التعدد المذهبي في السعودية.. آفاق وتحديات   
الأربعاء 11/10/1425 هـ - الموافق 24/11/2004 م (آخر تحديث) الساعة 14:10 (مكة المكرمة)، 11:10 (غرينتش)


جعفر الشايب

- ملامح الأزمة المعاصرة
- القراءة الشيعية للأزمة
- تطور الموقف السلفي

- المبادرات الرسمية

يلحظ القارئ لتاريخ الجزيرة العربية أنها ولفترات طويلة كانت تحتضن العديد من المدارس الفكرية والمذاهب الإسلامية في معظم مناطقها حيث يعود ذلك أساسا إلى كونها حاضنة للحواضر الإسلامية والأماكن المقدسة لدى جميع المسلمين.

وما عدا مراحل زمنية معينة تعتبر استثنائية، كانت منطقتا الحجاز والأحساء تحديدا نموذجين للتعايش الاجتماعي والتعدد المذهبي على الرغم من كثرة الاتجاهات الفكرية والمذهبية فيهما.

وقد لعبت المدارس الشرعية والحلقات الدينية دورا مهما في بلورة مناهج للدراسات الدينية المقارنة وخلق حالة من الانسجام والتسامح بين أتباع هذه المذاهب المختلفة، حيث كان تقلد المناصب الدينية كالفتيا والقضاء يخضع في العادة إلى مقياس الكفاءة والقبول الاجتماعي قبل أن يستند إلى المحسوبية والتصنيف المذهبي.

"
انتشار التعصب الديني في المجتمعات الإسلامية أصبح مرتبطا بما هو قائم في السعودية حيث انتشرت الأفكار التكفيرية المتشددة وأدخلت هذه المجتمعات في صراعات مذهبية وفكرية كانت بعيدة عنها
"

وعلى الرغم من وجود سبعة مذاهب إسلامية في السعودية (المذاهب السنية الأربعة إضافة إلى الشيعة الاثنا عشرية والزيدية والإسماعيلية) تم الإقرار بوجودها عند نشأة الدولة السعودية الحديثة، فإن العقود القليلة الماضية اتسمت بحالة من التعصب المذهبي والتشدد الديني أصبحت متحكمة في كل مفاصل المجتمع السعودي، ونتج عن ذلك نهج فكري يحارب بكل ضراوة الاتجاهات الفكرية والمدارس المذهبية القائمة في المجتمع.

كان يمكن للمملكة أن تبقى نموذجا مثاليا في العالم الإسلامي لإبراز التسامح الديني والتعدد المذهبي بأبهى صوره وتجلياته من خلال الوجود الطبيعي للمذاهب المتعددة فيها وإضفاء شرعية الحركة عليها، ولكن نمو التشدد الديني عكس الصورة تماما.

والأدهى أن انتشار التعصب الديني في المجتمعات الإسلامية الأخرى أصبح مرتبطا بصورة أو بأخرى بما هو قائم في المملكة، حيث انتشرت الأفكار التكفيرية المتشددة وأدخلت هذه المجتمعات في صراعات مذهبية وفكرية متشنجة كانت بعيدة عنها كل البعد.

ويبدو أن هنالك بوادر مراجعة جديدة لهذه الأزمة من نواحيها المختلفة، وخاصة من قبل مجموعة من المثقفين المستنيرين من مختلف المدارس الفكرية ومن قبل الجهات الرسمية للبحث عن وسائل مناسبة تعالج الأضرار التي خلقتها هذه الأزمة الفكرية على الصعيد المحلي والعالمي.

ملامح الأزمة المعاصرة
يمكن رصد بداية التوتر المعاصر في العلاقة بين أتباع المذاهب الإسلامية في السعودية في مرحلة بناء الدولة الحديثة وإعادة تنظيمها في الستينات الميلادية، حيث نما المد السلفي بصورة واسعة، وبدأ تبعا لذلك انحسار الفاعلية الثقافية للاتجاهات الأخرى على الساحة الوطنية.

وأدى ذلك بطبيعة الحال إلى حالة من التقوقع والانكماش لدى أتباع هذه المذاهب بسبب غياب الفرص التي كان يمكن أن تساهم في تصحيح الصورة النمطية السائدة عنهم.

عملت الاتجاهات الدينية المتشددة على توظيف كل الإمكانيات التي أتيحت لها في تعزيز مواقعها والدفع باتجاه تأزيم العلاقة مع الاتجاهات المذهبية الأخرى والحد من حريتها في الوجود.

"
عملت الاتجاهات الدينية المتشددة على توظيف كل الإمكانيات التي أتيحت لها في تعزيز مواقعها والدفع باتجاه تأزيم العلاقة مع الاتجاهات المذهبية الأخرى والحد من حريتها
"

وقد تمت أدلجة العديد من المشاريع الوطنية لتخدم هذه الأغراض حتى تلك التي كانت تهدف إلى تعزيز الاندماج الوطني، ومن بينها مناهج التعليم وبرامج وسائل الإعلام المختلفة والمؤسسات الدينية والمراكز الخيرية وغيرها.

ونتج عن ذلك بروز سلوكيات وممارسات اجتماعية تتسم بالتعصب والتمييز ضد كل من يختلف مع هذا الاتجاه المتشدد دون وجود أية حماية قانونية.

وقد نتج عن حالة التعبئة والتحريض المستمر للانتقاص من الآخر المختلف مذهبيا والسعي إلى إقصائه، شعور بالانتصار والقوة لدى الاتجاهات المتشددة وتوظيف سلبي لتوجهات أبناء المجتمع الواحد ضد بعضهم البعض.

وتحول الانتماء المذهبي –رغم محدودية خيارات الأفراد فيه- إلى مقياس رئيس لصدقية المواطنة والولاء للنظام السياسي، بدلا من الاعتبارات المتعارف عليها في العلاقة بين المجتمع والنظام.

ومن المؤكد أن انتشار حالة العنف وتجذره في المجتمع السعودي بناء على الأحداث المتتالية جاء نتيجة طبيعية لحالة التعصب الديني هذه، ولانتشار منهجية الإقصاء والاستبعاد للآخرين وعدم الإقرار بحقهم في الوجود والمشاركة والعيش المشترك.

القراءة الشيعية للأزمة
يمكن القول إن المواطنين الشيعة في السعودية قد تعرضوا أكثر من غيرهم للآثار المترتبة على هذه المنهجية الإقصائية بسبب التباين المذهبي الواضح وغياب التشريعات القانونية المنظمة لهذه العلاقة بين أطراف المجتمع.

وقد أدرك المثقفون الشيعة منذ وقت مبكر الأضرار التي أفرزتها هذه التطورات ضد أبناء مجتمعهم، ورأوا أن علاجا يقوم على إقرار مبادئ التعايش على أساس المواطنة، وتعزيز الاحترام المتبادل كفيل بأن يخفف من غلواء التشدد المذهبي والتوتر الطائفي في المملكة، بما يتطلبه من مشروع ونهج فكري وثقافي يعالج هذه المشكلة من جميع أبعادها، ويؤطرها ضمن مشروع وطني يبتعد عن المهاترات والمزايدات والإسقاطات التاريخية المختلفة.

ولعل أول بوادر هذا المشروع كانت المحاضرات التي ألقاها الشيخ حسن الصفار في موسم المحرم من عامي 1408-1409هـ والتي صدرت على شكل كتاب مهم تحت عنوان "التعددية والحرية في الإسلام" عن دار البيان العربي عام 1410هـ، حيث أصل المؤلف في هذا الكتاب لقضايا التعددية والحرية الدينية وتعدد المذاهب ودعا إلى مواجهة التكفير والتعصب والطائفية والإرهاب الفكري.

واستمر الشيخ الصفار في كتاباته ومحاضراته في هذا المجال منذ ذلك الحين بكل وضوح وجرأة لغاية يومنا هذا، بل إنه أوجد مقاربة حقيقية بين التصور النظري والبرنامج العملي لقضية العلاقة بين أتباع المذاهب الإسلامية على مستوى المملكة على الأقل.

ولاشك أن انفتاح بعض مثقفي الشيعة السعوديين على الأجواء العلمية الدينية في كل من العراق ولبنان في نهاية الثمانينات الميلادية، واستلهامهم تجارب الشخصيات المعتدلة والمنفتحة هناك، ساهم في تعزيز هذا التوجه لديهم.

"
انتشار حالة العنف وتجذره في المجتمع السعودي نتيجة طبيعية لحالة التعصب الديني وانتشار منهجية الإقصاء والاستبعاد للآخرين وعدم الإقرار بحقهم في الوجود والمشاركة
"

فقد اصدر كل من الأستاذين زكي الميلاد ومحمد محفوظ مجلة "الكلمة" في خريف عام 1413هـ التي استطاعت أن تؤصل قضايا الحوار وحقوق الإنسان والسلم الاجتماعي وبناء المجتمع المدني، وأصدرت كتابا عن الحوار الإسلامي - الإسلامي شارك فيه العديد من المثقفين والكتاب.

وألف زكي الميلاد ضمن مؤلفاته العديدة كتابا عام 1414هـ تحت عنوان "الوحدة والتعددية والحوار في الخطاب الإسلامي المعاصر"، كما أصدر محمد محفوظ كتابا قيما عام 1418هـ تحت عنوان "الأهل والدولة: بيان من أجل السلم المجتمعي".

إضافة إلى ذلك كتب الشيخ عبد الله اليوسف كتابا عام 1416هـ حمل عنوان "شرعية الاختلاف: دراسة تأصيلية منهجية للرأي الآخر"، كما ألف الشيخ محمد حسن العليوات كتابا في هذا المجال حمل عنوان "في التأهيل الاجتماعي" عام 1414هـ.

ساهمت جميع هذه الجهود الفكرية إضافة إلى الخطابات الجماهيرية بالمناسبات الدينية المختلفة في تهيئة أرضية مناسبة تدفع باتجاه الانفتاح على الآخر وتتلمس منابت التعايش المشترك، على الرغم من بقاء السواد الأعظم من المجتمع الشيعي مترقبا لما ينتج عن هذه المبادرات.

ومن الجدير بالذكر أن موقع شبكة راصد –وهو من المواقع الشيعية المعروفة– قد أجرى استفتاء أفاد بأن 75% منهم لا يعتقدون بأن هنالك بوادر انفتاح بين السلفيين والشيعة في السعودية حاليا.

تطور الموقف السلفي
الاتجاه السلفي بدأ وفي مرحلة متأخرة، في التعاطي مع هذه القضية الشائكة بمستوى لا بأس به من الجرأة والوضوح عبر الدعوة إلى الانفتاح على الآخر ونبذ منهج التكفير الذي اكتوى بناره التيار السلفي ذاته.

ورغم المبادرات الشجاعة والجريئة التي قادها المثقفون المستنيرون السعوديون في التيار السلفي تحديدا والسني عموما، فإنهم لم يتمكنوا لحد الآن من تقديم طرح متقدم يؤسس لمعالجات جادة لهذه الأزمة، ولعل ذلك ناتج من عدم الشعور بوجود حاجة ملحة لدى التيار السلفي الواسع.

وساهم في معالجة الإشكاليات المتعلقة بهذه القضايا مجموعة من المثقفين المستنيرين ضمن سعيهم لتفكيك هذه الأزمة وأبعادها المختلفة، ومن أبرزهم الدكتور محمد علي الهرفي وإبراهيم البليهي ومحمد علي المحمود وعبد الله بجاد العتيبي وحسن فرحان المالكي ومنصور النقيدان ومشاري الذايدي وسعود السرحان وعبد العزيز قاسم وغيرهم.

"
العلاج القائم على إقرار مبادئ التعايش على أساس المواطنة وتعزيز الاحترام المتبادل كفيل بأن يخفف من غلواء التشدد المذهبي والتوتر الطائفي في المملكة
"

وساهمت مواقف بعض المشايخ السلفيين في استنكار أحداث العنف الطائفية في العراق وباكستان، وقد كتب الشيخ محمد الدحيم أول تصريحات تتسم بالاعتدال تجاه المواطنين الشيعة، وهي كأحاديث الشيخ عوض القرني ساهمت في خلق تموجات إيجابية في الساحة الوطنية.

تتلخص المعالجات التي يقودها هؤلاء المثقفون في التعبير عن قراءات نقدية لمسيرة الفكر المتشدد وتطوره وإبراز ثغراته، وكذلك في تقييم الأنشطة والفعاليات والبيانات التي يصدرها رموز هذا الاتجاه من حيث تأثيرها على المجتمع وعلى وحدته الوطنية.

ومع أنه من السابق لأوانه الحكم على تأثير هذه المبادرات في الساحة المحلية، فإنه يؤخذ عليها أنها لم تستطع لحد الآن بلورة باكورة مشروع عملي أهلي على صعيد الوطن يساهم في وضع اللبنات الأولى للتقارب بين المواطنين من أتباع المذاهب المختلفة.

ويلاحظ كذلك أن مواقف الرموز الدينية متأرجحة كثيرا في هذه القضية وتراعي رد فعل الأتباع وتبحث عن تبريرات مناسبة لهم.

وفي مقابل هذه البوادر الإيجابية التي ينحو باتجاهها الحوار المذهبي في المملكة، ما زالت هنالك اتجاهات متشددة تصادر هذه المحاولات الناشئة وتسعى إلى وأدها في مهدها مرجعة القضية إلى مربعها الأول المرتكز على الجدليات العقدية والخلافات المذهبية دون مراعاة للمصالح الاجتماعية والوطنية.

المبادرات الرسمية
لعب اللقاء الفكري للحوار الوطني دور المحفز في تناول هذه القضية ضمن برنامج عملي يهدف إلى الإقرار بالتعددية المذهبية داخل الوطن الواحد، والتعاطي على أساس حق العيش المشترك للجميع.

وقد ساهمت اللقاءات التي جرت ضمن وعلى هامش مؤتمرات الحوار الوطني الثلاثة في كسر الحاجز النفسي بين رموز الطرفين، والتعريف ببعض الأفكار والتوجهات لديهما بصورة مباشرة.

كما لعبت التصريحات المتكررة لكبار المسؤولين في المملكة تجاه الحد من فتاوى التكفير والتبديع والتفسيق التي كانت علامة بارزة لدى الاتجاهات المتشددة لعبت دورا مهما في تحييد أفراد المجتمع من تحولهم إلى أدوات تنفيذية ضمن حملات التعبئة ضد الآخر.

"
أزمة التعدد المذهبي من القضايا الوطنية الكبرى التي تحتاج إلى معالجة رسمية وافية تتطلب إعادة قراءة التشريعات واللوائح التي تنظم هذا الموضوع بكل تجرد وموضوعية
"

وينظر العديد من المراقبين إلى قيام القيادات السياسية في المملكة بزيارة عائلة السيد محمد علوي المالكي الرمز المالكي المعروف الذي صدرت بحقه العديد من فتاوى وأحكام التكفير للتعزية بوفاته، بتقدير كبير حيث أن مدلولاتها السياسية تتضمن إقرارا بهذه الرمزية الدينية مع أنها من مذهب آخر.

ومع أهمية هذه المبادرات ودورها الإيجابي في تخفيف حدة التوتر المذهبي، فإنها لا تزال بحاجة إلى تفعيل أكثر وتقنين أوسع بحيث تشمل الإقرار بوضوح نظريا وعمليا، بأن الانتماء المذهبي لا يمثل عائقا أمام مطلب الاندماج الوطني، واعتماد منهجية المساواة بين جميع المواطنين على اختلاف توجهاتهم الفكرية والمذهبية.

ومن المهم اعتبار أزمة التعدد المذهبي من القضايا الوطنية الكبرى التي تحتاج إلى معالجة رسمية وافية تتطلب بطبيعة الحال إعادة قراءة التشريعات واللوائح التي تنظم هذا الموضوع بكل تجرد وموضوعية.

إنه وبعد هذه المرحلة الطويلة من الصراعات والتجاذبات المذهبية المستمرة، رأى الجميع أنها لم تكن في مصلحة أي من الأطراف الداخلة فيها، بل إن المستفيد الأول والأخير منها هم أعداء الأمة بمختلف اتجاهاتهم، ولذا فإنه من الواجب أن يتم التعاطي مع هذا الموضوع بكل شفافية وصراحة وحزم بحيث يتم تحديد عناصر الأزمة وأسبابها ووضع خطة عمل شاملة لمعالجتها.
____________
كاتب سعودي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة