في الخلافات السنية الشيعية   
الاثنين 1430/7/14 هـ - الموافق 6/7/2009 م (آخر تحديث) الساعة 14:28 (مكة المكرمة)، 11:28 (غرينتش)
حمزة منصور


لم تعد المسألة الطائفية وتجلياتها الحالية والمتمثلة بشكل أساسي في حالة التمايز والخلاف الحادين بين السنة والشيعة (أو جمهور عريض من السنة وجمهور عريض من الشيعة) أمرا يمكن التغاضي عنه وتأجيل البحث فيه، بحجة تعقيد المسألة أو التعذر بالحكمة أو خشية الإرهاب الفكري وقلة البحث الموضوعي اليوم في هذه المسألة التي تداخلت فيها عناصر السياسة الضاغطة، والفكر العقدي والفقهي، والأوضاع القومية والاجتماعية في أقطار متعددة.

 

هذا الأمر جعل من الصعب معه الاتفاق على تحليل وتفكيك لهذه المسألة بما يساهم في تفادي إرهاصات لغد مرعب مفتوح على احتمالات في منتهى الخطورة، إذا لم يتم إبعاد تأثير الأجندات الخارجية، والنظرات المحدودة الأفق، عن هذه الساحة، والتعامل مع جوانب المسألة بطريقة منهجية وعلمية ومن أصحاب القضية أنفسهم.

"
لم تجد قضية الخلاف السني الشيعي ما يكفي من الجهد الفكري والسياسي والإعلامي لوضعها في نصابها، وتدارك أبعادها, ودون أن تحدد الأطراف المختلفة المعنية مباشرة بالأمر ما الذي تهدف إليه؟ وما الذي تخشاه؟
"
لقد كان تفجر الخلاف السني الشيعي في العالم الإسلامي في العقد الأخير على نحو أخذ الحركات الإسلامية والعلماء والمفكرين والسياسيين الملتزمين على حين غرة -إلى حد ما-، فرغم أن ظهور المذاهب الإسلامية المختلفة، ورؤاها المتباينة واجتهاداتها المتنوعة، تعود إلى فترة صدر الإسلام، وأن التباينات المذهبية كانت على الدوام حاضرة في الواقع الإسلامي والعربي، فإن ما طرأ في الآونة الأخيرة هو أن هذه المسألة طفت على السطح كقضية ملحة في الواقع السياسي بل وفي حياة الناس العاديين، وأصبحت نتائجها تتبدى في الساحة السياسية والأحداث اليومية، بحيث تكاد أن تستحوذ على موقع الصدارة في التأثير في المشهد السياسي، وأصبح هذا الإشكال الداخلي في جسم الأمة يزاحم التناقض مع المشاريع الزاحفة من خارج الإطار العام للأمة، كل ذلك دون أن تجد هذه القضية ما يكفي من الجهد الفكري والسياسي والإعلامي لوضعها في نصابها، وتدارك أبعادها, ودون أن تحدد الأطراف المختلفة المعنية مباشرة بالأمر ما الذي تهدف إليه؟ وما الذي تخشاه؟

إن دخول عوامل السياسة الساخنة، والمشاريع السياسية الكبرى، والطموحات السياسية بمستوياتها المختلفة، على خط استغلال الخلافات الفكرية والعقدية والقومية هو الذي يخرج هذه التباينات والاختلافات عن المسارات المنطقية لفهمها والتعاطي معها، ففي الخلاف السني الشيعي الحالي يبدو أن المسألة قد أفلتت من أيدي أرباب الأمر، ممن تعنيهم فعلا مسائل الخلافات المذهبية بين السنة والشيعة، وأصبحت مقاليد الأمور أو الكثير منها بأيدي قوى علمانية وأحيانا غير مسلمة، وجهات سياسية لا يمكننا أن نتصور أن الموقف من الصحابة الكرام وآل البيت عليهم السلام أو الموقف من الكتاب والسنة ومختلف قضايا الخلاف المذهبي يمكن أن تعنيها من قريب أو من بعيد.

وهذا يدل بالضرورة على أن المسألة تخرج عن سياقاتها المنطقية إلى استغلال وتوظيف سياسي، يستخدم هذه المسائل وقودا ومحركا لأهداف أخرى، ربما تتناقض مع منطلقات الفريقين المختلفين، وذلك جريا على عادة السياسة في الاتكاء على إيمان وأحلام وتطلعات الجمهور، للقفز منها إلى مصالح وأهداف أخرى، فيحدث الخلط بين ما هو اجتهاد سياسي ظرفي، مثل واقعة انتخابات أو تعيين واختيار حكومة أو إدارة، وبين ما هو مذهبي، دون رابط واضح من برامج ومشاريع تسوغ هذا الربط، وقد لا يشكل هذا الأمر قضية توجب التوقف عندها، لو أن الأطراف التزموا حدودا واضحة، وسقوفا معقولة، والتحلي بروح المسؤولية في النظر إلى المستوى الذي قد تذهب إليه في هذه التوظيفات.

والحقيقية أنه لا يمكننا أن نثق في العديد من الجهات التي يمكنها اليوم أن تؤثر سياسيا أو إعلاميا في هذا الخلاف، وتستغله وتوظفه لغايات تخصها، في ظل حالة الفوضى الفكرية والسياسية التي تمر بها المنطقة، فحالة عدم الاستقرار والأزمات التي تعاني منها المنطقة دولا وحركات وشخصيات وأصحاب طموحات في المنطقة تلعب اليوم دورا غير محمود في أخذ هذه المسألة إلى مساحات بعيدة، بحيث أصبح العيش المشترك داخل الوطن الواحد ومصطلح الوحدة الوطنية مطروحا بقوة كمسألة ملحة، في كل الأقطار العربية والإسلامية التي تتعدد فيها المذاهب والطوائف وبشكل أخص السنة والشيعة.

لست من دعاة منهج التغاضي عن مواطن الاختلاف لأجل المجاملة، لأغفل وجود أسباب ودوافع واجتهادات أخرى غير سياسية في الخلاف القائم، وكذلك لست من دعاة تضخيم مسائل الاختلاف وتسعير نارها وتأجيج أوراها وتعميمها خارج حدودها التاريخية والمنهجية، ثم إن هناك أسلوبا علميا للتعاطي مع المسائل العقدية والكلامية والفقهية، استفاض فيه أهل هذه الفنون عبر القرون، وهناك أدب دعوي مقرر للتعامل مع الانحرافات والبدع المختلفة، كما أن هناك نماذج متطورة مؤصلة شرعيا في الفكر السياسي وأطرا للعمل السياسي يمكن التوسع فيها وسلوكها لمعالجة التباينات المذهبية والاجتهادات الفكرية التنوعات الاثنية، ولكن ما نشهده اليوم من توسيع دائرة الخلاف إلى مساحات أخرى، والوسائل المستخدمة في إدارة الخلاف والتي لا تنسجم أبدا مع كل ذلك -بل تذهب إلى مناح بعيدة لا يفترض أن تذهب إليها- يستدعي كل ذلك تحمل المسؤولية والتوقف والنظر والبيان.

"
ما نشهده اليوم من توسيع دائرة الخلاف السني الشيعي إلى مساحات أخرى، والوسائل المستخدمة في إدارته والتي لا تنسجم أبدا مع الأساليب العلمية والأدب الدعوي في الخلاف, كل هذا يستدعي تحمل المسؤولية والتوقف والنظر والبيان
"
لم تغفل الأمة عبر تاريخها الفكري، وتحليلها لأحداث التاريخ، إبراز التأثير السياسي والمالي في تشكيل المذاهب وإثارة الصراعات حولها، فقميص عثمان ومظلومية آل البيت، وجمع الزكوات والأخماس، والبحث في القدر، والحكم على الرجال، ومدح البلد أو ذمه، كلها أمور لعبت الأهواء السياسية فيها دورا حققه العلماء وبينوه في العديد من إنتاجهم العلمي وبحثهم التاريخي، والمأمول أن تستوعب الأمة ممثلة بعلمائها وحركاتها الإسلامية كل ذلك لتتجنب الوقوع في أشباهه، مما لن يجر على الأمة ومصالحها الشرعية إلا الوبال، ومما يشكل فتقا يلج منه المتربصون من أصحاب المشاريع المعادية في الداخل والخارج.

المأمول أن يقوم الحريصون على المشروع الإسلامي من كل الطيف المسلم بدراسة هذه المسألة بعيدا عن الظرفية، والانفعالية، وردات الفعل، والأجواء الضاغطة، مما يغيب الحق ويصرف عن الأهداف الحقيقية التي ينشدها المؤمنون بالله وبرسالة الإسلام، وبغياب مثل هذا الوعي قد يكون المشروع السياسي الإسلامي برمته أمام أزمة حقيقية، لا يمكن القفز عنها، أو حتى تأجيلها خصوصا وأن نتائجها بدت جلية في أكثر من ساحة وميدان.

صحيح أن هناك مؤتمرات عقدت، ودراسات وأبحاث أنجزت، وتوصيات صيغت ومقررات نشرت، تناولت هذا الموضوع من جوانب متعددة، ولكنها في العموم لم تنجح في احتواء كافة الآراء الفاعلة على الساحة الإسلامية، وشابتها مجاملات انحصرت أحيانا في أطر نخبوية، ولم تنجح كثيرا في الوصول إلى الوعي الشعبي العام، أو تبادر إلى تحصينه وتوجيهه، ولعل المطلوب اليوم، ليس الاقتصار على الأنشطة والمنتديات الجامعة للمذهبين والممتدة جغرافيا على طول وعرض العالم الإسلامي، فيحسن، بل وينبغي أن يكون البحث والحوار على مستويات عدة، مستوى الجماعة والمدرسة الفكرية الواحدة، ومستوى الطائفة الواحدة، والقطر الواحد، وعلى مستوى الأمة أيضا.

بالإضافة إلى الأبحاث والمبادرات الفردية من أهل المعرفة والحرص على سلامة التعاطي مع هذا الأمر، وهنا لن تتشابه المخرجات والنتائج والبرامج، ولكنها قد تنجح في انتزاع ناصية الموضوع الحيوي من أيدي من لا يؤتمنون عليه، أو لا يحسنون فهم أبعاده وإدراك منطلقاته وغاياته وأبعاد الأجندة الأخرى عن التصيد في ماءه.

ففي البعد المحلي الوطني، وفي كل قطر عربي أو مسلم ظهرت فيه آثار ومقدمات هذه الظاهرة، أو ربما نتائجها الكارثة، لا أرى سببا للتقاعس عن التناول الجاد والمنهجي لهذا الموضوع بالجرأة الكافية، وعدم انتظار الحدث للدفع في هذا السياق، ونتوقع أن نرى من الدول التي اكتوت بهذه النار، أن تبرز رؤى وأفكارا ومبادرات –قد لا تكون محدثة إلا في إسقاطها على الواقع- وذلك لكسر هذه الحلقة.

وفي البعد الإقليمي، تتبدى خطورة أن توضع القضية الطائفية في موازاة -أو في مقارنة- مع الصراع العربي الإسرائيلي بأي شكل وأي مستوى، فهذا أمر لا يمكن السكوت عليه من قبل جمهور الصحوة الإسلامية (حركات وعلماء وأهل رأي) بالإضافة إلى القوى والتيارات الوطنية والعربية المدركة لخطورة هذا الصراع، والتي جعلت من فلسطين وقضيتها العادلة ومقاومة المشروع الصهيوني ركنا أساسيا في فلسفتها وبرامج عملها، كما أن الأقليات المسلمة في الخارج يمكنها بحكم رؤيتها الشاملة لأوضاع الأمة، والنضج الذي وصلت إليه في الفكر والعمل، أن تساهم في هذا الميدان من خلال المنابر الإعلامية المتاحة لها، والوسائل الأخرى المعتادة أو المبتكرة.

"
على أهل الفكر والعلماء والمراجع أن ينتبهوا إلى الخلاف بالجدية المطلوبة، وأن يبادروا إلى إثراء الموضوع، وتوضيح حدوده ورسم مساراته، على نحو يعيد الأمر إلى جادته، وإلى المعاني الشرعية التي ينطلقون منها هم في حركتهم ودعوتهم
"
وهنا ينبغي الإشارة إلى أن سقف التوقعات والأهداف التي تعاطت مع هذه المسألة كانت مرتفعة أحيانا إلى حد إذابة الفوارق، وتوحيد المذاهب، أو دمج إحدها في الآخر، أو إنكار الخلاف جملة، وهذا إذا كان يصح في مجالات محدودة، فانه بالتأكيد -وكما أثبتت الأحداث- لم ينجح في اجتذاب وإقناع الجمهور العريض من أتباع المذهبين.

كما أن إحالة الأمر بكليته إلى رجال العلم الشرعي –على حيوية دورهم- أيضا لم يكن كافيا، فلا بد من إشراك الحركيين، وأهل السياسة والإعلام والقانون الملتزمين، وربما غيرهم في الجهد المبذول في هذا السياق.

إن فقه الأوليات وفقه الموازنات وأبحاث المواطنة في الشريعة الإسلامية تجد لها تطبيقا واضحا في هذا السياق، وهو ما نتوقع من أهل الفكر والعلماء والمراجع أن ينتبهوا إليه بالجدية المطلوبة، وأن يبادروا إلى إثراء الموضوع، وتوضيح حدوده ورسم مساراته، على نحو يعيد الأمر إلى جادته، وإلى المعاني الشرعية التي ينطلقون منها هم في حركتهم ودعوتهم.

ويجب أن لا يكون مقبولا أن يوظف أصحاب الشريعة في صراعات بعيدة كل البعد عن حقيقة السنة المطهرة أو مذهب شيعة أهل البيت، أو صارفة للمسلمين عن تطلعاتهم الشرعية في التحرر والنهوض والوحدة وتحكيم الشريعة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة