمعها.

وهنا نذكر بالمقولة التي فرضها نظام عمان بعد ضمه الضفة الغربية: العائلة الهاشمية الواحدة، لا فرق بين فلسطيني وشرق أدرني .. الكل أردني! وما إلى ذلك من المقولات العنصرية التي هدفت إلى طمس الشخصية الوطنية الفلسطينية خدمة للمشروع الصهيوني، ولـ"تأبيد" الدولة اليهودية-الصهيونية.

لكن ذلك النظام ومجتمعاته العشيرية الهشة بدلا من ذلك ذابوا في الشخصية الفلسطينية التي لم ترضَ عن بلادها بديلا حتى التحرير، مما استفز قوى محلية فئوية تدعي القومية والعروبية رفعت شعار "الأردن أولا" بهدف محاربة كل ما هو فلسطيني، وإن بتوظيف شعارات وبرامج مواربة تدعي الحفاظ على الشخصية الوطنية الفلسطينية، لكنها لا تخفي حقدها وعنصريتها على كل ما هو فلسطيني.

وللعلم، ولكي نقطع دابر أي اتهامات عنصرية تنطلق من سوء الطوية، نقول إن فلسطين جزء من الأردن، والأردن جزء من سوريا، وسوريا قطعة من لبنان والعراق، والأخير قطعة من الكويت وبقية دول الخليج، وكلهم من اليمن، واليمن جزء من مصر، وهي بالتالي جزء من السودان وليبيا، انتهاء بالمغرب وموريتانيا وجزر القمر.

أنا فلسطيني فقط من ناحية الانتماء النضالي وليس الجغرافي، أما هويتي العامة فهي عربي شامي، أي شمالي، من القدس أم المدائن.

الكيان الوظيفي الثالث هو الدولة اليهودية-الصهيونية، وهو مشروع بروتستانتي ألفي في المقام الأول، أي المسيحية الصهيونية.

فبالعودة إلى كتابات هرتسل نقرأ "البراهين" الوظيفية التي جلبها تلميذ أسقف القنصلية البريطانية في فيينا، تسويغا لمشروع "قلعة الحضارة الغربية ضد البربرية" وما إلى ذلك من الهلوسات الألفية العنصرية المعهودة.

هذا الأمر لاحظه قبلنا كبيرنا الصديق الراحل عبد الوهاب المسيري -رحمه الله- وكثيرا ما ذكرنا بهذه الحقيقة في كتاباته وفي أحاديثنا الكثيرة بدمشق وبيروت وبرلين، وأخيرا في القاهرة قبل رحليه.

ومن وجهة نظر بريطانيا -القوة العظمى في شرق المحيط الأطلسي حينذاك- الهدف الرئيس لتأسيسها كيانا يهوديا كان وظيفيا بامتياز هو خدمة مصالح بريطانيا الاستعمارية، وبالتالي الغرب.

وذلك ما تلخصه مقالة مكونة من 2046 كلمة عنوانها "الصهيونية ضد البلشفية: النضال من أجل كسب روح الشعب اليهودي" نشرها ونستون تشرتشل بتاريخ 8 فبراير/شباط 1920 في صحيفة إلستريتد سندي هرلد، وقيل إنه قبض مكافأة مالية عليها بلغت مقدار مائتي جنيه إسترليني، وهي كمية مهولة في تلك الأيام، علما بأنه هو نفسه من حذر (كذا!) عام 1937 من "العبرانيين مصاصي الدماء".

انعدام تسويغ البقاء الوظيفي الإسرائيلي، بما يؤثر سلبا في كونها امتدادا "روحيا" للغرب يجعل واشنطن تدفع تل أبيب وقيادة رام الله لتوقيع اتفاق سلام في أسرع وقت
لكن خلفيات تأسيس الاستعمار الغربي لذلك الكيان في فلسطين -وعلى حساب أهلها- لم تكن سياسية/اقتصادية فقط، بل عقدية أيضا، فالوثائق البريطانية الرسمية ذات العلاقة تظهر أن أوروبا المستعمرة كانت تنطلق في نظرتها لمشروعها الصهيوني من منظور عقدي مهووس بالفكر الألفي.
وربما التعبير الأفضل عن ذلك تلخصه كلمات آثر بلفور صاحب التصريح المشهور الذي استحال ورقة رسمية من وثائق "اتفاقية صلح سِفر" التي أهملت لصالح "اتفاقية لوزان" الموقعة بتاريخ 24/07/1923 الشهيرة، في رسالة إلى حاكم الهند البريطاني لورد كورزن بتاريخ 11/08/1919.

وورد في هذا التعبير "لأننا في فلسطين لا ننوي أن نلجأ إلى استطلاع أماني السكان الحاليين ورغباتهم، إن القوى العظمى الأربع ملتزمة بالصهيونية والصهيونية، سواء أكانت حقا أم باطلا، حسنة أو سيئة، تضرب جذورها في تقاليد الماضي العريق، وفي متطلبات الحاضر، وفي آمال المستقبل لما هو أعمق بكثير من رغبات وحقوق سبعمائة ألف عربي يسكنون الآن تلك الأرض العتيقة".

الكيان اليهودي-الصهيوني فقد الآن الكثير من مسوغات وجوده الوظيفية، فما عاد قادرا على القمع العسكري لأعدائه كما يثبت ذلك فشله الذريع عام 2006.
قبل ذلك كان عليه قبول انضمام عشرات آلاف المتطوعين الأوروبيين والأميركيين، حتى ممن كانوا في الخدمة العسكرية في بلادهم، إلى القوات الإسرائيلية في العدوان الثلاثي وعدوان عام 1967، وفي حرب تشرين/أكتوبر1973، لكن ذلك لم يفد شيئا سوى في زيادة اعتماده الحياتي على الغرب في  المجالات كافة.

أما صراخ قادة إسرائيل وعويلهم بخصوص إيران فهدفه دعائي فحسب، حيث لن يتجرؤوا -مهما بلغت درجات حماقتهم- حتى على مجرد التفكير بالمساس بمصالح واشنطن والغرب الحيوية.

البعد "الروحاني" -إن صح استعمال المصطلح هنا- لا يزال قائما، وفي حال اختفاء حاملته فستكون ضربة قاتلة للقوى الغربية الألفية التي لا تكف عن استخدام هوسها الديني لتسويغ كل اعتداءاتها وكونها المبعوث السماوي لإنقاذ البشرية.

من هذا المنظور، منظور انعدام تسويغ بقائها الوظيفي، بما يؤثر سلبا في كونها امتدادا "روحيا" للغرب الاستعماري يمكننا النظر إلى دفع واشنطن كلا من تل أبيب وقيادة المقاطعة في رام الله لتوقيع اتفاق سلام في أسرع وقت، فعلى عكس المعلن إن المفاوضات السرية بين الطرفين لم تتوقف لحظة، وواشنطن تضغط على الطرفين لتوقيع اتفاق أوسلو2، يستمر -كما يقال- ثلاثة عقود على الأقل تنال فيه سلطة المقاطعة بعض التنازلات في المنطقة ب.

ويتم فيه أيضا إدخال عمان شريكا في الاتفاق المزمع وفق صيغة الكونفدرالية، لتقوم قواته الموثوق بولائها المطلق لواشنطن وزبائنها في المنطقة والمتحالفة مع الدولة اليهودية تحالفا أخويا بالانتشار على طول الضفة الغربية لنهر الأردن بدلا من القوات الإسرائيلية، وتترك المسائل الأساس، مثل السيادة على بقية أراضي الضفة المحتلة وثرواتها والفضاء والتكتلات الاستيطانية والقدس وحق العودة لوعود بوعود، تماما كما حصل منذ توقيع اتفاق أوسلو1 قبل نحو عشرين عاما، استخدمها الطرفان لفرض "حقائق" سياسية وجغرافية واجتماعية على الأرض. 

يذكر أن واشنطن تصر على توقيع "أوسلو2" في ذكرى اغتصاب فلسطين عام 2014، لما في ذلك من مغزى سياسي ونفسي.

في الوقت نفسه، إن القوى والتكتلات العالمية المؤثرة تعمل على إعادة تقسيم مناطق النفوذ في العالم بينها مرة أخرى، أي يالطا2، وهذا أمر معقد وقد يطول، ولا مكان هنا لسياسات التذاكي ومحاولة الهامش اللعب على ما يظن أنه تناقضات جذرية في المتن.
يذكر أن واشنطن تصر على توقيع "أوسلو2" في ذكرى اغتصاب فلسطين عام 2014، لما في ذلك من مغزى سياسي ونفسي

أما نحن فنضيع الوقت والجهد وأموال قارون في مناقشة "جنس الملائكة" وفي معارك جانبية واللهاث وراء أوهام طرحها حكامنا ومثقفونا في سوق التجارة السياسية، لنجد أنفسنا في الدرك الذي لهثوا وراءه.

نحن أو كثير منا ملته بتحقيق المعجزات "الخارقة" التي تحبط أكثر الناس صبرا وتفاؤلا مثل "صنع أكبر صحن حمص في العالم" و"أكبر سدر كنافة في العالم"، وغيرهما.

وحتى تنتهي القوى الكبرى المؤثرة في العالم من التفاهم على مناطق النفوذ الجديدة -وقد يطول ذلك- ستستمر الأزمات العنيفة والحروب في بلادنا وتنتشر، قد تهدأ هنا أوهناك بين الفينة والأخرى لضرورات تكتيكية، لكنها لن تصل إلى خواتيمها إلا بإجماع القوى الدولية الفاعلة.

درب الخلاص يكمن في كلمات قليلة وحكم قيلت قبل عشرات القرون، منها المقولة الخالدة "من كان منكم بلا خطيئة فليرمِها بحجر"، ويضاف إليها المحفورة عام 1373/1917على بوابة "قصر السيف" في الكويت القائلة "لو دامت لغيرك ما اتصلت إليك".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة