تداعيات الحدث اللبناني في المجتمع السوري   
الثلاثاء 1426/3/11 هـ - الموافق 19/4/2005 م (آخر تحديث) الساعة 13:06 (مكة المكرمة)، 10:06 (غرينتش)


أكرم البني

 

في أي حدث نوعي تصح المقارنة بين ما كانت الأوضاع عليه وما صارت إليه، فالقول قبل تفجيرات 11 سبتمبر/أيلول وبعدها يدل على المتغيرات الناجمة عن هذا الحدث والتي تركت بصمات دامغة على الصراع العالمي لا يمكن تجاهلها بأي حال.

 

وكذلك الأمر -مع حفظ الفوارق بين المثالين وقدر من المجاز- في قولنا قبل وبعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري للدلالة على النتائج النوعية التي ترتبت عن إزاحة هذه الشخصية السياسية المسالمة بتلك الصورة الدرامية المرعبة، وما خلفته -بغض النظر عن الجهة التي نفذت هذه الجريمة النكراء- من آثار وتداعيات في مختلف أوساط المجتمع السوري، بعضها ظهر جلياً وبعضها الآخر لا يزال موضع تشوش وغموض.

 

بداية يمكن القول إن ما شهده لبنان من شيوع مشاعر الحزن والألم على مقتل الحريري ومواطنين لبنانيين وتالياً السخط والغضب على منفذي هذا الحدث الآثم، عرفته سوريا أيضاً ولو بصورة أقل حدة، وعمت الشارع فور إعلان النبأ حالة من الوجوم والأسى ومشاعر تعاطف صريحة مع الضحايا، خصوصاً الرئيس الحريري بسبب ما عرف عن كفايته وسلوكه المسالم. واللافت أن وهج هذا التعاطف لم يخفت -أو ربما خفت قليلاً- رغم تكرار الاتهامات عن دور ما للنظام السوري فيما حصل.

 

لقد اعتاد الناس على منطق سائد في خوض الصراع السياسي يحكمه مبدأ القوة والجبروت وليس التنافس الصحي لاختيار الأفضل في إدارة المجتمع والأكثر كفاية للتعبير عن مصالح فئاته وتكويناته المتعددة.

 

وكانت المعادلة الشائعة في ممارسة السياسة تستدعي المسارعة في حال الاختلاف والتعارض مع شخص أو جماعة ما، إلى تعطيل دوره أو دورها بالتزوير والتشهير أو بالقمع والسجون وحتى بالإقصاء والإلغاء. لكن يبدو أن بشاعة الاغتيال ووحشيته وأيضاً حساسية شخصية الحريري شكلا ما يشبه انزياحاً أو اختراقاً لهذا المبدأ، ما يبشر بمزيد من تنامي روح الديمقراطية في مواجهة المنطق السائد، أو معايير جديدة تبغض أساليب القمع والإقصاء وتميل إلى احترام حق الاختلاف ووسائل التعبير السلمية والمدنية في إدارة الخلافات السياسية!!

 

بالتوازي ثمة حال من الارتباك والحيرة تسم اجتهادات المثقفين في تفسير ما جرى، وتنعكس عند غالبيتهم قلقاً وخوفاً من حقيقة ما يثار من اتهامات لأجهزة أمنية سورية ولبنانية: هل في الأمر صحة أم هو مجرد تحامل من بعض المعارضة اللبنانية، أم لعله جزء من حملة أميركية مغرضة غايتها إحراج سوريا وتشديد الضغط عليها؟!

 

"
قطاع مهم من المثقفين السوريين يجد أن ما جرى ويجري من تطورات في لبنان هو حلقة من مخطط قديم ومكشوف للولايات المتحدة ومن ورائها إسرائيل للنيل من النفوذ الإقليمي السوري
"
في هذا الإهاب لا يزال قطاع مهم من المثقفين السوريين يجد أن ما جرى ويجري من تطورات في لبنان حلقة من مخطط قديم ومكشوف للولايات المتحدة ومن ورائها إسرائيل للنيل من النفوذ الإقليمي السوري، ويذهبون إلى اعتبار ما حصل للحريري أمرا مدبرا نفذه عملاؤها لقناعتهم بأنه سيلصق على الفور بدمشق والسلطة اللبنانية ويضعهما في دائرة الاتهام المباشر!!

 

بالمقابل يجد آخرون أن هذا التحليل التآمري لا يملك حظاً في الحياة وأن ليس ثمة حاجة ملحة لدى واشنطن إلى مثل هذا الاختراق البوليسي كي تحقق مآربها، فلديها قرار أممي يقضي بسحب القوات العسكرية السورية من لبنان يتطلب التريث بعض الوقت كي يوضع موضع التنفيذ!!

 

وما يثير الغرابة أيضاً أن أصحاب هذا التفسير التآمري هم أنفسهم الذين يرفضون الدعوة إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية تكشف اللثام عن جريمة الاغتيال، إذ من غير المفهوم -طالما أن لديهم ثقة مطلقة بضلوع واشنطن وتل أبيب في ارتكابها- أن لا يكونوا في طليعة المتحمسين لإجراء مثل هذا التحقيق لكونه الأقدر على كشف هؤلاء المجرمين وتعرية سلوكهم أمام الرأي العام.

 

ولا ينفعهم هنا التهرب ومحاولة تسوية هذا التناقض من خلال التشكيك والطعن بنزاهة هذه اللجنة وأنها قابلة للبيع والشراء وصياغة تقرير يرضي مطامع واشنطن وشركائها، فهذه إهانة للعالم أجمع وخصوصاً الدول الكبرى الصديقة صاحبة العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي -كروسيا والصين- التي طالما استقوينا بها لنصرة حقوقنا!!

 

صحيح أن واشنطن هي الطرف الأقوى في مجلس الأمن وضغوطها معروفة ومكشوفة في تسخير كثير من قراراته لتمرير سياساتها، لكن الصحيح أيضاً أن هذه المنظمة الدولية ليست المخابرات المركزية الأميركية ومن الصعب نجاح عملية شراء ذمم مبعوثيها أو حصول مقايضات نوعية في ضوء توازناتها الراهنة، هذا إذا لم يسارع الإعلام الفضائحي إلى كشفها قبل ذلك.

 

ثم أليس مجلس الأمن هو ذاته الذي شكل لجان تحقيق للكشف عن أسلحة الدمار الشامل في العراق ولم تستطع أميركا تبرير حربها ولا تطويع إرادة هذه اللجان وتحوير تقاريرها!! وهو المجلس ذاته الذي اتخذ قراراً ضد الحرب على العراق وأجبر لندن وواشنطن على الذهاب إليها دون إذن أو شرعية دولية!!

 

منذ اللحظات الأولى بدا من الصائب اعتبار استشهاد رفيق الحريري قضية سياسية بامتياز تعني الوطن اللبناني بقدر ما تعني الحال السورية. ورغم حدة الاصطفافات السياسية ومنعة الثقافة السلطوية، فإنها تعجز عن معرفة الأسباب التي ولدت حقلاً غير مرئي من التضامن الإنساني مع المصاب اللبناني، لعله نابع من اتحاد هموم البشر وإيمانهم المشترك بحقهم في الحياة والحرية ورفضهم القتل والعنف.

 

وتعجز أيضاً عن تفسير كيف أشاع اندفاع مئات الألوف من اللبنانيين بنبض واحد طلباً للحقيقة، جواً واسعاً من التعاطف والتأييد في مختلف الأوساط السورية. ينتشي أحد النشطاء واصفاً تدفق اللبنانيين العفوي -صغاراً وكباراً- إلى ساحة الشهداء وكأنه مشهد من مشاهد الثورات!!

 

"
استشهاد رفيق الحريري قضية سياسية بامتياز تعني الوطن اللبناني بقدر ما تعني الحال السورية
"
ويضيف آخر أن هؤلاء "الأشاوس" -يقصد اللبنانيين- قد أعادوا بعد تغييب مزمن للبشر دورهم في الحياة العامة، متسائلاً: هل يكفي ما حدث في بيروت كي نتحسس معنى احترام الإنسان ونؤمن بما يملكه من طاقة وقدرة؟!

 

وترن في أذنك عبارة محكمة الصياغة "أنهم شعب مثابر لم يترك للقاتل فرصة كي يفرك يديه فرحا"، كأن أحد المثقفين يكثف فيها بلاغته اللغوية وإعجابه بدأب اللبنانيين وما ابتكروه من وسائل لإبقاء قضيتهم حية حتى تحقق لهم ما أرادوه من اتخاذ قرار أممي بتشكيل لجنة تحقيق دولية ترفع اللثام عما حصل!!

 

بالمقابل ثمة سببان مهمان ساهما إلى درجة كبيرة في بلبلة مشاعر التعاطف الشعبية مع اللبنانيين وحدا من تطورها وأحياناً انقلبت إلى مشاعر عدائية.

 

أولهما- الشعارات والهتافات التي رفعت وتناولت سوريا والشعب السوري بالشتائم والتحقير، وعززتها الاندفاعات العدائية ضد عمال سوريين وتواتر أنباء حول شدة ما تعرضوا له في أكثر من منطقة لبنانية من إذلال وضرب وصل حد قتل العشرات منهم!! وإذ خففت من آثار ما جرى مسارعة مثقفين وسياسيين لبنانيين إلى إدانة هذه الاندفاعات الغوغائية والتأكيد على عمق العلاقة ونديتها بين الشعبين اللبناني والسوري والدعوة إلى تحييد هؤلاء المساكين الذين دفعتهم الحاجة ووطأة العوز للعمل في لبنان.

 

لكن يمكن القول إن ثمة تداعيات لهذه الممارسات لا تزال حاضرة في مختلف الأوساط السورية قد لا تزيل آثارها السلبية إلا المطالبة بمحاسبة الجناة والتعويض لأسر الضحايا، حتى يقطع الطريق تالياً على أولئك الذين جعلوا من هذه الأحداث قميص عثمان، وهم لا يكلون أو يملون من توظيفها في أحاديثهم وحواراتهم كقرينة للنيل من صدق الشعب اللبناني ومن تطلعه نحو الحرية والانفكاك عن الوصاية السورية، وأساساً لحجب هوية المسؤولين الحقيقيين عن المعاناة والآلام المشتركة التي عاناها اللبنانيون والسوريون على حد سواء!!

 

ثانيتهما- الاتهامات التي وجهت للنظام السوري والتي أربكت إلى حد كبير قدرة الشارع السوري على إظهار مشاعر التعاطف مع الحراك اللبناني طالما لا يمكن أن تفسر إلا تأييداً للاتهامات وموقفاً معادياً من النظام.

 

فالمواطن السوري الذي عانى الأمرين ولسنوات طويلة من القهر والقمع لا يزال خائفاً ومتردداً في إبداء تعاطفه مع أي حراك جماهيري معارض حتى لو تعلق الأمر بدعم فلسطين ونصرة الشعب العراقي، فكيف حين يأتي رفضاً للوجود العسكري السوري في لبنان، أو إذا كان بعضه يشير إلى النظام السوري الحاكم بإصبع الاتهام؟!

 

رغم شيوع ارتياح واسع في مختلف الأوساط الثقافية والسياسية السورية من قرار سحب القوات العسكرية إلى ما وراء الحدود، يمكن أن تلحظ مشاعر قلق لا تزال حاضرة عند البعض من أن يكون الأمر مجرد مناورة لتخفيف الضغوط وكسب الوقت تضمر رغبة في إعادة الأمور إلى ما كانت عليه، فعدم وقوف النخبة الحاكمة موقفاً نقدياً حازماً وصريحاً من السياسات القديمة تجاه لبنان ينذر باستمرار العقلية الوصائية ذاتها واحتمال بعثها بصور وأشكال مختلفة.

 

"
الاتهامات التي وجهت للنظام السوري أربكت إلى حد كبير قدرة الشارع السوري على إظهار مشاعر التعاطف مع الحراك اللبناني طالما لا يمكن أن تفسر إلا تأييداً للاتهامات وموقفاً معادياً من النظام
"
ترجح هذا الاحتمال الدعاية الرسمية التي تصور هذا الانسحاب على أنه انتصار وفوز وليس خسارة أو تراجعا عن دور إقليمي أكرهت عليه القيادة السياسية، وأيضاً تلك التظاهرات التي سيرت في معظم المدن السورية دعماً لقرار الحكومة وابتهاجاً بالنصر!! وأخيراً ما يشاع عن استمرار الجهود السورية لإعادة ترتيب القوى والحلفاء اللبنانيين والإفادة منهم لمقاومة المستجدات القادمة!!

 

يهمس أحد المثقفين بأن لا ثقة عنده في أن يؤدي الانسحاب العسكري إلى فتح صفحة جديدة مع لبنان، مضيفاً أن نظاماً على مثال النظام السوري وربطاً مع عمق مصالح بعض متنفذيه في لبنان، لن يغير سياساته تجاه بيروت، بل كل ما يستجد من مواقفه وسلوكياته مؤقت ويتم تحت الضغط.

 

ويجد آخر أن شدة الضغوط وجديتها وعمق المأزق الراهن للنظام كفيلان بإجباره على المراجعة والتصحيح، بينما يدفع آخر موقفه في الاتجاه المعاكس معلناً أنه لن تكون هناك مراجعة لأسس العلاقة مع لبنان ولا هم يحزنون، فنظام لم يهزه ما حصل من متغيرات عالمية وإقليمية خلال العقد المنصرم لا رجاء منه في أن يؤسس لرؤية جديدة الآن!!

 

من جانب آخر أثارت الصور التي رفعت للقرآن والصليب ومشاهد صلوات المسلمين والمسيحيين المشتركة حول ضريح الحريري ورفاقه، أحاسيس شعبية يمكن اعتبارها نقلة جديدة في سوريا بعد أن تعرضت حال التآخي التاريخي بين الديانتين المسيحية والإسلامية لبعض التصدع وشابها شحن طائفي جراء أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 وما تلاها من احتلال أميركي لأفغانستان والعراق.

 

وقد نجحت الدعايات المتطرفة في تصويرها كحرب غربية كافرة ضد الإسلام وديار المسلمين عززتها عبارات مغرضة للرئيس الأميركي جورج بوش، عندما أسماها حرباً صليبية جديدة بين العلم والحضارة والهمجية الإسلامية!!

 

وربما تفاجأ اليوم حين تسمع أصواتاً تجاهر بعبارة "الدين لله والوطن للجميع" بعدما أصبحت من المنسيات في الشارع السوري واقتصر تداولها على صالونات الحوار ومنتدياته، ولا تعرف ما إذا كان ثمة قصد في استثمار مشاهد بيروت لإعادة الاعتبار لحقيقة التعايش المشترك بين الأديان وضرورة احترام الإنسان وحقوقه دون النظر إلى دينه أو مذهبه، أم الأمر مجرد مخرج أو تحصيل حاصل لحال الإنهاك والتعب التي وصلت إليها دعايات التفرقة الطائفية!

 

لكن يجد البعض أن هذه الظاهرة تبقى طارئة ومحدودة طالما الحدث العراقي لا يزال حاضراً بقوة في وجدان الناس عبر صراعاته الطائفية والمذهبية، وطالما لم يدفع اللبنانيون مسارهم إلى نهايته الطبيعية، إلى إقرار مبدأ المواطنة على حساب الخيارات الطائفية التي تسم نظامهم وتركيبة مؤسساته.

 

في خوض أول اختبار ميداني لهم بدا اللبنانيون كأنهم ورثة ديمقراطية عريقة وليس حربا أهلية طويلة ومريرة.

 

"
شدة الضغوط وجديتها وعمق المأزق الراهن للنظام كفيلان بإجباره على المراجعة والتصحيح
"
كانت عيون السوريين مشدودة إلى شاشات التلفزة وهي تراقب بذهول هذه الأساليب المدنية في إدارة التظاهرات والاعتصامات وأشكال الاحتجاج، وصار موضع احترام واسع في سوريا ما أظهره اللبنانيون -رغم مصابهم الأليم- من وعي جديد يحض على التسامح واحترام ظواهر التعددية وحق الاختلاف والحرص على تخفيف الاحتقان.

 

حزن الديمقراطيين السوريين على مقتل أي مواطن لبناني عميق، وقلقهم من احتمال تطور غير محمود للأحداث اللبنانية هو عميق أيضاً، ليس فقط لأنهم يناهضون العنف الأعمى ولغة الإرهاب ويناصرون الأساليب السلمية والمدنية، وليس فقط لأنهم يعرفون جيداً ما سينعكس عليهم إذا ما فشل اللبنانيون في بناء اجتماع ديمقراطي ووحدة وطنية تحتضن تنوعهم الفريد، بل أساساً بدافع من رغبة صادقة في أن لا تذهب الأمور نحو إغراق لبنان من جديد في دوامة التفرقة والقتل وحمامات الدم.

 

"لا تزال أيادينا على قلوبنا ونأمل أن لا تحدث اندفاعات مغرضة تفقد ما حصل في بيروت معناه الديمقراطي الأصيل أو تشكل ذريعة لإجهاض أملنا المشترك".. بهذا الكلام يستهل أحد الديمقراطيين حديثه ويستدرك متمنياً نجاح الخيار السلمي وخيار الدولة ومؤسساتها في التوفيق بين المصالح والمواقف المتباينة، وغامزاً من هذه القناة إلى أولوية الابتعاد عن التوتير والاستقطابات الحادة ونوازع التطرف والمغالاة، وإلى خطورة أساليب شحن الأجواء عاطفياً والتسرع في تسويغ أفعال الإقصاء!!

________

كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة