إسرائيل ويهود العالم.. مؤشرات فك الارتباط   
الخميس 8/10/1431 هـ - الموافق 16/9/2010 م (آخر تحديث) الساعة 17:03 (مكة المكرمة)، 14:03 (غرينتش)
صالح النعامي


- صدمة قانون التهود

- فقدان قوة الجذب
- الاتجاهات الليبرالية
- تهاوي فكرة الملاذ الآمن
- مخاطر متعددة

شهدت العلاقات بين إسرائيل ويهود العالم في الأعوام الخمسة الماضية تحولات هامة، تنذر بحدوث تغيرات جوهرية في مكانة إسرائيل العالمية ومنعتها، وترسم علامات استفهام كبيرة على مجرد بقاء هذا الكيان في هذه البقعة من العالم.

ويعزى جزء من هذه التحولات إلى تغير ظروف حياة اليهود في أرجاء العالم مقارنة بإسرائيل، في حين يعزى الجزء الآخر إلى أنماط سلوك النخبة السياسية الحاكمة في إسرائيل، لما باتت تبديه من استعداد للتفريط في علاقات الكيان الصهيوني مع الجاليات اليهودية في أرجاء العالم لدواع سياسية داخلية ضيقة.

صدمة قانون التهود
ولعل أحد أهم التطورات التي سرعت من وتيرة الفرقة بين إسرائيل ويهود العالم، وتحديدا في الولايات المتحدة وكندا، هي تمرير قانون "التهود" في الكنيست، وهو القانون الذي ينظم عملية تحول غير اليهود إلى اليهودية.

فقد قابل اليهود الأميركيون الذين يشكلون أغلبية اليهود في العالم تمرير هذا القانون بردة فعل غاضبة وقاسية، وصلت إلى حد تهديد الكثير من النخب اليهودية الأميركية بالتخلي عن دعم إسرائيل والتوقف عن إبداء الحرص على مصالحها.

"
يرى الكثير من قادة اليهود الأميركيين أن سن قانون التهود في إسرائيل يمثل طعنة في ظهرهم، وهم الذين يلعبون دورا مركزيا في تأمين مصالح إسرائيل الإستراتيجية
"
وقد أثار هذا القانون ردة الفعل الغاضبة هذه لأنه منح مؤسسة الحاخامية الكبرى، وهي المؤسسة الدينية الرسمية في إسرائيل، الحق الحصري في تحديد الشروط الواجب استيفاؤها في الشخص الذي يرغب في التحول إلى اليهودية.

وتعود حساسية النخب اليهودية الأميركية لهذا التطور إلى أن الحاخامية الكبرى تقع تحت تأثير المرجعيات الدينية اليهودية المتزمتة المعروفة بـ"الحريدية" التي تتبنى الاجتهادات الفقهية الأكثر تطرفا في تحديد "من هو اليهودي"، بالإضافة إلى توسعها في فرض القيود على الراغبين في التحول إلى اليهودية.

علاوة على ذلك فإنه بالنسبة للمرجعيات الدينية الحريدية لا يمكن الاعتراف بيهودية أي شخص تحول إلى اليهودية عن طريق حاخامات إصلاحيين أو محافظين، مع العلم بأن الإصلاحيين والمحافظين يشكلون الأغلبية الساحقة من يهود الولايات المتحدة الأميركية وكندا، وبالتالي فإن الحاخامية الكبرى في إسرائيل تخرج عمليا يهود الولايات المتحدة عن دائرة اليهودية.

ففي الوقت الذي تعتبر فيه المرجعيات الدينية الحريدية أن اليهودي هو الذي ولد لأم يهودية، فإن نتائج آخر دراسة أجريت في الولايات المتحدة تبين أن 50% من اليهود الأميركيين يتزوجون زواجا مختلطا، وهو ما يجعل هؤلاء خارج إطار اليهودية في نظر المرجعيات الحريدية.

ويرى الكثير من قادة اليهود الأميركيين أن سن القانون يمثل طعنة في ظهرهم، وهم الذين يلعبون دورا مركزيا في تأمين مصالح إسرائيل الإستراتيجية.

وما يثير سخط هؤلاء القادة أن سن القانون جاء فقط من أجل ضمان استرضاء الأحزاب الحريدية المشاركة في الائتلاف الحاكم في تل أبيب، وهي الأحزاب التي لا يخدم أنصارها في الجيش وتميل إلى الانعزال عن المجتمع الإسرائيلي.

فقدان قوة الجذب
في نفس الوقت تدل الكثير من المؤشرات على أن إسرائيل لم تعد مكانا جاذبا لليهود في أرجاء العالم، فحسب المعطيات التي كشف عنها المكتب المركزي للإحصاء في إسرائيل فقد تدنت معدلات الهجرة اليهودية إلى إسرائيل بشكل كبير، لتصل إلى 18.129 مهاجرا يهوديا في العام، وهو أقل عدد منذ عام 1988.

فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تضم أكبر تجمع لليهود في العالم، فإن متوسط من يهاجر من اليهود الأميركيين لا يتجاوز 2600 مهاجر في العام، في حين أن عدد اليهود في الدول التي كانت تشكل الاتحاد السوفياتي الذين يهاجرون إلى إسرائيل قد انخفض إلى 6600 مهاجر، مع العلم بأنه كان يعول على هؤلاء تحديداً كمصدر لتعزيز الواقع الديمغرافي اليهودي في أرض فلسطين.

ومما فاقم خطورة هذا الواقع أن هناك مؤشرات على تدني مكانة إسرائيل في نظر يهود العالم وتحديدا في الولايات المتحدة الأميركية، إذ إنه حسب نتائج دراسة أجريت لصالح ديوان رئاسة الوزراء في إسرائيل تبين أن 50% من الشباب اليهودي الأميركي لا يهمهم أن تتوقف إسرائيل عن الوجود، في حين أن 20% فقط من اليهود في الدول التي كانت تشكل الاتحاد السوفياتي يتعرضون لمضامين يهودية.

"
الحرب الإسرائيلية على غزة أواخر عام 2008 وما تخللها من جرائم ارتكبت ضد المدنيين الفلسطينيين، مثلت نقطة تحول فارقة بالنسبة لمعظم الشباب اليهودي الأميركي
"
وقد دفعت هذه المعطيات الوكالة اليهودية المسؤولة بشكل مباشر عن تهجير اليهود في العالم إلى إسرائيل لاتخاذ قرار غير مسبوق وتاريخي يتمثل في تعديل سلم أولوياتها، حيث إن مجلس إدارة الوكالة الذي انعقد في كييف عاصمة أوكرانيا مؤخرا قرر أن يكون على رأس أولويات الوكالة العمل على تعزيز العلاقة بين اليهود في العالم وإسرائيل، بعد أن كان تهجير اليهود إلى إسرائيل على رأس هذه الأولويات.

ومما لا شك فيه أن أوضح دلالة على مظاهر فك الارتباط بين اليهود وإسرائيل هو المؤتمر الذي عقده في موسكو في أبريل/نيسان الماضي مئات من الشباب اليهود الروس الذين سبق أن هاجروا إلى إسرائيل أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، وقرروا بعد ذلك مغادرتها والعودة مجدداً إلى روسيا بعد تحسن الأوضاع الاقتصادية والأمنية فيها.

وقد كان من اللافت أن أهم استنتاج صدر عن المؤتمرين هو أنه بإمكان اليهود في أرجاء العالم العيش بدون إسرائيل، وذلك بعد أن عددوا مظاهر خيبات الأمل الشخصية التي صدموا بها خلال تجربة وجودهم في إسرائيل.

ومن المفارقة أن عددا من الشخصيات الإسرائيلية البارزة قد لبت الدعوة وحضرت المؤتمر رغم إدراكها اتجاه النقاشات فيه، حيث حضرت النائبة السابقة داليا رابين ابنة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين، والنائبة ياعيل ديان ابنة وزير الدفاع الأسبق الجنرال الإسرائيلي موشيه ديان.

الاتجاهات الليبرالية
من التحولات التي تقلق صناع القرار في إسرائيل الاتجاهات الليبرالية التي باتت طاغية على ميول الشباب اليهودي في الولايات المتحدة، والتي تقلص من حدود تضامن اليهود مع إسرائيل.

ويقول الأكاديمي اليهودي جاي باخور المحاضر في جامعة هارفارد إن معظم الشباب اليهودي في الولايات المتحدة من ذوي التوجهات الليبرالية، حيث باتوا يرفضون بشكل مبدئي السياسات الإسرائيلية العدوانية على الفلسطينيين، بل ويوافقون على العمل ضدها داخل الولايات المتحدة.

وفي مقال نشره على النسخة العبرية لموقع جي بلانت التابع لإحدى المنظمات اليهودية الأميركية، يقول باخور إن الحرب الإسرائيلية على غزة أواخر عام 2008 وما تخللها من جرائم ارتكبت ضد المدنيين الفلسطينيين، مثلت نقطة تحول فارقة بالنسبة لمعظم الشباب اليهودي الأميركي.

ويجزم باخور بأن معظم الشباب اليهودي في الولايات المتحدة "يخجل من ذكر إسرائيل، ويتمنى لو لم تجر هذه الكلمة على لسانه".

وفي مقال نشراه مؤخراً في مجلة ذي نيشن، يرجع الباحثان اليهوديان الأميركيان آدام هورفيتش وفيلفي فايس هذه التحولات التي طرأت على موقف الشباب الأميركي بشكل عام -وتحديدا الطلاب الجامعيين- من القضية الفلسطينيين -وتحديدا بعد الحرب على غزة- إلى الخشية من وصمة العنصرية.

فقد كتبا أن "كل طالب في أي حرم جامعي في الولايات المتحدة لا يعرّف نفسه كمتضامن مع الفلسطينيين يتم توصيفه بأنه عنصري"، مما جعل الطلاب اليهود "تواقين إلى التخلص من العار الذي تلحقه بهم إسرائيل كيهود".

"
إسرائيل باتت في نظر معظم اليهود في العالم دولة في خطر ووجودها موضع شك، وهي تخيف اليهود أكثر بكثير من اللاسامية في دولهم
"
تهاوي فكرة الملاذ الآمن

إن أحد المسوغات التي عززت مطالبة الحركة الصهيونية بإقامة وطن قومي لليهود تتمثل في أن هذا الوطن سيكون ملاذا آمنا لليهود في أعقاب ما تعرض له اليهود في أوروبا، وبشكل خاص على أيدي النازيين، وفي أعقاب تعاظم مظاهر ما يعرف باللاسامية.

ومما لا شك فيه أن تهاوي معدلات الهجرة اليهودية إلى إسرائيل وتزايد معدلات الهجرة العكسية منها يدل ضمن أمور أخرى على تهاوي هذه الفكرة.

ويفسر سكرتير الحكومة الإسرائيلية سابقاً أبراهام تيروش هذا التحول قائلا إن إسرائيل باتت في نظر معظم اليهود في العالم "دولة في خطر ووجودها موضع شك، وهي تخيف اليهود أكثر بكثير من اللاسامية في دولهم".

ويروي تيروش ما سمعه كثيرا من بعض قادة اليهود في الولايات المتحدة من أن إسرائيل باتت تحتاج اليهود في الشتات أكثر مما يحتاج هؤلاء اليهود إلى إسرائيل.

ويقر المحامي دوف فايسغلاس الذي شغل منصب رئيس ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون بتراجع مكانة إسرائيل في نظر اليهود الأميركيين بشكل واضح، ويشير إلى أن مظاهر الوهن أصبحت بادية على العلاقة بين إسرائيل ويهود الولايات المتحدة، حيث إن الشباب اليهودي الأميركي لم يعد يرى في إسرائيل مكانا لعيشه، ولا تمثل بالنسبة لهم مركزا روحياً أو إيديولوجيا، ولم تعد حتى هدفا للزيارة.

إسرائيل لم تعد ملاذا آمنا حتى لعدد كبير من الإسرائيليين الذين ولدوا وعاشوا فيها، إذ حسب المعطيات الإسرائيلية الرسمية غادر 750 ألف إسرائيلي إسرائيل، وأصبحوا يعيشون في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا.

لكن الظاهرة الأكثر دلالة على تهاوى فكرة الملاذ الآمن تتمثل في تهافت الإسرائيليين حاليا على الحصول على جوازات سفر أجنبية لاستخدامها وقت الضائقة. وقد تعاظمت هذه الظاهرة مؤخراً لدرجة دفعت رئيس الكنيست روفي ريفلين إلى أن يكتب مقالاً لاذعاً عن هذه الظاهرة وخطورتها وتداعياتها "المأساوية" على إسرائيل.

مخاطر متعددة
إن المخاطر الناجمة عن مظاهر فك الارتباط الواضحة بين إسرائيل ويهود العالم كبيرة وجدية، ولعل أهم هذه المخاطر هي المخاطر الديمغرافية الناجمة عن تدني رغبة اليهود في الهجرة إلى إسرائيل، خاصة أن المشروع الصهيوني قام على ركيزتين أساسيتين، السيطرة على الأرض الفلسطينية وجلب المهاجرين اليهود.

"
بروز مظاهر فك الارتباط بين أميركا والجاليات اليهودية يستوجب استحداث آليات عمل عربية  جديدة، تتمثل في التواصل مع الجاليات اليهودية، ومحاصرة الدعاية الإسرائيلية وتسليط الضوء على ما تقوم به من جرائم
"
وعندما تتدنى معدلات الهجرة فإن القدرة على السيطرة على الأرض تتقلص، وليس هذا فحسب، بل إن تدني معدلات الهجرة يعني جعل إسرائيل مرتبطة تحديدا بالجماعات اليهودية غير المنتجة، لاسيما أتباع التيار الديني الحريدي الذين يتسمون بميزتين أساسيتين، وهما زيادة معدلات التكاثر الطبيعي، وفي نفس الوقت هجر سوق العمل والعيش على المساعدات التي تخصصها لهم الدولة بفعل الضغوط التي تمارسها أحزابهم المشاركة في الائتلافات الحاكمة، علاوة على أن معظم هؤلاء لا يؤدون الخدمة العسكرية.

ومن ناحية ثانية فإن ردة الفعل الغاضبة التي تجتاح حالياً يهود الولايات المتحدة بسبب قانون التهود، فضلاً عن التحولات التي طرأت على اتجاهات الشباب اليهودي هناك تنطوي على مخاطر ذات طابع إستراتيجي، لأنها تؤدي إلى تآكل التأييد والدعم اللامحدود اللذين تقدمهما المنظمات اليهودية الأميركية.

ولا خلاف في إسرائيل على أن ذلك الدعم والتأييد يمثلان أهم ضمانات بقاء إسرائيل، بسبب قدرة هذه المنظمات على التأثير على السياسة الخارجية لواشنطن، وتحديداً في الشرق الأوسط.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هذه المؤشرات تتوالى في وقت بالغ الحساسية والصعوبة بالنسبة لإسرائيل التي تدنت مكانتها الدولية بشكل غير مسبوق، بعد حرب غزة 2008/2009، وفي أعقاب أحداث أسطول الحرية، حيث إن إسرائيل باتت في أمس الحاجة إلى دعم يهود العالم غير المتحفظ.

إن بروز مظاهر فك الارتباط بين إسرائيل ويهود العالم تستوجب من الفلسطينيين والعرب والمسلمين استغلال هذا التطور والبناء عليه من أجل تكريس هذه الظاهرة وتعميقها، لما لذلك من آثار إستراتيجية سلبية على إسرائيل وقدرتها على مواصلة العدوان على الفلسطينيين والعرب.

لكن هذا يستوجب استحداث آليات عمل جديدة، تتمثل في التواصل مع الجاليات اليهودية، لاسيما الأطر الشبابية فيها، ومحاصرة الدعاية الإسرائيلية وتسليط الضوء على ما تقوم به تل أبيب من جرائم.

ومما لا شك فيه أن هذا يتطلب من بعض الأوساط العربية تغييرا جذريا في خطابها الإعلامي، لاسيما ضرورة التفريق بين اليهود من جهة، وإسرائيل والصهيونية من جهة أخرى، فحربنا كفلسطينيين وكعرب ومسلمين مع إسرائيل ككيان إحلالي، ومع الحركة الصهيونية كحركة عنصرية تستهدف الوجود الفلسطيني، وليس مع اليهود كمنتمين لدين سماوي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة